الإثم التاسع و العشرون ج٢ ذنوب على طاولة الغفران نورهان العشري
ال غارقة في سُبات عميق بفعل هذا المنوم الذي أعطته لها سوزان، فقد اشفقت عليها كثيرًا بعد أن قضت قرابة الثلاثة ساعات تبكي بحرقة حتى أُنهكت أحبالها الصوتية، و حفرت العبرات وديان الألم حول عينيها، و هاهي نائمة منذ ساعات، وكأنها وجدت في النوم ملجأً لها من هذا الواقع الأليم، فلم تشعر بهذا الطرق القوي على باب الشقة، و الذي جعل سوزان تهرول بقدر ما تحتاج لتصل إلى الباب و حين فتحته وجدت رجل و إمراة يدقون فوق باب شقة أشجان فهتفت بنبرة مُرتفعة قليلًا
ـ عايزين مين؟
التفتت آسيا بلهفة، و حين وقعت عينيها على سوزان تعرفت عليها فورًا، فلطالما سمعت عنها من شقيقتها لتهرول إليها قائلة بلهفة
ـ حضرتك مدام سوزان صح؟
سوزان بابتسامة هادئة
ـ و أنتِ آسيا صح!
حين وقعت عيني كمال عليها تعرف إليها هو الآخر، فقد رآها مرات عديدة مع شقيقه و خاصةً في المـ,ـقابر ليقترب منها قائلاً
ـ ازيك يا مدام سوزان.
ـ اهلًا يا ابني. اتفضلوا.
آسيا بلهفة
ـ أشجان عندك صح!
كمال بتهكم
ـ لسه بتسألي! و عملالي فيها ذكية أوي. يالا قدامي.
حدجته بنبرة لائمة لتقول سوزان بمُزاح
ـ عيب تكلم حبيبتك كدا.
كمال بصدمة
ـ حبيبتي! معقول الوحش مسيحلي في كل حتة كدا!
سوزان بتخابُث
ـ لا حبيبي دا مؤدب مبيسيحش لحد بس باين على عنيك و هي بتبصلها انك بتحبها.
تراشقت الكلمات بصدر آسيا التي غزى الذنب أوردتها لترفع رأسها إليه و إلى عينيه التي تناظرها و كأنها المرأة الوحيدة على الأرض
ـ تشربوا ايه؟
انتشلتها كلمات سوزان من بئر الذنب الذي كانت غارقة به لتهتف بلهفة
ـ ميرسي اوي. انا بس عايزة أشوف أشجان.
عند ذكر اسمها كانت قد أطلت عليهم، فأصوات الجلبة في الخارج ايقظتها، فارتدت حجابها و خرجت إليهم لتهب آسيا مندفعة إلى أحضانها وهي تبكي بحرقة و الحروف ترتجف فوق شفتيها حين قالت
ـ أشجان.حقك عليا. حقك عليا انا. أنا أسفة اني مكنتش موجودة و دافعت عنك. سامحيني.
عانقتها أشجان بلهفة وهي تقول بنبرة مُهترئة من فرط الألم
ـ متتأسفيش يا حبيبتي. أنتِ ملكيش ذنب.
آسيا بأسى
ـ لو كنت جنبك وقتها مكنش حد هيقدر يقولك حرف، و كان زماني قطعت لسان الكلب دا.
امتدت أنامل أشجان تمحي عبرات شقيقتها بحنو تجلى في نبرتها حين قالت
ـ هوني على نفسك يا حبيبتي. بلاش تحملي نفسك ذنب مش ذنبك. انا مش طفلة صغيرة. انا اللي ضعيفة و الكل عارف دا و عشان كدا أستاهل كل اللي حصلي.
تدخلت سوزان قائلة بنبرة صارمة
ـ أنتِ طيبة يا بنت. معنديش بنات ضعيفة أنا.
ابتسمت أشجان بهدوء قبل أن تلتفت إلى كمال قائلة بتحفُظ
ـ أزيك يا كمال بيه. أسفة اتلهيت في آسيا و مسلمتش عليك.
كمال بجدية زائفة
ـ لا بقى. انا ليا عندك حق عرب. ايه كمال بيه دي؟ اسمي كمال. دا احنا خلاص بقينا أهل.
قطبت جبينها بعدم فهم لتقول آسيا مازحة
ـ اه نسيت اقولك أصل كمال عايز يخطبني بس انا لسه موافقتش.
كمال باستنكار
ـ نعم ياختي! مين دي اللي موافقتش؟
و لا مين قالك أن انا هاخد رأيك أصلًا
ابتسمت أشجان على جملته لتقول سوزان باعجاب وهي تنظر إلى آسيا
ـ البنت دي عجبتني. أيوا كدا لففيه حوالين نفسه.
كمال بنفاذ صبر
ـ لا بقى. دا انتوا كلكوا عليا! خلاص أشجان هتبقى في صفي.
أشجان بابتسامة بسيطة
ـ متقلقش انا في ضهرك.
احتضنتها آسيا بقوة وهي تقول بحنو
ـ أيوا كدا اضحكي.
بادلتها أشجان العناق وهي تقول بخفوت
ـ ربنا ما يحرمني منك أبدًا.
التفتت سوزان إلى كمال وهي تقول بمُزاح
ـ تعالى قومني نعمل قهوة بدل ما أنت عمال تسبل للبنت كدا.
شعر كمال بالإحراج ليهتف باستنكار
ـ طب وربنا انا قاعد مؤدب ولا عملت حاجة.
مدت سوزان يدها إليه ليساعدها في النهوض وهي تنظر إليه بنظرات ذات مغزى وصل إليه على الفور ليتوجه معها إلى الداخل حتى يفسحوا المجال للفتاتين للحديث براحة و ما أن تواروا عن الأنظار حتى هتفت آسيا بلهفة
ـ قبل اي حاجه لازم تعرفي اني سايبة ماما منهارة و حالتها صعبة بسبب اللي حصل، وأنها ندمانه على كل حرف قالته، وكانت لحظة شيطان مش اكتر.
زفرت أشجان وجعها مع ذرات ثاني أكسيد الكربون قبل أن تقول بجفاء
ـ مش مضطرة تبرريلي يا آسيا. انا بعدت ما قعدت مع نفسي و هديت، و فكرت كويس.
اكتشفت انها معملتش حاجة جديدة هي دي ماما وهو دا تفكيرها. انا بس اللي ضعيفة وأقل ريح بتخسف بيا الأرض.
احتوت آسيا يديها وهي تقول بنبرة يتخللها الآسف
ـ طيب ماشي. دي ماما. بالنسبة لبابا بقى. دا هيتجنن عليكِ، و بالعافية اقنعتوا يسنى و ميجيش معايا. انا خايفة عليه أوي.
استفحل الخوف بصدرها لتهتف بلهفة
ـ طيب قوليله اني كويسة، و مش زعلانه…
قاطعتها آسيا بلهفة
ـ مش هيصدق مهما قولت. لازم يسمع منك ويشوف دا بعنيه. خلينا متفقين أن ماما و خالتي صابرين طول عمرهم تفكيرهم راجعي كدا، و مش أنتِ اول واحدة تتأذي منهم شوفتي غنى و اللي حصلها. بس في الآخر هنعمل ايه دول أهلنا، ودي تربيتهم ودا تفكيرهم.
هنا تذكرت كلمات خالد حين أخبرها بأن والدته كانت تُفكر بنفس الطريقة، فاخفضت رأسها وهي تقول بنبرة طابعها الحزن
ـ انا تعبت يا آسيا. مش عايزة حاجه غير اني أعيش مع ولادي بهدوء و سلام. نفسي يسيبوني في حالي بقى.
مسدت آسيا على كتفها وهي تقول بتشجيع
ـ كل حاجه هتتصلح أن شاء الله، وبكرة تشوفي الدنيا زي ما ضلمت هتنور، و بعدين بقى انا مش هقدر افرح غير و أنتِ جنبي
قالت جملتها بخفوت ليصل إليها صوت كمال من الخلف و الذي هتف بمرح
ـ سمعتك على فكرة.
لا إراديًا ابتسمت لتطغى السعادة على حزنها وهي ترى العشق يلون حدقتي شقيقتها، فقالت بسعادة
ـ كمال باين عليه بيحبك، و أنتِ كمان حبتيه ربنا يسعدكوا يا حبيبتي.
تجاهلت حديث أشجان الذي اشعل شرارة الذنب مرة أخرى بداخلها و قالت بجمود
ـ ربنا ما يحرمني منك. يالا بقى روحي معايا.
شعرت بالتردد، ولكن جرس الباب جعلها تفزع في مكانها ليقترب كمال وبجانبه سوزان واضعين المشروبات فوق الطاولة ليهتف كمال
ـ زي ما انتوا انا هفتح.
ماهي الا ثوان حتى استمعت إلى صوته الذي جعل كل خليه في جسدها تتحفز حتى دمائها كانت تندفع بعروقها بقوة جعلت نبضها يتسارع و كأنه يحثها على الهرب، ولكنه على عكسها منذ أن حـ,ـادثه كمال وأخبره بأنهم عند سوزان، وهو يسابق الزمن ليذهب لرؤيتها و يقر عينيه بملامحها الجميلة، و ما أن التقمتها عينيه حتى أفصحت عن عشق فاض به القلب و طغى، عشق رمم ندبات روحه على الرغم من أنه لم يستشعر حلاوة قربها بعد، ولكن قلبه لا يجد راحته سوى في قربها.
ـ مستر خالد.
هكذا تحدثت آسيا لتهب أشجان فجأة من مكانها وهي تقول بارتباك
ـ طيب يالا. عشان منتأخرش. انا جاهزة.
كانت بريئة أمام عينيه كطفلة مراهقة تهرب حين ترى حبيبها، و قد كان كل شيء منها يروقه كثيرًا، ولهذا اراد مشاكستها حين قال
ـ يعني عازميني على العشا، وأول ما آجي تمشوا!
كمال بمرح
ـ يا كبير دا اللقمة متتبلعش من غيرك. احنا أساسًا قاعدين مستنيينك. صح يا آسيا؟
ناظرتها أشجان بتحذير و خالد بتسلية لتجد نفسها في مأذق ولكنها قالت في النهاية
ـ صح .
برقت عيني أشجان وهي تنظر إلى آسيا التي بنظرها جعلته ينتصر عليها، و خاصةً حين اتسعت ابتسامته الجميلة التي ضاعفت وسامته الفذة ليحرك رأسه وكأنه يأسف على موقفها لترمق آسيا بوعيد جعل الأخيرة تقول بخفوت
ـ معلش ياشوشو دا الوحش بردو.
لم تُجيبها أشجان إنما اضطرت إلى الإذعان إلى الأمر لتجلس وهي تحاول عدم الالتفات إليه، فتوجه برفقة كمال إلى الشرفة لكي يحافظ على وعده لها قدر الإمكان ليستغل كمال الأمر و يقول بمكر
ـ بقولك ايه يا كبير. عايزين نوطد العلاقات عشان نمهد الطُرقات.
فطن إلى ما يرمي إليه ولكنه أجابه بفظاظة
ـ ادخل في الموضوع على طول.
ـ عايزك تيجي معايا بكرة أخطب آسيا.
هكذا تحدث كمال إلى خالد التي كانت عينيه لاتزال على أشجان التي كانت تحاول تفادي نظراته ولكنه وقح لا يُعطيها المجال للهرب منه
ـ مش فاضي بكرة.
هكذا تحدث خالد باختصار ليقول كمال بلهفة
ـ لا بالله عليك. مش طالبة تأجيل. انا اتفقت معاها.
نقل نظراته الى كمال وهو يقول بتخابُث
ـ بس فاضي النهاردة.
توسعت عيني كمال من فرط السعادة التي تجلت في نبرته حين قال
ـ دا كدا تمام التمام اوي. تحدث و عينيه لازالت تقتنص ارتباكها من هذه المسافة
ـ هتركبوا معايا عربيتي!
كمال باستنكار
ـ و عربيتي ؟
خالد باختصار
ـ عطلت.
كمال باندفاع
ـ هي أساسًا بايظة، و أنا كنت ناوي أغيرها.