Uncategorized

الإثم الثالث و العشرون ذنـ,ـوب على طاولة الغفران نورهان العشري

لم تمر ثوان حتى سمعوا صوت سيارة الشرطة التي جاءت لأخذ أمين بعد توصية قوية من خالد لأحد أصدقاءه ذات النفوذ الكبير وسط تساؤلات عديدة من الجيران ليهتف ياسر في وسط الشارع بصوت جهوري:
ـ أنا اللي بلغت البوليس علشان يكون عبرة لكل واحد يفكر يمد أيده على مراته، و كل واحد يتجبر على ضعيف.

أخذت مديحه تولول حين شاهدت الشرطة تلقي الق\بض على ولدها وهو بهذه الهيئة فتجاهلها الجميع لتذهب وحدها خلفه ويستقل كمال السيارة بجانب خالد الذي كان يقود بأقصى سرعته وهو يستمع لأنينها في الخلف بعد أن استقلت السيارة بصعوبة وهي لا تنفك تنادي على أطفالها الذي أخذهم ياسر إلى بيته ليتركهم مع هيام التي شاهدت هي الأخرى ما حدث ويتوجه هو و الباقي إلى مركز الشرطة. بعد وقت وجيز وصلوا إلى المشفى ليصرُخ كمال في العاملين
ـ محتاجين تروللي بسرعة هنا.

هرول الجميع و جلبوا السرير المتنقل لنقل أشجان التي غابت عن الوعي و بجانبها رضا التي أخذت تنوح و تبكي خوفًا على ابنتها و آسيا التي كانت تبكي في صمت ليتوقف الجميع أمام باب الغرفة ينتظرون خروج أحد الأطباء و طمأنتهم على حالتها.
ـ احكيلي يا آسيا حصل ايه؟
هكذا هتفت رضا وهي تبكي لتُجيبها آسيا بغضب:
ـ الحيوان روحت لقيته ضاربها و مبهدلها و الولاد ملمومين حواليها عمالين يعيطوا. رضا بعويل:
ـ الكلب. الهي تتقطع ايده.

لم تُبالي لوجود اي شخص حولها كل ما كانت تراه هو شقيقتها التي كادت أن تهلك بين يدي هذا الحقير لذا هتفت بغل:
ـ قولتلك مترجعيهاش له تاني. هي نفسها اتحايلت عليكي كان ناقص تبو\س ايدك عشان مترجعلوش بس أنتِ عندك مرض اسمه مخربش بيت بنتي اللي هو أصلًا مخروب. كانت تعلم بأن ابنتها مُحقة، ولكن هذه عقيدتها التي ترسخت في عقلها منذ الصِغر لذا هتفت بندم:
ـ أنا كنت أعرف أنه هيعمل كدا؟ انت خايفة عليها و على بيتها وعلى ولادها. يعني اخرب بيت بنتي بإيدي؟

آسيا بقسوة:
ـ عندك حق. حافظي على بيتها لحد ما تطلعلك منه جـ,ـثة زي ما شوفتي كدا. برقت عيني رضا و رغمًا عنها ارتفع كفها ليهوى فوق خد آسيا بقسوة انشق لها قلب كمال الذي اقترب يجذبها خلفه وهو يقول بحدة:
ـ ايه يا دادا رضا مش كدا.

رضا بنبرة تحمل القهر و الندم معًا:
ـ سبني اربيها. دي مشالتش هم حاجه أبدًا. دلعتها لحد ما بقى مفيش بني أدم مالي عينها. لما اختك تطلق و بيتها يتخرب مين هيشيل ولادها؟ مين هيخلي باله منهم و هيحميهم من شره؟ هتقعدلهم العمر كله يا ست آسيا؟ ولا أبوكي اللي بياخد نفسه بالعافية هيقدر على تربية عيلين و مصاريفهم! صرخت بقهر من خلف كمال:
ـ أنا هصرف عليهم و هخلي بالي منهم، وملعون ابو الرجالة والجواز اللي زي النطع اللي اسمه أمين.

صمتت لثوان تحاول ردع ضعفها الذي جعل صدرها يعلو ويرتفع بقوة لتقول بقسوة :
ـ الضافر اللي أختي بتطيره بالدنيا بحالها، ولعلمك أشجان تقوم بالسلامة وهحكي لبابا على كل حاجة حصلت. أنهت جملتها و تراجعت للخلف لتهرول إلى الخارج و كمال خلفها، فهذا اليوم الأول في حياته الذي يُصبِح مُسيرًا كالمجذوب خلفها جل ما يُريده هو مداواة قلبها الجريح، فلو كان في السابق أحبها اليوم تخطى حبه لها حدود الع\شق. قوتها و شموخها و حتى شراستها وكل شيء بها يجعله يتأكد بأن هذه المرأة خلقت له و منه.

في الداخل كانت الكلم\ات تسقط فوق رأسه كالرصاص وهو يتخيل كم عانت و كم خُذِلت من الجميع. أولًا هذا الغبي و ثانيًا والدتها التي لم تهتم لهذا الحزن الجلي المتعشعش في عينيها، فهو الذي لم يتعرف إليها إلا شهران هاله كم الأسى الذي يسكن قلبها و ملامحها، فكيف لوالدتها ألا تشعر به؟
اقترب من رضا قائلًا بجفاء:
ـ أنتِ فعلاً شايفة انك صح! في حد يعمل كدا في بنته؟

كانت تعلم مقدار خطأها، و لكنها ظنت بأنها تملك الحُجة التي جعلتها تقول بأسى:
ـ وانا يعني كنت أعرف أنه وحش اوي كدا؟ و بعدين كلنا اتبهدلنا في أول جوازنا، ولحد دلوقتي متبهدلين يا خالد بيه. خالد بقسوة:
ـ ايوا بس دايمًا الإنسان بيحاول يجنب ولاده كل البهدله اللي شافها. بيسعى في الدنيا دي عشان يعملهم الأحسن، و اللي ميخليهمش يدوقوا المرارة اللي هو جربها.

أخفضت رأسها بحزن تجلى في نبرتها التي تخللتها المرارة حين قالت:
ـ كل اللي انت بتقوله دا صح. بس احنا غيركوا. انت شوفت المكان اللي احنا عايشين فيه، و شوفت عيون الناس عامله ازاي؟ و اللي بتطلق بينهشوا في لحمها من غير لا دين ولا ضمير. كنت خايفة عليها، وبقول يمكن ربنا يهديه. متخيلتش أنه يعمل كدا أبدًا. في هذه اللحظة كان يود الصُراخ بوجهها فقد أعياه النقاش معها، واشتهى في هذه اللحظة لو يكّن هو الملجأ و الأمان لهذه الجميلة التي تكالبت عليها الذئاب دون النظر لضعفها أو برائتها.

في الخارج كانت تحتضن أكتافها بقوة وكأنها المنقذ الوحيد لنفسها والسند أيضًا بينما تزاحمت العبرات بمقلتيها وهي تستنكر هذا الوضع الذي لسوء حظها كان واقعها الأليم ليقترب هو منها بأعيُن تحمل من الحنان ما لو رأته لارتمت بأحضانه في الحال ولكنها كانت في عالم آخر انتشلها منه صوته الحاني حين قال:
ـ تعرفي أنك أجدع بنت في الدنيا. رغمًا عنها تفشت حفنة من الوخزات في جسدها الذي ارتجف من فرط الحرج لكونه رأى الواقع الذي تنتمي إليه لذا أرادت الهرب قدر المستطاع فتمتمت بارتباك:
ـ أنا هطلع أشوف أشجان.

امتدت ق\بضته لتعانق معصمها بقوة اوقفتها في مكانها قبل أن يقول بخفوت:
ـ بتهربي مني ليه؟ ـ مبهربش ولا حاجه. لو سمحت سيبني. ما أن أنهت جملتها حتى جذبها لتقف أمامه مُباشرةً وهو ينظر إلى داخل عينيها بقوة جعلت دقاتها تتخبط بعُنف داخل صدرها و أيضًا كلم\اته التي عرفت طريقها إلى منطقة منزوعة السلاح داخل قلبها:
ـ مش هسيبك. آسيا بانفعال وهي تتململ بين يديه:
ـ أظن بعد اللي شفته النهاردة مفروض … كمال بنبرة مُدججة بالمشاعر التي تجيش بصدره تجاهها:
ـ بعد اللي شفته النهاردة انا هتبت فيكي أكتر وأكتر.

جذبت نفسها بقوة من بين يديه وهي تقول بنبرة بنبرة غاضبة:
ـ لية ؟ اوعى تقولي انك عجبتك تجربة بنت الخدامة وعايز تعيش فيها يومين! انا… قاطعها كمال بعُـ,ـنف:
ـ أنتِ غبية، وانا مش هحاسبك دلوقتي عشان الموقف اللي أنتِ فيه. بس دا ميمنعش اني عمري ما هتراجع عن اللي جوايا ليكي. تدحرجت العبرات فوق خديها فقد تأثرت بكلم\اته كثيرًا، فهي لم تشعر بهذا الأمان الذي يبُثها إياه طوال حياتها لذا خرجت الكلم\ات من بين شفاهها تحمل شيء من الأمل :
ـ ايه اللي جواك ليا؟

هدأ العالم من حولهم و اختفت جميع الأصوات المُحيطة بهم لتستحوذ هي باهتمام جميع حواسه الموقدة تجاهها ليقول بنبرة مُتهدجة:
ـ في سحر غريب بيشدني ليكي. لانا قادر أواجهه ولا عايز أتخلص منه. آسيا بخفوت:
ـ سحر! أومأ برأسه قبل أن يقول بخشونة :
ـ سحر. بيخليني مش قادر اشيل عنيا من عليكي. عايزك دايمًا حواليا. دايمًا جنبي. احساس فريد من نوعه اتسلط على قلبي خلاني عايز اقرب منك، اكون اقربلك حتى من النفس اللي بتتنفسيه.

كانت عينيه تُبحران فوق ملامحها بشغف جعل عظامها تذوب من فرط المشاعر التي يبثها إياها ليُتابع بترقُب :
ـ تفتكري دا اسمه ايه؟

انت في الصفحة 2 من 7 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى