الإثم التاسع و العشرون ذنـ,ـوب على طاولة الغفران نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
الإثم التاسع و العشرون بعنوان ” صـ,ـراع من أجل البقاء” أعتقد بأنني إمرأة صُنِعت من الألم، خُلِقت من أجل المُـ,ـعاناة
لم ترحم الحياة ضعفها يومًا بل زجت بها في معركة داميه لا هُدنة فيها ولا نهاية لها، و كلما قاومت أغرقتها أكثر في صدامات لا تنتهي لتقضي على كل ذرة مقاومة لديها، والمؤسف في الأمر أنها لم تكُن تملك خيارات. بل تقاتل بصمت لا تجرؤ حتى على البُكاء، فهي لا تملِك كتف يُمكنه مواساة عبراتها، ولا احتواء ضعفها.
صنعت الحياة بقلبها جـ,ـراح تأبى الالتئام، و ندبات لن تُشفى بل ستَظل تُذكرها بالماضي الذي يأبى تركها تحيا المستقبل بسلام، و لكن المُثير في الشفقة أنه حين لاحت بوادر الأمل من بين سُحُب الظلام المُحيط بها هب أعصار غاشم قطع آخر خيط كان يربطها بالحياة، فهل تستطيع التجاوز أم ستُعلِن هزيمتها هذه المرة و يرفع قلبها راية الإستسلام؟ نورهان العشري ـ طمنيني يا غنى. حصل حاجه امبارح؟ ابتسامة ساخرة أوشكت بالظهور على شفتيها قبل أن تقمعها وهي تقول بتحذير
ـ ماما. بلاش أسألتك دي.
صابرين بحدة
ـ يا بت طب ريحي قلبي. قوليلي. قولتيله ولا لسه؟ غنى بصرامة
ـ اقفلي على الموضوع دا يا ماما. صابرين بغضب
ـ ماهو لو مقولتيش انا هقول. حرام عليكي نفسك وحرام عليكي هو. انا عارفة أن دي الحاجة الوحيدة اللي هتقف بينكوا.. غنى بنبرة يشوبها القهر
ـ لو بيحبني مفيش حاجه هتقف بينا. اسكتي بقى. صابرين بعناد
ـ دا جوزك و من حقه يعرفي يا بنتي. افزعهم ذلك الصوت القادم من الخلف
ـ هو ايه اللي من حقي اعرفه؟
شعرت بالدماء تنسحب من أوردتها حين سمعت صوته من خلفهم، ولكنها سُرعان ما تداركت الأمر و و حدجت والدتها بنظرة تحذير لم تُخطيء في فهمها لتزفر الأخيرة بغضب قبل أن تلتفت إلى ياسر قائلة بنفاذ صبر
ـ كنت عيزاها تعرفك هي عانت قد ايه مع المخفي أجله. عشان عارفه أن الموضوع دا هيفضل بينكوا و مش هترتاحوا. غضب كثيرًا من ذكرها لهذا الأمر، فلا أحد يترك له المجال للنسيان أو التناسي ليهتف بصرامة اجفلتهم
ـ الماضي راح، و مش عايز اسمع حاجه عنه، و ياريت أنتِ كمان تقفلي عليه، و إيًا كان اللي حصل مش عايز اعرفه.
صُدِمت صابرين من حدته و تفرقت عينيها ما بين غنى التي تدعي اللامُبالاة باحترافيه و بين ياسر الذي يحترق من فرط الغضب ليقترب من غنى يحتضن كتفها بذراعه وهو يقول بجمود
ـ و بعدين احنا كويسين و مفيش حاجه واقفة بينا. كدا يا غنى ولا لا؟ ودت لو تُطلِق ضحكة ساخرة رنانه حين وقعت كلماته على أذنيها، ولكنها احجمت عن ذلك لتُمرر الأمر على خير حتى ترتاح من زن والدتها فتحدثت بنبرة لم تخلو من السخرية
ـ كويسين جدًا. هي دي محتاجة كلام!
لم تفُت عليه رنة السخرية في نبرتها، ولكنه لم يُعلِق انما غير دفة الأمر حين قال بجمود
ـ يالا عشان منتأخرش على الناس اللي جوا. لم ترتح صابرين لما يحدُث ولكنها كان مكتوفة الأيدي أمام عناد ابنتها و غباء زوجها لذا تبعتهم إلى الداخل بصمت، و هكذا استمرت الجلسة قرابة الساعه كان التحفُظ هو سمة الحديث إلى أن ودعت والديها، وهي تتوجه إلى الداخل مع الجميع على مضض ليأتيها صوت يزيد المرِح حين قال
ـ نورتي الدار يا شابه.
حاولت رسم ابتسامة باهتة على ملامحها وهي تقول
ـ منور بيك. حاول كسر الجمود الذي يحيط بها إذ قال بسخرية
ـ طبعًا منور بيا. يا بنتي انا بجاملك أصلًا. ابتسمت بهدوء، و لم تخفى عليها نظرات روضة التي كان الذنب يفرضها من الداخل، ولهذا فقد استأذنت للصعود إلى غرفتها، فالتفتت هيام ناظرة إلى غنى وهي تقول باهتمام
ـ عاملة ايه يا غنى؟ نمتي كويس؟ غنى باختصار
ـ الحمد لله. لم تُعجبها اجابتها المُختصرة فلوت فمها وهي تنظر إلى الجهة الأخرى، فلم تُبالي لها بل نهضت من مقعدها وهي تقول بجمود
ـ طب عن اذنكوا هطلع اريح انا شويه.
اوقفتها جملة جابر الذي تحدث بنبرة يشوبها التعاطف
ـ لما تبقي قادرة يا بنتي خلينا نبقى نتكلم مع بعض شويه. غنى باحترام
ـ حاضر. عن اذنك.
استحوذ طلبه على انتباه هيام التي ناظرته باستفهام، ولكنه لم يُعطيها أي اهتمام لتلتفت إلى ياسر الذي كان يتوقع السبب، فقد خاض جدالًا عنيفًا معه صباح اليوم و لازال يتذكر جملة جابر الذي للآن تتردد في أذنه
ـ اسمع يا ياسر. انت لما جيت وقولتلي تعالي اطلبلي غنى عشان أنا مش هطلبها من مرزوق. وافقتك علشان عارف أنه جه عليك زمان، ماضيها و عارفه موضوع جوازها و حافظه. تيجي دلوقتي عايز تدفع البنية ذنب اللي فات كله اعرف اني مش هسمحلك. مبقاش أنا بقعد في قعدات حق عشان ارد للمظلوم حقه، وييجي حد يتظلم تحت سقف بيتي.
واجه شيطانك و صالح مراتك انت بتحبها وهي كمان. متسبش الدنيا تضحك عليك تاني.
زفر بقوة قبل أن يتوجه إلى سطح المنزل ليجلس بهدوء يُفكر فيما يحدث معهم. قرر المواجهة أخيرًا و الخروج من هذه الدائرة المفرغة التي ستهلكه لا محاله ليبدأ الصراع المرير ككل مرة، ولكن هذه المرة كان هناك طرف أشد عنادًا و قسوة و هو الضمير الذي أخبره بأن هناك قلبًا يرتجف من فرط الوجع الذي تسبب لها به.
عادت ذاكرته وهو يرى هذا الفستان الذي وقعت بحبه من اللحظة الأولى و هتفت بسعادة عارمة
ـ الله يا ياسر . الفستان دا حلو اوي. هو دا فستان أحلامي.
لم يستطِع نسيان فرحتها به و لن يستطِع نسيان مشهدها وهي تنظر إليه وهو يحترق شتان ما بين المشهدين. أي وجع الذي تسبب لها به لتفعل ذلك بجزء من أحلامها كما أخبرته؟ هل فعلًا أحرقت مشاعرها تجاهه مع هذا الفستان ام كما قالت؟ أم أنها تقول هذا لتُزيد من عذابه؟
تعددت الاستفهامات ولكن النتيجة واحدة هي تتألم بسببه وهو يمـ,ـوت لأجلها. يحترق من فرط الحزن عليها وعلى نفسه. لا يعلم كيف السبيل لتفادي كل هذا الألم أو حتى الهرب منه؟
و هُنا يتدخل صوت العقل لأول مرة ليُنصفه، فقد أصبح عذابه لا يُحتمل، فإذا به يُطالب بهدنة من هذا الألم و البُعد الذي ارهقه حتى لو أبى كبريائه، فلن يستمع له سيتحدث معها سيضع لعذابهم نقطه فاصلة لذا هب من مقعده وهو يترجل إلى غرفتهم ليضع يده فوق مقبض الباب يُديره، و إذا به يُصدم حتى وجده موصد من الداخل!
لقد صدقت حين أخبرته بأنه لن يجمعهما مكان أبدًا.
اهتاجت جيوش غضبه دفعة واحدة، و كان قاب قوسين أو أدنى من تحطيم هذا الباب، ولكنه تراجع في آخر لحظة ليتوجه إلى القاعة الكبيرة و منها إلى الخزانه اللي تتوسطها ليجلب مفاتيح الغرف جميعها و هو يصعد الدرج إلى الأعلى و بداخله يتوعد لها سرًا، وهو لا يعلم أن دقات قلبها تخطت المليون دقة في الدقيقة الواحدة وهي تتخيل رد فعلها على فعلتها التي لم تندم عليها، فهو لابد من أن يدفع ثمن كلماته التي أحدثت جراح عظيمة داخلها لم تلتئم أبدًا، وفجأة حين كانت غارقة في التفكير وجدت باب الغرفة يُفتح و هو يطل عليها بجسده الضخم و أنفاسه الغاضبة
و على الرغم أن الإضاءة كانت خافتة إلا أن ضوء المصباح بجانب مخدعها أظهر ملامحه المُتجهمة لتحاول هي التمثيل بأنها نائمة، ولكن لم تنجح حيلتها على هذا النمر الغاضب، فقد قام بغلق الباب خلف بقوة جعلتها تهب من نومتها وهي تناظره بصدمة، و من خلال نظراته الحارقة أدركت بأنها ستخوض معركة قوية معه الآن لتتفاجىء به يدلف إلى المرحاض دون أن يتفوه بحرف، و كأن اقتحامه للغرفة بهذه الطريقة كفيلة لإنذارها بألا تُكرر فعلتها مرة أخرى.
زفرت حانقة من هذا المغرور الوقح لتمضغ أسنانها غضبًا تجلى في نبرتها حين قال
ـ شوف البجح. ماشي يا ياسر أما وريتك.