الإثم العشرون ذنـ,ـوب على طاولة الغفران نورهان العشري
توجهت إلى الخارج وخطاها كاللهب من فرط غضبها الذي جعلها تهت بحنق ما أن غادرت مكتبه
ـ ياربي ايه الراجل دا انا هتحمله ازاي! دا هيشلني. ـ بعد الشر عنك. انتفضت بفزع ما أن سمعت صوته العابث من خلفها ليُكمل بسخرية وهو يتوجه إليها
ـ بس ياريت لو نويتي يعني. تعرفيني قبلها عشان اشوفلي سكرتيرة تانية مانا مش هعطل اعمالي و مشاريعي بسببك. حاولت استجماع جأشها قبل أن تقول بنفاذ صبر
ـ حضرتك عايز حاجه يا مستر كمال
ابتسم بهدوء قبل أن يقول بنبرة صوته العذبة
ـ عايز قهوة من ايدك.
تفاجئت كثيرًا من تقلبه بهذه الطريقة، ولكنه باغتها حين قال بتحذير
ـ و ياريت بلاش الوش الخشب دا عشان القهوة تطلع طعمها حلو. هذا الرجل بات يُخيفها و خاصةً أن هناك شيء داخلها يبتسم على استحياء من أفعاله، و هذا أغضبها كثيرًا لذا حاد\ثته بجفاء قائلة
ـ حاجه تانية. ـ ايوا ـ نعم؟ كمال بنبرة عذبة و ابتسامة عاشقة
ـ تضحكي وأنتِ جيبهالي عشان تبقى تمام التمام . لم تستطع قمع ضحكاتها على حديثه، فبدت فاتنة بهذه الضحكة العفوية و الملامح الصافية، فانتشرت عينيه بالنظر إليها و هتف يغازلها
ـ اهو دا التمام اللي بحق و حقيقي. غافلتها الكلم\ات وخرجت من بين شفتيها حين قالت
ـ هو حضرتك بتعمل كدا ليه؟ احتار بماذا يُجيبها ولكنه اختار أن يكون صريحًا معها حين قال
ـ مش عارف. غمرها الخجل أمام أسر عينيه التي استأثرت بخاصتها فهمست بخفوت
ـ يعني ايه؟ جرفته مشاعره و ترجمتها شفتاه حين قال بصوتًا أجش
ـ خليكي كدا على طول.. ـ ازاي؟ ـ على طبيعتك. أيقظت جملته عقلها من سباته، فتبدلت نظراتها في الحال إلى الجمود و تبددت هذه اللحظة الرائعة لتقول بجمود
ـ هروح اعمل لحضرتك القهوة. عن اذنك.
اندهش من تبدلها حتى نظراتها التي بدت وكأنها اسدلت ستارًا من الزجاج العاكس عليها، فحرمته لذة الإبحار داخلها، و لأول مرة في حياته يشعر بالخوف من شيء وهو مشاعره تجاه هذه المرأة. اللهم اغفر لي ذنوبي ، و خطيئتي و اخرجني من الدنيا كما دخلتها بلا ذنوب ولا عيوب . ربي إن كان هذا آخر عهدي بالدنيا فأجعلني من التائبين ، اللهم اكتب لي لقائك و انا بدون ذنب و اجعل جنتك لي هي المأوي . اللهم اغفر لي ذنبي و خطيئتي و لا تتوفني إلا و قد غفرت لي كل ذنوبي.♥️
★★★★★★★★★★ رفعت أشجان نظراتها لتصطدم بعينين يشبهان الشمس في توهجهما و هذا الدفء المنبعث منهمَ يزينان وجه أبيض مُستدير تزينه خطوط العمر التي زادته جمالًا و أعطته رونقًا خاصةً بهذه الإبتسامة الرائعة التي استكان لها قلب أشجان لترتسم ابتسامة هادئة على ملامحها قبل أن تمتد يدها و تمحي عبراتها وهي تقول بحرج
ـ أنا أسفة. كنت بعيط بصوت وانا مش حاسة. التفت المرأة وهي تقول بذوق
ـ تسمحيلي ؟ أشجان بلهفة
ـ طبعًا. اتفضلي. جلست في المقعد المقابل لها وهي تقول بحنو
ـ أولاً أنتِ مكنتيش بتعيطي بصوت عالي ولا حاجه. اللي مسموع بجد هو صوت وجعك.
عند جملتها الأخيرة تدحرجت العبرات من عيني أشجان التي لم تجروء الكلم\ات على المرور من بين شفتيها، ولكنها كانت ممتنه لكون هناك شخص واحد في هذه الحياة شعر بألمها الدامي لتمتد يد سوزان وتربت فوق يدها بحنو تجلى في نبرتها حين قالت
ـ عيطي لحد ما ترتاحي، ولو عايزة امشيلك الناس كلها و تصرخي معنديش مشكلة. ابتسامة هادئة غافلت جراحها و ارتسمت فوق شفتيها فهتفت هذه المرأة الستينية بإعجاب
ـ يا خسارة ضحكتك حلوة اوي.
شعرت بخيط من الراحة يتسلل إلى قلبها تجاة هذه السيدة فبدأت بالحديث عن بعض من معاناتها حين قالت بأسى
ـ تعرفي انا بقالي كتير اوي مضحكتش؟ مش فاكرة اخر مرة ضحكت فيها كانت امتى! سوزان بتعاطف
ـ عشان كدا بقولك خسارة. خسارة الضحكة الحلوة دي تستخبى ورا الحزن دا كله. أشجان بلوعة
ـ عارفة المشكلة في ايه؟ أن كل الناس فكراني نكدية، و بختار اني اعيط بمزاجي. بس انا مفيش حاجه واحدة بتحصلي تخليني اضحك.
تعالت شهقاتها وهي تقول بنبرة تحترق من فرط القهر
ـ أنا نفسي افرح اوي. نفسي اضحك مرة من قلبي. محدش عارف كدا. امتدت يد سوزان تربت فوق يديها بحنو تجلى في نبرتها حين قالت
ـ أنا عارفة دا. اطمني. في حد شايفك دلوقتي كم جواكي. شعرت بأنها تجاوزت الحد المسموح بين غرباء لم يتقابلوا سوى منذ دقائق لذا سحبت يدها من يد سوزان وهي تقول بنبرة متحشرجة
ـ أنا معرفكيش ولا أنتِ تعرفيني أصلًا ابتسمت سوزان على فعلتها وقالت بهدوء
ـ و هو دا المطلوب.
أشجان بعدم فهم
ـ ازاي ؟ عبأت سوزان صدرها بالهواء قبل أن تقول بشجن
ـ كتير اوي بيكون نفسنا في حد غريب لا نعرفه ولا يعرفنا نقوله كل اللي في قلبنا من غير ما نجمل حاجه ولا نخبي. علشان عارفين اننا يمكن منقابلوش تاني. زي كدا ما تكتبي همومك في ورقة و ترميها في البحر، وأنتِ متأكدة أن عمره ما هيشوفها غيره. ـ تفتكري لو عملت كدا هرتاح؟
سوزان بحنو
ـ جربي. في يوم من الأيام كان في حد قاعد مكانك كدا. رمته الدنيا على هنا. بس يمكن كان حاله اصعب من حالك شويه هو مبيعرفش يبكي، و قعدنا سوى زي مانا قاعدة معاكي كدا، و حكى على أمل أنه مش هيشوفني تاني. صمتت لثوان فاستفهمت أشجان بلهفة
ـ و ارتاح؟ سوزان بمرح
ـ و بقينا أصحاب كمان، و أنا اللي تعبت عشان مبقاش بيعرف يحكي مع حد غيري. بقوله انت بتحوش الكلام اللي مفروض تقولوا للناس كلها و تيجي تقولهولي؟ يقولي حد قالك قوليلي اتكلم؟
ابتسمت أشجان على حديث المرأة التي كان الحنان يتبلور في عينيها و لهجتها مما جعل داخلها يهدأ قليلًا لتقول بنبرة متحشرجة
ـ طب مش خايفة لانا كمان اتعبك بعد كدا ؟ سوزان بابتسامة هادئة
ـ جبر الخواطر على الله يا بنتي، و إدخال السرور على قلب مسلم دا من افضل العبادات. حد طايل يبقى سبب راحة لإنسان مهموم. أشجان باندهاش
ـ هو لسه في ناس كويسة كدا؟ سوزان بهدوء
ـ طول ما احنا عايشين في الخير و في الشر.
أشجان بأسى
ـ بس أنا مشوفتش غير الشر. مشوفتش غير ناس متعرفش ربنا. بتكذب و تخدع و تخون و تجرح من غير اي ذرة تأنيب ضمير، و ناس تانية بتسقفلهم و كأنهم عاملين إنجاز، و ناس تالته خالص عاملة نفسها مش شايفة الظل\م ولا التجبر و لا القهر. دول حسابهم ايه عند ربنا. سوزان بتأثر
ـ أنتِ بتصلي ؟ أشجان بلهفة
ـ طبعًا الحمد لله.
