Uncategorized

الإث.م الواحد و الثلاثون ذ.نوب على طاولة الغفران نورهان العشري

ما بال هذا الرجُل الذي يتفنن في تدليلها و غمرها بالعشق و الحنان الذي لم تستشعره يومًا في حياتها؟
تساقطت بعض قطرات الدمع من بين مآقيها تأثرًا لما يفعله لتلامس إحداهما كفه، فإذا به يهتف بلهفة
ـ مالك يا حبيبتي ؟ في حاجة حصلت ضايقتك ؟ المكان هنا مش عاجبك! نروح مكان تاني فوراً. امتدت يديها تحتضن يديه وهي تُطمأنه قائلة بنبرة مُتحشرجة
ـ كمال. المكان هنا حلو، وكل حاجة حلوة لدرجة اني مش قادرة أصدقها.

لوهلة احتلت الشفقة قلبه تجاهها، فهو وحده يعلم كيف عانت في طفولتها مع هذا الفقر المُدقع الذي كانت تحيا به ليقوم برفع كفها المُمسك بكفه وهو يُلثمه برقة قائلًا
ـ صدقي يا حبيبتي. عشان دا الواقع بتاعك من هنا ورايح. رغمًا عنها أفصحت عينيها عن عبرات غزيرة جعلته يهتف باسمها مُندهشًا من مدى تأثُرها
ـ للدرجادي يا آسيا؟

اقتحمت ومضات من الذاكرة عقلها وهي تتذكر بعض المواقف الصعبة التي مرت بها لتقول بنبرة مُتحشرجة
ـ مش فكرة كدا. بس انا لحد قريب أوي الحلم بالنسبالي كان رفاهية. أهلي ناس طيبين بس الحياة مكنتش سهلة. مكنتش سهلة أبدًا، و مكنش في أي اختيار غير انك ترضى بالموجود حتى لو كان شبة معدوم.

كانت تحاول عدم الخوض في هذا الأمر وبالرغم من أنها كانت شخص يُجيد التحكُم في انفعالاته، ولكنها لم تستطِع حجبها هذه المرة، و لا تقمُص شخصيتها التي منذ البداية تحاول فرضها عليه، فهي لم تستطِع الاعتياد بسهولة على كل هذا البذخ و الرفاهية و الحب الذين يقدمهما كمال بإسراف ليحاول تدارك الموقف قائلًا
ـ اللي فات عدى، و أنتِ بالرغم من كل حاجة أنتِ اتغلبتي على كل دا و تفوقتي وعملتِ لنفسك كرير، و وصلتي لمكان ناس كتير ظروفها كانت أحسن منك بمراحل مقدروش يوصلوله.

كلماته غزت و بقوة وحش الذنب الذي كان ينهش في قلبها لتجده يصمت لثوان وهو يناظرها بأعيُن يلتمع بهم الفخر الذي تجلى في نبرته حين قال
ـ أنتِ بطلة يا آسيا. عافرتي و نجحتي لازم تكوني فخورة بنفسك. انا محبتكيش عشان جمالك بس. لا. أن حبيت قوتك و ثقتك بنفسك، واعتزازك بيها، وعشان كدا ربنا كافئك بأنه حققلك أكتر من اللي كنتِ بتحلمي بيه.

تمسك عقلها بهذه الكلمات التي من شأنها أن تُخدر ضميرها ولو قليلًا لتمتد يديها و تتعلق برقبته وهي تحشر نفسها بين أحضانه قائلة بلهفة
ـ صح. أنت عندك حق. ربنا كافئني عشان عارف انا تعبت قد ايه. اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وأوله وآخره وعلانيته وسره♥️ ★★★★★★★★★★

مر الليل عليه كحبل من الشوك الذي ينغز بقلبه في كل دقيقة تمر عليه وهو ينظر إلى نافذة غرفته التي تمكُث بها إمرأة فتحت نوافذ قلبه على مصرعيها ليحتل النور جميع انحاءه ثم عادت و اغلقتها بكُل عُنف في وجهة ليعُم الظلام ثنايا قلبه من جديد.
زفر بقوة و هو يلوم نفسه كونه أوقعها في مصيدة العشق الذي لم يكُن يحسب له حساب ولم يكُن مُستعدّا لخوض الغمار من أجله.

لتتغلب عليه أنانيته و يُقحمها هي الأخرى معه، و ها هو يقف الآن مُمزق بين قلبه الذي يشتهيها وعقله الذي يتبرأ منها كونها تتنافى مع معتقداته البالية التي كان يرتديها كجلد ثان له، فها هو كالمجذوب يتقدم في طريقة إليها للإعتذار، و سرعان ما يتراجع مؤة أخرى لمعرفته بأنه لن يستطِع تقديم الترضية المُناسبة لها.

بالإضافة إلى كبرياء أهوج يئن عليه وهو يُذكره برفضها له، فيجز على أسنانه غاضبًا من نفسه وقلبه ومنها، و هكذا قضى الليلة فريسة لمثلث الرعب هذا قلب عاشق، و عقل مريض، و كبرياء أهوج، وقد تجلت معاناته بوضوح على ملامحه، وهو يتوجه إلى الداخل و منه إلى غرفتهم لا يعرف ما الذي سيقوله و ما الذي سيفعله ولكنه لا ينوي البقاء صامتاً أبدًا و خاصةً على إهانتها المُتعمدة له أو هكذا كان يقنع عقله بأنه لم يشتاقها أو يشعُر بالقلق عليها من شجارهم البارحة.

قام بفتح باب الغرفة ليتفاجأ بها خالية منها بل من الواضح أنها لم تبيت بها الليلة الفائتة فالفراش كما هو لم يُمس، وهُنا غاب عنه كل شيء إلا من شعور مقيت بالذعر يجتاحه وهو يظُن بأن أحدهم قد مسها بسوء ليندفع إلى الخارج وهو يهتف بصوت جهوري تنتابه اللوعة
ـ شروق. لم ينتظر الإجابة من أحد، فقام بالتوجه إلى غرفة جدته وقلبه يتوسل للخالق بأن تكون هُناك ليقوم بفتح الباب دون طرق ليجدها نائمة بجانب جدته التي كانت مُستيقظة لتهتف بلهفة
ـ في ايه يا عمر ؟

لم يُجيبها فقد كانت أنظاره مُنصبة على هذه التي تنام بعُمق وهي تتوسط أحضان جدتها ليُغمض عينيه براحة قبل أن يتقدم ليقف أمام جانبها من السرير وهو يمد يده ليلامس خصلاتها بأنفاس مقطوعة بسبب هذا الشعور المروع بفقدانها ليقول أخيرًا بجمود
ـ نايمة جنبك من امتى؟ تفهمت سعاد الوضع لتقول بنبرة جافة
ـ من بالليل. جت قالتلي خديني في حضنك. الظاهر كدا كانت خايفة أو زعلانة. لأول مرة منذ أن دلف إلى الغرفة يرفع أنظاره عنها ليطالع جدته باستفهام قائلًا
ـ ليه بتقولي كدا؟

سعاد بعتب
ـ عشان كانت بتعيط وهي نايمة. شروق مالها يا عمر؟ آلمه قلبه كثيرًا ليزفر بقوة قبل أن يقول بجفاء
ـ مفيش. شدينا مع بعض شوية. سعاد بحدة
ـ و ياترى بقى ايه السبب؟ أصلي بصراحة حاسة انكوا شادين من قبل الفرح بالدليل انك ولا قربت منها حتى واقف بعيد عينك هتطلع عليها و مش قادر تقرب. قولت يا بت أكيد شروق مزعلاه اوي. لكن لما شفتها امبارح وهي جاية تترمي في حضني زي العيلة الصغيرة قولت يبقى الغلط من عندك، ودا انا مش هسمح بيه يا دكتور.

انكمشت ملامحه بغضب تجلى في نبرته حين هتف
ـ دا اسمه ايه دا ان شاء الله ؟ سعاد بصرامة
ـ اسمه اني مش هسمح لحد يقرب من بنات بنتي حتى لو كان الحد دا انت، ولو لاقيتك مش جدير بشروق انا بنفسي هخليك تطلقها. برقت عينيه من حديثها قبل أن يغزوها الغضب و الشراسة التي تجلت في نبرته حين قال
ـ خلي بالك من كلامك يا سعاد هانم انا مفيش بنت في الدنيا كتيرة عليا، و لا أنتِ ولا اي حد هيجبرني أطلق شروق ولا حتى هيبعدني عنها إلا لو انا عايز دا.

حين انتهى من كلماته تفاجيء بزوج من العيون السمراء التي كانت تُشبه ليل طويل حالك خاصمته نجومه. ليتقدم نحوها بغضب ليقوم بحملها بعُنف من فوق السرير و كأنه يؤكد على صحة حديثه إلى سعاد التي طالعتهم بصدمة كان لشروق نصيب كبير منها، والتي لم تفطِن إلى ما يحدُث إلا عندما سمعت باب الغرفة يُغلق بقوة وبنفس القوة وضعها على مخدعهما ثم رفع يديه إلى أعلى رأسها يُكبلهمَ بقبضته الحديدية وهو يقول بحدة
ـ و أنتِ بقى اسمعيني كويس.

الهبل اللي حصل دا مش هيحصل، و اللي اقوله هيتسمع، و محدش فيكوا هيجبرني على حاجة، و الكلام الأهبل اللي قولتيه امبارح دا تنسيه فاهمة؟ هُناك لحظات فاصلة تمُر على الإنسان إما أن يتجاوزها فيحيا حتى لو مات قلبه، أو تهزمه فتموت كرامته و بالمقابل هو. بالرغم من قسوة الوجع و شدة وطأته في هذه اللحظة ولكنها اختارت أن تحيا بكرامة حتى لو   قلبها آلاف المرات
ـ فاهمة. أوعى لو سمحت.

تفاجيء بإجابتها و بعينيها التي بدت جامدة إلى حد كبير ليتراجع إلى الخلف وهو يحاول سبر أغوارها، لكنها لم تُعطيه الفرصة بل نصبت عودها و رتبت شعرها أمام أنظاره المصبوبه عليها ثم نظفت حلقها لتبدو نبرتها جامدة ثابتة حين قالت
ـ أنت عندك حق. اللي حصل الفترة اللي فاتت كله كان غلط، و أنا فعلًا ندمانه عليه. و كأنها هوت بقلبه ٱلى قعر الجحيم ليقاطعها قائلًا بلهفة
ـ لا أنتِ فهمتي غلط انا أقصد..

قاطعته بنبرة صارمة
ـ عمر لو سمحت سبني أكمل كلامي. أنا فعلًا ندمانه على اللي حصل. بغض النظر عن اللي حصل امبارح. بس انا فعلًا مش مرتاحة و يمكن اللي حصل كان دافع اني أتراجع عن الغلط دا. تخلى عنه كلا شياطينه مُفسحين الطريق لهذا الألم الضاري ليجتاح صدره، فقد كانت كلماتها كالمطارق تدق بأوتار قلبه ليحاول تدارك الأمر قائلًا بأنفاس مقطوعة
ـ أنتِ بتقولي كدا عشان متضايقة مني . ماشي انا عارف اني خبطت في الكلام. بس…

نالت منه مثلما نال منها، ولكنها انتوت الثأر بقسوة تجلت في نبرتها حين قاطعته قائلة
ـ مبسش يا عمر أدي لنفسك فرصة تسمع عشان تفهم. انا مش زعلانه منك ولا من كلامك. انا زعلانه من نفسي. ـ شروق.
خرج اسمها بنبرة مُلتاعة لم تؤثر بها بل تابعت بجمود
ـ انت صح و بتفكر بالعقل، والعقل بيقول أننا مننفعش لبعض. احنا أصلاً مش شبه بعض و أنا قولتلك الكلام دا قبل كدا. قولتلك انت مش الشخصية اللي في دماغي، ولا الشخصية اللي ممكن تجذبني أو تناسبني. انا بس..

تجاوز الأمر حدود المعقول بالنسبة إليه ليصرُخ بانفعال
ـ شروق انا عبيطة ولا حاجة ؟ هو أنتِ سامعه نفسك . شخصية أيه اللي متناسبكيش ؟ دار حول نفسه كالمجنون وهو يحك مؤخرة عنقه بغضب تحول إلى لوعة تجلت في نبرته وهي يقول ـ أنتِ ناسية انتِ كنتِ ازاي في حضني؟! نفضت هذا الذكرى المريرة قبل أن تّطيح بثباتها لتهتف بحدة
ـ أرجوك يا عمر بلاش تفكرني بغلطة انا ندمانه ندم عمري عليها. عمر بصدمة
ـ غلطة!

ـ ايوا غلطة، وانت عارف كدا زيي واكتر. انا غصب عني شفت كل اصحابي عايشين قصص حب و اتجوزوا حبيت أخوض التجربة مش اكتر، وعشان كدا مش هرمي اللوم عليك لوحدك. تساقطت القسوة من بين كلماتها التي ينفيها قلبها بضراوة، ولكنه سابقاً أغرقها في وحل الإهانة، واليوم لن تسمح له بتكرارها، وقد أصابت هدفها في  ، فقد أخذ يُردد كلماتها كالمصعوق
ـ صح ايوا أنتِ صح. هي كانت غلطة فعلًا. تجربة فاشلة. ياريتنا ما عشناها.

قال جملته الأخيرة بلوعة كادت أن تُزيل هذه الطبقة الهشة عن ضعفها ولكنها استطاعت التماسك لتقول بجمود
ـ ياريت نحاول نتدارك الموضوع وننسى اللي فات عشان منخلقش أزمة جديدة تقف قدام اللي اتفقنا عليه. كانت لحظة ضعف نادرة لم يستطِع التغلب عليها ليهتف بمرارة
_ أزمة. انا فعلًا في أزمة بسببك. التفتت الى الجهة الأخرى هربًا من مظهره المُذري الذي يُفتت قلبها لتقول بنبرة يشوبها الأرتجاف
ـ معلش. مضطر تتحمل ماهو مش انا اللي جيت لحد باب بيتك وقولتلك يالا نتجوز عشان كذا كذا، وبعدين سهلة احنا تعتبر أننا مش موجودين في حياة بعض. الموضوع بسيط.

استمد بعض الثبات من قسوتها المُفرطة ليقول بنبرة حادة كالسيف
ـ بسيط! تصدقي صح. حلو اوي دا. اثبتي بقى على كدا. أنهى جملته والتفت متوجهًا إلى باب الغرفة ليفتحه و يخرج صافقًا إياه بقوة جعلت جسدها ينتفض و ينهار ثباتها الواهي لتسقط فوق الأرضية الصلبة وهي تبكي بطريقة هستيرية، فمقابل أن تحيا كرامتها قامت بنحر قلبها و ساكنه.

انت في الصفحة 3 من 8 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى