الإثم الثالث و العشرون ذنـ,ـوب على طاولة الغفران نورهان العشري
ـ طب مش يالا عشان نروح. رؤوف مستنينا برة عشان يروحنا و أبوكي معاه. هكذا تحدثت رضا لتقف أشجان في مواجهتها وهي تقول بجفاء :
ـ روحي انتِي يا ماما. انا هرجع على بيتي. رضا بصدمة:
ـ نعم. بيت ايه اللي ترجعيله؟ أشجان بتهكم:
ـ البيت اللي كنتي عيزاني احافظ عليه و مش مهم لو مت وانا بعمل دا. المهم مطلقش. انا هرجع البيت دا تاني. رضا باندهاش:
ـ أنتِ بتقولي ايه يا بنتي؟ أشجان بجمود:
ـ بقول اللي سمعتيه. هرجع هناك تاني لحد ما اعمل لنفسي بيت بتاعي انا و ولادي. منكونش فيه هم على قلب حد.
انغرزت كلم\ات أشجان في قلب رضا التي بكت بألم تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ بقى كدا يا أشجان؟ بتعاقبيني. بتعلميني الأدب! دا جزاتي اني كنت خايفة عليكي وعلى بيتك؟ أشجان بجمود :
ـ لا يا ماما. انا لا بعاقبك ولا حاجه. لكن انا من حقي اني اعيش مرتاحة مع ولادي من غير أي ضغط، وبعد اللي قولتيهولي آخر مرة عمري ما هقدر ادخل بيتك تاني. أمـ,ـوت ولا ارجعله. ياريت تفهميني مرة واحدة في حياتك.
تعلم كم هي مذنبة ولكنها لا تعي مقدار الأسى بصدر ابنتها لذا حاولت بصورة أخرى حين قالت:
ـ طب و أبوكي هتقوليله ايه؟ هنا دلف عزام إلى داخل الغرفة ليقول باستفهام:
ـ تقولي ايه؟ التفتت أشجان تناظر والدها بصدمة سرعان ما تحولت لارتباك، فتدخلت آسيا قائلة :
ـ طب يالا يا ماما نستنى احنا بره و نشوف رؤوف بيعمل ايه ؟ وافقتها رضا على مضض لتخرج تاركه الجو مشحون خلفها ولكن أشجان اقتربت لتحتضن والدها بتعب تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ احض\ني اوي يا بابا.
احتضنها عزام بقوة وهو يقول بحنو:
ـ ليه كدا يا بنتي؟ ليه مشيتي ؟ ليه رجعتي للحيوان دا تاني؟ هتعذبيني قد ايه قبل ما تردي على سؤالي ؟ عبأت صدرها بالهواء النقي عله يُطفيء الحرائق المندلعة بجوفها ليُتابع عزام باستفهام قاتل:
ـ أنا قصرت في حقك أنتِ و ولادك؟ تراجعت للخلف وهي تهتف بلهفة :
ـ لا طبعًا يا بابا ايه اللي بتقوله دا؟ ـ أومال ايه يا بنتي؟
اخفضت رأسها قبل أن تختار الزج بنفسها في بؤرة الذنب لتقول بخفوت:
ـ أنا غلطت في حق أمين و روحت اشتغلت في الشركة من وراه وهو عرف و اتجنن ازاي اعمل كدا من غير ما أقوله، و عشان كدا رجعت البيت، ولما روحت اتخانقنا من تاني، و لما زعقلي عايرته أن انا اللي بصرف عليه، و عشان كدا اتجنن و ضر\بني زي ما شوفت. صُدِم عزام من حديث ابنته و هتف باستنكار:
ـ أنتِ تعملي كدا يا أشجان؟
بكل أسف اومأت برأسها وهي تقول :
ـ ايوا عملت كدا، و عشان كدا بستأذنك اني ارجع من هنا على بيتي، لحد ما أشوف هعمل ايه بعد كدا؟ عزام بعدم تصديق:
ـ ترجعي بيتك! أنتِ اكيد اتجننتي؟ انا مصدوم أنتِ أشجان بنتي اللي انا اعرفها؟ أشجان بتوسل:
ـ أرجوك يا بابا. اديني فرصة أرتب حياتي بنفسي، وأشوف انا عايزة اعمل ايه؟
عزام بغضب امتزج مع خيبة الأمل :
ـ حاضر. هسيبك عارفة ليه؟ عشان لو أنتِ اختارتي ترخصي نفسك. محدش هيغليكي. ارجعي بيتك لو شايفة أنه ينفع ترجعيه تاني. أو حتى شايفة انه بيت من أساسه مش وكر تعابين. خيبتي أملي فيكي.
قال جملته الأخيرة بأسف كان كالبارود تفجر في قلبها الذي لا يعرف كيف يصد هذه الهجم\ات التي تأتيه من جميع الجهات لذا سقطت جالسة على الفراش خلفها فلم تعُد تملك طاقة لفعل أي شيء.
استرعى انتباهها طرق قوي على باب الغرفة فظنته أحد الممرضات لتنهض وهي تتوجه المقعد الذي وضعت فوقه حقيبتها وهي تقول :
ـ ادخل.
أخذت تلملم أشيائها وهي تقول بتعب:
ـ ثواني هقفل الشنطة و نمشي. ـ ممكن اعرف بتعملي في نفسك كدا ليه؟ هكذا تحدث خالد بغضب من خلفها لتشهق بصدمة وهي تلتفت إلى الخلف قائلة :
ـ مستر خالد. خالد بجفاء:
ـ ردي عليا. تحمحمت بخفوت قبل أن تحاول استجماع ثباتها الواهية لتقول بجمود:
ـ أنا ادرى باللي يناسبني! خالد بتهكم يخفي الكثير من الغضب الهائل الذي اجتاح صدره منذ أن أعلمته آسيا بنيتها العودة إلى ذلك البيت مرة أخرى
ـ ودا اللي يناسبك! انك تفضلي مع شخص زي ده شيء مناسب ليكي!
أشجان بقوة واهية:
ـ ما هو مبقاش موجود هو مش حضرتك حبسته؟ خالد بقسوة:
ـ ولو طولت كنت **. أشجان باستفهام:
ـ ليه؟ أصابها استفهامه في **ليتراجع عن انفعاله ويقول بنبرة جافة:
ـ عشان اللي يتجبر على واحدة ست بالشكل دا يبقى عايز الحـ,ـرق بالن\ار مش الحبس بس. فجأة ضر\ب عقله هاجس قوي كالإعصار ليقول بحنق: ـ و بعدين تعالي هنا. متقوليش أنك زعلانه اني حبسته! أشجان بحزن:
ـ مش زعلانه عشانه زعلانه عشان ولادي. زعلانه عشان جنيت عليهم واختارتلهم أب زيه.
شعر بالأسى عليها و على مدى طيبتها، فهي بالرغم من كل شيء لا تفكر سوى بأطفالها لذا قال بنبرة أهدأ :
ـ متحمليش نفسك فوق طاقتها. محدش معصوم من الخطأ، و في الأول و في الآخر دا نصيب. أشجان بخفوت: ـ الحمد لله على كل شيء. لم يستطِع إيقاف الكلم\ات التي خرجت كالسيل من بين شفتيه
ـ راجعي نفسك. بلاش تعملي فيها كدا. مينفعش ترجعي البيت دا تاني.
أخذ الأمر مُنحنى آخر أخافها كثيرًا، فحديثه و نبرته و نظراته بالإضافة إلى مشاعرها الغريبة تجاه ما يحدُث كل هذه الأشياء يستنكرها عقلها الذي أمرها بوضع حد فاصل يحميها من إثم لا تستطِع حمل وزره. ـ انا شاكرة أفضال حضرتك عليا. بس الموضوع دا شخصي و مينفعش أبدًا انك تدخل فيه.
كلم\اتها أصابت وترًا حساسًا داخله. يمكنه هدم الأخضر و اليابس لأجله أنه كبرياءه الذي لا يتهاون في المساس به لذا هتف بنبرة قاسية:
ـ عندك حق. انا غلطت من الأول اني اتدخلت بس معلش ملحوقة. لو عايزة تتنازلي عن المحضر روحي، و زي ما وصيت عليه و حبسته سهل اوي اخليه يخرج.