Uncategorized

غريبه في عالمك ٥ بقلم رحاب حلمي

ننتقل إلى المستشفى أمام حجرة العمليات لنجد الجميع يتشاركون مشاعر واحدة وهي القلق على حياة يوسف فمنهم وليد الذي يبكي بحرقة خوفا من فقدان أعز الناس على قلبه وبجواره زوجته التي تحاول أن تواسيه وهي التي كانت بحاجة إلى من يواسيها فهي تتعذب لعذابه, ومنهم عبدالرءوف الذي كان يجلس بالقرب منهما على أحد المقاعد بالمستشفى وهو يدعو الله أن يجنبهم تلك المصيبه فهو لن يتحمل فراق ولده الثاني وهو لايزال على قيد الحياة وبجواره ابنته التي كانت تقرأ في مصحف صغير بيدها بصوت منخفض عل السكينة تنزل على قلوبهم جميعا و يأتيهم خبر نجاته بعد قليل, وفي المقابل نرى هدى والتي

كانت تبكي بصمت حتى احمرت عيناها من شدة البكاء.
وهنا ظهرت مريم التي كانت تقريبا تركض نحوهم والدموع تسبقها, وكان ماهر خلفها ويحث الخطى كي يمكنه اللحاق بها, وعندما اقتربت منهم أسرعت إلى جدها وهي تسأله بلهفة وصوت باك: فين يوسف يا جدو؟ ايه اللي حصله؟
فربت عبدالرءوف على كتفها وقال محاولا التماسك: ادعيله ربنا ينجيه يا بنتي.
فقالت مريم بقلب يكاد أن ينفطر: يارب يا جدو. يوسف مش ممكن يمـ,ـوت.
وهنا تحامل وليد على نفسه واقترب من مريم وهو يقول محاولا أن يبدو صوته ثابتا: لو سمحتي يا مريم عاوزك في كلمتين.

فنظرت إليه مريم بعينين تائهتين ثم سارت في إثره كالمغيبة.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
: معقول اللي بتقوله دة يا وليد؟
لم يستطع عقلها أن يستوعب كل تلك المفاجآت دفعة واحدة فأرادت أن تتأكد أكثر لذلك سألت وليد الذي قد اختار غرفة الاستراحة ليخبرها بكل الأسرار التي كانت تخفى عليها: يعني انت عاوز تفهمني ان ما كنش فيه أي علاقة بتربط بين يوسف وعلياء؟

بالفعل كان هذا هو كل ما يهمها من كل ما سمعته منه, فقال وليد مؤكدا كلامه السابق: يا مريم يوسف بعد ما اتجوزك وهو معرفش ست غيرك, فبالرغم من كل عيوبه الا ان عمره ما كان خاين.
مريم: طب ليه ما حاولش يقولي؟
وليد: ما كنش ينفع, المهمة دي كانت سرية لأقصى حد ولولا انهم احتاجوني فيها انا كمان ما كنتش هعرف.
مريم: وياترى دة حصل امتى بالظبط يعني قبل جوازنا ولا بعده؟
وليد:

يوسف قالي ان جدك كان شاكك من زمان في سلوك جوز عمتك, وكانت فيه شبهات كتير بتدور حوالين شغله وحس انه لفه ودوارانه عشان يمسك ادارة شركة الكامل كان مجرد انه عايزها تبقا ستارة لشغله المشبوه دة عشان كدة جدك اوكل بادارة شركته ليوسف وهو اللي قدر يكشف اللعبة وخصوصا بعد ما جند اللي اسمه محمد جمال دة اللي جوز عمتك كان مخليه جاسوس في شركة الكامل وهو بردو كان الشخص اللي حط أجهزة التسجيل في مكتب كمال وهدان واللي من خلاله احنا قدرنا نتوصل لكل الدلايل اللي ممكن تدينه وكان ما فاضلش غير انه يتمسك متلبس.
مريم:

وعماد و علياء كانوا بيشتغلوا معاه؟
وليد: عماد هو اللي كان بيوردله المخدرات من برة وعلياء هي اللي كانت بتجيبلهم الزباين.
ثم أكمل ساخرا: وطبعا البركة كانت في شغلها اللي خلاها على علاقة بصفوة المجتمع من زوجات رجال الأعمال الفاضيين ومش لاقيين حاجة يعملوها فبيضيعوا وقتهم في تناول المخدرات.
مريم: وهما دلوقت اتقبض عليهم؟
عماد: للأسف يوسف قالي انهم قدروا يهربوا, وأكيد اللي حصله دة هما اللي وراه, بس اللي مجنني وهمـ,ـوت وأعرفه هما ازاي قدروا يكتشفوا ان يوسف هو السبب في القبض عليهم؟

لم تكن مريم بحاجة إلى سماع المزيد, فكل ما كان يشغل بالها الآن هو أنها قد ظلمت يوسف باتهامه بالخـ,ـيانة من جهه و الجشع من جهة أخرى, يوسف الذي قد خاطر بحياته لإنقاذ جدها من خطر زوج عمتها, يوسف الذي أصبح الآن بين الحياة والمـ,ـوت, وقد تضاعف ألمها, فإن كانت قد سامحته فور علمها بخبر إصابته وهي على يقين بسوء نواياه, فكيف هو شعورها الأن بعد أن اكتشفت براءته من كل التهم المنسوبة إليه؟

علم وليد بأنها بحاجة لبعض الوقت كي تخلو بنفسها حتى يمكنها استيعاب كل تلك الصدمات التي انهالت عليها واحدة تلو الأخرى, فقرر الانسحاب من الغرفة بهدوء وقبل أن يصل إلى الباب وجد حياة وكانت تلهث من الجري وهي تقول بلهفة: وليد! مريم ! يوسف خرج من العمليات.
وعلى الفور ركض وليد خارج الحجر ومريم وحياة تحاولان اللحاق به.

_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
في فيللا شاكر عزالدين وقد كان يسود الحزن أيضا ولكن من نوع آخر, وقالت الأم التي قد جفت عينيها من كثرة الدموع: انا مش قادرة أصدق, بقا عماد ابني اللي متربي على ايديا يتاجر في المخدرات؟
شاكر بنبرة عتاب كانت لنفسه أولا قبل أن تكون لزوجته:

للأسف يا مديحة احنا اهتمينا بارضاء رغباته وبس أكتر من اننا نعلمه الحلال والحرام والصح والغلط, ولأنه كان ابننا الوحيد فكنا مش عاوزين نرفضله أي طلب ونتجاهل كل أخطائه ونعمل اننا مش شايفينها, ودة اللي خلاه يتمادى اكتر وأكتر لحد ما وصل للي وصله دة. يعني قبل ما نلومه هو احنا لازم نلوم نفسنا في الأول.
مديحة: طب وهو فين دلوقت؟
شاكر: معرفش, محدش عارف طريقه لحد دلوقت, والبوليس عمال يدور عليه ومش لاقيه.
مديحة: طب واحنا هنفضل ساكتين كدة؟ ماهو بردو ابننا يا شاكر واحنا لازم ندور عليه ونقومله أحسن محامي.

ثم نظرت إلى نهال والتي كانت تجلس في كرسيها ملتزمة الصمت: طب انتي يا بنتي ما تعرفيش هو ممكن يكون فين دلوقت؟ انتي مراته وأكيد عندك أي فكرة عن المكان اللي ممكن يكون مستخبي فيه.
وقبل أن تجيب نهال بلهجتها الجافة التي قد اعتادت عليها مديحة, فقد سمعوا صوت جرس الباب الذي تصاعد رنينه بشكل يكاد يصم الآذان, مما جعل شاكر ينفعل كثيرا وهو يصرخ في أحد الخدم الذي كان يتجه إلى الباب ليفتحه: ما بسرعة شوية يا عبدالجليل, وتشوف البني آدم اللي مش جايله صبر دة.

فأسرع عبد الجليل في سيره, وفتح الباب ليجد أحد الضباط أمامه وعلى مقربة منه وقف مجموعة من العساكر, ولم ينتظر الضابط الاذن بالدخول بل اقتحم المكان على الفور وأخذ يوزع العساكر الذين كانوا تحت رئاسته في جميع أنحاء الدور الأرضي بالفيللا, فاقترب منه شاكر يسأله وهو يستعد لتلقي صدمة جديدة: هو فيه ايه يا حضرة الظابط؟ انا شاكر عزالدين صاحب الفيللا.
الضابط: انا معايا أمر بتفتيش الفيللا.
شاكر بألم: الفيللا تحت أمركم, بس لو كنت بتدور على عماد ابني, فللأسف مش هتلاقيه.
الضابط: احنا بندور على حاجة تانية يا استاذ شاكر, اما موضوع ابنك فدي مهمة ناس غيرنا.

وبعد فترة من التفتيش عاد العساكر يقولون: مفيش حاجة يا فندم.
فقال الضابط لشاكر وهو يشير إلى الدور العلوي: بتهيئلي ان أوض النوم هي اللي فوق؟
شاكر: ايوة يا فندم.

ودون كلمة أخرى اتجه الضابط إلى الدرج وصعد السلم مشيرا إلى العساكر بتتبعه, وصعد خلفهم كل من شاكر ونهال ومديحة اللتان قد استوعبتا الصدمة أخيرا, وبعد أن سألهم الضابط عن غرفة نوم ابنهم, توجه إليها على الفور ويتبعه الأخرون, ثم أعطى أوامره بتفتيش الغرفة, أما هو فأخذ يجول بعينيه في مختلف محتوياتها حتى وقعت عيناه على حقيبة سفر صغيرة بجوار السرير سأل عنها نهال بعد أن علم بأنها زوجة عماد: بتاع مين الشنطة دي يا مدام؟
نهال: بتاعتي و فيها شوية تحف كنت اشتريتهم عشان أخدهم معايا لبنان كتذكار يعني.
الضابط: طب لو سمحتي افتحيها.

فحملت نهال الحقيبة ووضعتها على السرير, ثم فتحتها لتظهر بداخلها بعض التماثيل الصغيرة, فاقترب منها الضابط وأخذ يتفحص التماثيل بعناية واحدا تلو الآخر حتى توقف عند أحدهم وقد كان أحد التماثيل التي قد أهداها لها عماد ذات يوم لعلمه بعشقها لذلك النوع من الفنون وفوجئت نهال بأنه ينزع رأسه ليبدو التمثال مجوفا من الداخل وفوجئت أكثر عندما وجدته يفرغ ما بداخله في يده لتظهر العديد من حبات الألماس اللامعة, فقال الضابط لنهال: تقدري تقوليلي ايه دة بقا يا مدام؟
نهال متلعثمة وقد أصابها الذعر: معرفش.
فأومأ الضابط برأسه وهو يقول لها: طب تسمحي بقا تيجي معانا؟
نهال:

على فين:
الضابط: على مكان اللي انا وانتي هنقدر نعرف فيه يبقا ايه دة.

_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
ومر ما يقرب من الأسبوعين ويوسف لايزال في المستشفي بعد أن تمكن الأطباء من إخراج الرصاصة من صدره بصعوبة وقد ظل في العناية المركزة لعدة أيام, ثم بعد أن اطمئن الأطباء على استقرار حالته أمروا بنقله إلى احدى الغرف العادية والتي كان قد اجتمع فيها الآن وليد وحياة وماهر وهدى الذين كانوا يتناوبون على زيارته ومريم التي أبت أن تغادر المستشفى إلا وهي برفقة يوسف, وقد عملت هي

على خدمته طوال هذه المدة, إلى أن أصبح الأن في حالة تسمح له بالجلوس وكذلك الحديث, فقال لوليد: طمني يا وليد مفيش أخبار عن عماد وعلياء؟
وليد: لا لسة بس وديني مانا سايبهم.
يوسف مبتسما: يعني انت بايدك ايه تعمله؟
وليد: بايدي كتير يا يوسف. وهتشوف.
يوسف مازحا وهو يشير إلى الضمادة التي تحيط بكتفه: لا ورحمة أبوك, كفاية اللي أنا شفته لحد دلوقت. احنا مش ناقصين مصيبة تانية.
وليد: ما تقلقش يا يوسف, ان شاء الله خير.

فنظرت إليه حياة بقلق, فقد كانت بالفعل قلقة عليه من شر عماد ذلك الشخص الذي يمكنه أن يفعل أي شيء بغرض الوصول لهدفه, ولكنها لا تستطيع أن تبوح له بذلك, مازالت لا تستطيع.
ثم سمعوا طرقا على الباب, وبعدها دخل الطبيب وبصحبته احدى الممرضات وقال ليوسف: عامل ايه دلوقت يا باشمهندس؟
يوسف: الحمد لله يا دكتور.
ثم وجه الطبيب حديثه للآخرين وهو يقول: طب لو سمحتوا يا جماعة تطلعوا برة عشان نغير للمريض.
فقال وليد لأخيه مستئذنا: طب عن اذنك بقا يا يوسف وان شاء الله هجيلك بكرة ومعايا أخبار كويسة.

يوسف بقلق لم يرد أن يبديه: خلي بالك من نفسك يا صاحبي.
ثم غادر الجميع الحجرة ولم يبق سوى مريم, وبعد أن أنهى الطبيب مهمته وقد استعد أن يغادر الغرفة سأله يوسف: أنا امتى هسيب المستشفى يا دكتور؟
الطبيب ممازحا: ايه دة؟ خلاص زهقت مننا أوام كدة يا باشمهندس؟ وع العموم يا سيدي اطمن كلها أسبوع تاني بالكتير وهكتبلك على خروج.
يوسف: متشكر أوي.
وخرج الطبيب وخلفه الممرضة, فحاول يوسف أن يستلقي مجددا على السرير وأسرعت مريم لتعدل من وضع الوسادة تحت رأسه وساعدته في أن يعدل وضعه فقال لها يوسف بامتنان: متشكر أوي يامريم.

مريم مبتسمة: انا اللي المفروض اني أشكرك يا يوسف.
يوسف: بس………
فوضعت مريم كفها على فمه وهي تقاطعه قائلة: ما تقولش أي حاجة, المهم دلوقت انك تقوم بالسلامة وساعتها يبقا نتكلم.

_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
كان عماد في قمة غضبه وهو يقف في بهو الفيلا التي كان يختبىء بها والتي تضم أيضا علياء وهي تجلس على كرسيها بكل هدوء تقلم أظافرها, وسبعاوي يقف مطرقا رأسه لتحمل كل إهانات عماد الذي كان يقول: واضح انك خلاص كبرت وايدك تقلت وما بقتش قادر تشيل السلاح.
سبعاوي وهو يحاول أن يدافع عن نفسه:

ما تقولش كدة يا وليد بيه, هو بس اللي كان حظه نار وقدروا يلحقوه, أعمل ايه؟ لسة ليه عمر بقا؟
لم يخفف هذا الكلام من ثورته: ماهو لو كانت رصاصتك دي جات في **او كانت اكتر من رصاصة ما كانوش هيلحقوه يا فالح.
سبعاوي: ع العموم حقك عليا يا عماد بيه. وان كانت خيبت المرادي فانا أضمنلك بحياتي انها مش هتخيب المرة الجاية.
عماد باستهزاء: المرة الجاية! وانت فاكر ان هيبقا فيها مرة جاية؟ ما خلاص يا فالح, زمانهم دلوقت خدوا احتياطاتهم وأمنوا نفسهم.
سبعاوي بثقة وتحدي:

بردو هجيبه, ولو كان في فيللته ووسط أهله والمديرية كلها بتحرسه فأنا مش هسيبه, دة بقا خلاص تار شخصي يا عماد بيه.
عماد: لا دي بقا محتاجالها ترتيب تاني خالص, مانا مش هسيب البلد غير لما اخلص منهم كلهم دفعة واحدة.
وهنا رن هاتفه الجوال فأمسكه وليد ثم وضعه على أذنه وقال: ايوة يا أسامة, فيه ايه؟……….. مين؟….. ماهر؟
فانتفضت علياء فور سماعها الاسم ولكنها انتظرت إلى أن ينهي المكالمة حيث سمعته يقول: ودة ايه اللي جابه؟………. طب هو لوحده ولا معاه حد؟……… لا طبعا دة جاه لقضاه……….

فتشه الأول وبعدين دخله بس لوحده وخلوا بالكم من اللي معاه, وخليكم مستعدين في اي لحظة.
ثم أنهى المكالمة فأسرعت علياء نحوه وهي تكاد تحترق من القلق والشك: تفتكر ايه اللي جاب البني آدم دة هنا؟ وايه اللي عرفه مكانا أصلا؟
عماد: كلها ثواني ونعرف
وبالفعل ماهي إلا ثواني قليلة حتى حضر ماهر وبصحبته حارسا مدججا بالسلاح, وفور أن رأى عماد فتح ذراعيه وأسرع إلى عماد يحتضنه وهو يقول: حبيب قلبي يا عمدة, فينكم يا راجل؟ قلقتوني عليكم.

لم يبد عماد أي استجابة لتلك الحرارة التي أظهرها ماهر نحوه بل ظلت ملامحه جامدة, ولكن ماهر لم يبال بالأمر كثيرا بل استمر يقول بعتاب: بقا ياراجل تعمل معايا انا كدة؟ تخلي رجالتك يفتشوني على باب الفيللا؟ بس ياللا هسامحك المرادي لأني مقدر ظروفك.
ثم ضغط على ذقن علياء وهز وجهها بيده بلطف: ازيك يا لولا, عاملة ايه يا قمر؟
وقد حذت علياء حذو عماد فلم تجب, أما عماد فقد تخلى عن صمته وهو يسأله: انت ايه اللي جابك يا ماهر؟ وعرفت مكانا هنا ازاي؟
ماهر متصنعا الحزن: بقا هي دي أهلا وسهلا بردو اللي بتقولها لضيوفك؟

فكرر عماد سؤاله ولكن بنبرة أعلى: جاوب على سؤالي يا ماهر, وقولي عرفت مكاني منين؟
فقال ماهر وهو يجلس على الأريكة بارتياح دون أن يأخذ الإذن من أحد: لا يا صاحبي, انت سألتني سؤالين. انا عرفت مكانك ازاي؟ وجيت هنا ليه؟ وانا بقا مش هكون بخيل زيكم وهجاوبك ع الاتنين.
ووقف عماد وعلياء يرمقانه بنظرات شك في انتظار أن ينهي حديثه, فاستمر ماهر يقول:

اولا كان سهل عليا اوي اني أوصل لمكانكم وخصوصا اني أعرف كل أسراركم واللي كان منها الفيللا دي واللي انت اشتريتها من سنة وكتبتها باسم مراتك وهي ما تعرفش, ولا نسيت ان انا اللي عرفتك على السمسار؟
لم يستطع عماد أن ينكر ذلك لأنه كان حقيقة ولكنه لم يطمئن تماما لماهر فسأله: طب وانت عاوز ايه دلوقت؟
ماهر: جينا بقا للسؤال التاني أنا جيت هنا ليه؟ انا جيت عشان نشوفلنا حل للمصيبة اللي حصلت دي.
علياء: وانت يهمك ايه في اللي حصل؟ اهو كله وقع على دماغنا.
فنهض ماهر مرة أخرى وهو يقول بغضب: يهمني ايه ازاي؟

انتو نسيتوا ان بابا محبوس دلوقت على ذمة القضية؟ يعني المصيبة دي ضرتني زي ماهي ضرتكم, والله أعلم بقا القضية دي هترسي على ايه؟ ومش جايز كمان الحكومة تحط ايدها على كل الأملاك باعتبار انها جاية من طريق غير مشروع , وساعتها بقا هبقا يا مولاي كما خلقتني.
عماد: طب واحنا ممكن نعملك ايه دلوقت؟
ماهر: خدمة قصاد خدمة.
عماد: ازاي يعني؟
ماهر: انا مش طالب كتير, هو اتنين مليون دولار يا صاحبي أخدهم وأسافر أعيش بيهم حياتي برة.
فشهقت علياء وقالت: ايه؟ اتنين مليون ايه؟

ولكن لم يبد على عماد أي تأثر بل سأله بهدوء: وانت بقا هتقدملنا ايه في المقابل؟
ماهر: انا عرفت انك عاوز راس يوسف وأخوه لأنهم كانوا السبب في اللي انتوا بقيتوا فيه دلوقت مع اني بصراحة هتجنن وأعرف انتوا اكتشفتوا دة ازاي؟
فاندفعت علياء تقول: واحنا بنهرب أنا وعماد لمحت عربية يوسف واقفة قريب من عربيات البوليس فاتأكدت ان هو اللي بلغ عننا وان كل اللي كان بيعمله دة كان مجرد لعبة علينا.
عماد: بس انت يا ماهر لسة ما قولتلناش انت هتقدملنا ايه مقابل المبلغ دة ؟
ماهر:

هدية يا صاحبي هتفرحك أوي وتخليك تضرب عصفورين بحجر واحد.
عماد: هدية ايه؟
ماهر بغموض: هتعرفها حالا بس خلي الرجالة بتوعك يدخلوا الناس اللي برة.
وعلى الرغم من أن عماد لم يرتح للأمر تماما إلا أنه أمسك بهاتفه واتصل بحارس البوابة الخارجية, وقال له: دخل الناس اللي عندك, أيوة اللي كانوا مع ماهر. وانت كمان تعالى معاهم وهات معاك حسام ومجدي ومعتز.

ثم انتظروا قليلا حتى جاء اربعة من الحراس مما يعملون مع عماد وبرفقتهم ثلاثة رجال أخرين, من ضمنهم رجلا مقيدا بالحبال وتغطي وجهه طاقية سوداء فنظر عماد وعلياء إلى ماهر بتساؤال مما جعل ماهر يقترب من الرجل المقيد وهو يدور حوله بعينين عابثتين و يقول, اسمحولي أرفع الستار عن هديتي المدهشة.
ثم نزع الغطاء عن وجه ذلك الرجل ليكتشفا أنه وليد جلال وقد كان ينظر إليهما بغضب, لذلك علت الدهشة وجهيهما معا, فقال لهما ماهر:

ايه رأيكم بقا في المفاجأة دي, أدي وليد أدامكم بشحمه ولحمه, تقدروا تعملوا فيه اللي انتوا عاوزينه, وطبعا مش محتاج أقولكم مـ,ـوت وليد ممكن يعمل ايه في أخوه؟ ماهو حاجة من الاتنين يا اما يحطمه تماما لدرجة تخليه ما يقدرش بعدها انه يأذي حد فينا, يا إما يخليه يغضب ويثور و يحاول ينتقم ليه بسرعة وساعتها بقا يخرج من جحره وتقدروا تصطادوه براحتكم.
ولأول مرة تظهر الابتسامة على وجه عماد وإن كانت ابتسامة شيطانية, أما وليد فقد وجه غضبه إلى ماهر وهو يقول:

كنت شاكك فيك من البداية بس كنت بحاول أكدب نفسي, صحيح البني أدم اللي زيك عمره ما هيتعدل أبدا.
ماهر: معلش بقا يا عم وليد, المصلحة تحكم بردو.
وليد: ماشي يا ماهر ليك يوم.
وهنا رد عماد ساخرا وهو يقترب من وليد بعد أن أخرج سلاحه ليشهره في وجهه: جرى ايه يا باشمهندس؟ انت مش شايف نفسك ولا ايه؟ مش حاسس انك في موقف ما يسمحش لواحد في حالتك انه يهدد بأي حاجة.
وليد:

لو كنت فاكر ان عشان اللي انا فيه دة هركع تحت رجلك وأترجاك انك تطلق سراحي تبقا غلطان, مش وليد جلال هو اللي يعمل حاجة زي دي. انا أهون عليا أمـ,ـوت ولا اني أتذلل لواحد زيك.
ماهر: لا راجل بصحيح.
ثم قرب فمه أكثر من أذنه وهو يقول بصوت أشبه إلى الهمس: وياترى بقا كنت راجل أوي كدة مع المدام اللي قدرت تضحك عليك وتفهمك انك أول راجل في حياتها؟

وعندما لاحظ عماد احمرار وجهه من الغضب ولكن لم يكن بيده القيام بما هو أكثر من ذلك فأطلق عماد ضحكة عالية تردد صداها في أرجاء المكان, ولكن قاطعه ماهر وهو يقول له وقد بدأ نفاذ الصبر يبدو على ملامحه: بقول ايه يا عماد؟ انا كدة عملت اللي عليا, اديني بقا نصيبي, وخلي رجالتك يرجعولنا السلاح.
فنظر عماد لأحد رجاله وقال له وقد اطمئن تماما من ناحية ماهر: رجعلهم سلاحهم يا أسامة.
وبالفعل أعاد أسامة السلاح لماهر والرجلين الذين كانا يرافقان وليد, وسأل ماهر عماد: طب ونصيبي؟
عماد: ومستعجل على ايه يا سيدي؟

انت مش عاوز تحضر حفل التأبين اللي هنعمله للباشمهندس ولا ايه؟ ولا انت قلبك خفيف وما بتحبش تشوف الحاجات دي؟
ماهر بسخرية: لا ازاي؟ دة وليد دة حبيبي, وواجب عليا أحضر جنازته. بس ياريت تخلصنا بسرعة.
عماد: حبيبك ازاي وانت عاوز تخلص منه بسرعة؟ ياعم خلينا نتسلى شوية.
ثم فتح مسدسه وقال وهو يخرج منه الرصاصات واحدة تلو الأخرى:

كان فيه لعبة زمان بيحب يلعبها الأغنياء لما بيعدموا واحد من أعدائهم وكان اسمها رصاصة الرحمة, واللعبة دي أساسها انهم يخلو رصاصة واحدة بس في المسدس ويبدأوا ينشنوا على الهدف وهو وحظه بقا ممكن تكون الرصاصة دي رقم واحد او اتنين أو تلاتة, لكن في كل ضغطة على الزناد بيمـ,ـوت فيها الهدف مليون مرة, انا بقا يا ماهر نفسي ألعب اللعبة دي دلوقت.
ثم لف بكرة المسدس بيده بعد أن تأكد بأن ليس بها سوى رصاصة واحدة فقط, ثم قال لماهر:

تعالى يا ماهر عشان تلعب معايا وانتي كمان يا علياء وهنعمل رهان اللي الرصاصة تطلع من نصيبه ياخد من كل واحد فينا جنيه صحيح المبلغ تافه, بس اللعبة مسلية, وكمان الهدف ما يستاهلش أكتر من كدة.
وبالفعل اصطف الاثنان بجانبه, ماهر على يمينه و علياء على يساره بعيدا عن وليد بما يقرب من ثلاثة أمتار,بينما تنحى باقي الرجال جانبا تاركين وليد واقفا وحده في المنتصف, فتبادل عماد النظرات مع كل من ماهر وعلياء وسألهم: تحبوا مين يبدأ الأول؟
وعندما لم يلق جوابا قال مقررا:

خلاص يبقا أبد أنا باعتباري صاحب الفكرة وبعدين ماهر لان هو صاحب الهدف وعلياء في الأخر.
ولم ينتظر موافقة أي منهما أو اعتراضه بل انه أشهر مسدسه ناحية وليد, في حين ألقى ماهر بنظرة سريعة ناحية رجليه حملت نوعا من التفاهم بينهم لم يلاحظه أحد, وعندما استعد عماد ليضغط على الزناد, وجد ماهر مصوبا سلاحه إلى رأسه وهو يقول مهددا: انت أعقل من انك تعملها يا عمدة.
صعقت المفاجأة كل من علياء وعماد الذي قال: ايه دة يا ماهر؟ انت اتجننت؟
ماهر: قصدك عقلت ومن زمان أوي يا عماد.
عماد: يعني انت كنت كل دة…………..

ثم توقف عندما وجد أن الرجلين التابعين لماهر قد نزعا السلاح عن رجاله ثم توجه أحدهما وفك قيود وليد الذي أخرج سلاحا كان تحت سترته , وسمع ماهر يفسر له الأمر وهو يأخذ من يده السلاح: أحب أقدملك الرائد خالد والنقيب عمر.
وبعد لحظات اقتحم العديد من رجال الشرطة المكان وكانت علياء وعماد لا يزالان مبهوتين بسبب ما يحدث, وقد ألقي القبض عليهما وكذلك جميع الحرس الذين يعملون بالفيللا حيث بدا أنهم جميعا مطاردون من قبل رجال الشرطة.
وفي الخارج وقف وليد و ماهر مستندين على سيارة ماهر, فقال وليد:

متشكر أوي يا ماهر بجد انا مش عارف أقولك ايه؟
ماهر: ما تقولش يا باشمهندس, دة كان واجبي ولازم أعمله.
وليد بتردد: طب بخصوص والدك……..
فقاطعه ماهر بحزن: بابا اعترف على نفسه بكل حاجة وخرجني انا من القضية كلها بالرغم من ان انا كنت مستعد اعترف بكل الجرايم اللي اشتركت فيها معاه. بس هو ما رضيش يحملني أي مسئولية وعزائي الوحيد اني حاولت أحذره قبل كدة أكتر من مرة بس هو كان بيرفض يسمعلي ويمكن يكون دة السبب اللي مخليه حاسس بالندم دلوقت.ومستعد انه يتحمل أي عقوبة.
فربت يوسف على كتفه مواسيا:

احنا بردو مش هنسيبه, هنقومله أكبر محاميين وان شاء الله ياخد حكم مخفف.
فابتسم ماهر بامتنان واكتفى بإيماءة صغيرة من رأسه, في حين قد ظهر رجال الشرطة محيطين بكل من علياء وعماد الذي لمح من وليد وماهر من بعيد فنادى على ماهر: استاذ ماهر! كلمة واحدة لو سمحت.
فانتصب ماهر واقفا واتجه ناحية عماد بخطوات بطيئة بينما ظل وليد مكانه, وعندما أصبح ماهر على بعد خطوتين فقط من عماد الذي كان يمسكه اثنان من رجال الشرطة وقال له هذا الأخير: انت النهاردة كنت الشخص الوحيد اللي قدر يثبتلي أنا أد ايه كنت غبي, عشان كدة بحب أقدملك تحياتي..

وعندما أراد أن ينحني قليلا وجد أن رجال الشرطة من حوله يتأهبون فقال لهم وهو يشير بعينيه إلى حذائه ذات الرباط المفكوك: ايه؟ انا بس كنت عاوز أربط الجزمة.
فأرخى العسكران قبضتيهما من على ذراعه, ثم أفلتاه, وأكمل قائلا لماهر وهو ينحني نحو حذائه: دلوقت بقا صعب أوي ان انا وانت نعيش على أرض واحدة.

وقد شدد على الكلمة الأخيرة وهو ينزع خنجرا صغيرا من تحت شرابه واندفع به ناحية ماهر ناويا **, وماهر لا يزال واقفا قد صدمته المفاجأة في انتظار الطعنه تأتيه في **, ورجال الشرطة كل يقف في مكانه لم يتمكن أي منهم منعه حيث قد حدث كل شيء سريعا, ولم يتمكنا إلا من انتظار النتيجة, ولكن لدهشة الجميع وقبل أن ينغرز الخنجر في قلب ماهر خر عماد على الأرض صريعا نتيجة لطلقة نارية أصابت جبهته فاتجهت الأنظار ناحية المصدر ليجدوا وليدا ممسكا بمسدسه وقد كان في وضع إطلاق النار, وعندما نظر ماهر إليه رأى شبح ابتسامة تتراقص في عينيه.

انت في الصفحة 7 من 9 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى