الإث.م الواحد و الثلاثون ذ.نوب على طاولة الغفران نورهان العشري
ـ نفسك اللي بتستقلي بيها دي. بالنسبالي في كفة و الدنيا دي كلها في كفة. كان الأمر يفوق قدرتها على الحديث ليتفشى الألم بملامحها و تكشف عينيها عن مكامن الخوف داخلها لتهتف بنبرة مُهترئة من فرط الأسى
ـ أنا معنديش حاجة واحدة أديهالك يا خالد. احتوتها عينيه بضمة غير ملموسة ليُجيبها بهسيس خشن
ـ كفاية عليا أنتِ. أصابت كلماته أوتار قلبها المُلتاع لتُفصِح أكثر عن مقدار التلف الذي أصاب روحها
ـ إزاي ؟ مش لازم الجواز يكون في تكافؤ؟ أنت هتديني حاجات كتير أوي. اسم و فلوس و مكانة إجتماعية. بس في المقابل أنا هديك أيه؟
اهتزاز جفونها من فرط ما تحمله من عبرات، و رجفة شفتيها وهي تتحدث بالإضافة إلى ملامحها التي يسطو على جمالها ألم كبير كل هذه أشياء نالت من قلبه بضراوة، ولكنه عزم و بقوة على رتق جروحها و ترميم هذا الصدع في منتصف قلبها لذا تحدث بنبرة جادة
ـ دا شيء طبيعي بيديه أي راجل لمراته. مش مِنة ولا فضل منه. عبأ صدره بالهواء النقي قبل أن يقول باستفهام
ـ أشجان قوليلي هو الراجل بيكون محتاج أيه من الست؟
استغرقت ثوان تحاول استيعاب سؤاله الذي لم يُسعفها عقلها في الإجابة عليه لتهتف بخفوت
ـ يعني. معرفش بالظبط.. تآزرت ملامحه وعينيه ونبرته و كلماته في وصف ما يحمله بقلبه لها حين قال بتمهُل
ـ سكن، بيت، حياة. دي الحاجات اللي الراجل بيحتاجها من الست، و مش أي ست تقدر تدي دا. أصابتها إجابته بحمى الإرتباك لتهتف بتلعثُم
ـ خالد. اسمعني. اقترب منها وهو ينحني قليلًا لوصل خيط النظرات بين عينيه و عينيها لكي تستشعر إلى أي مدى هو يهواها ثم قال بنبرة خشنة
ـ مش أي ست تقدر تكون السكن لجوزها، ولا يبقى حضنها هو بيته، و مش كل الأيام اللي بتمر علينا نقدر نعتبرها حياة. الحياة هي اللحظات اللي بيكون الإنسان فيها مرتاح، وانا ماليش حياة ولا راحة من غيرك. التف ضماد كلماته و بلسم مشاعره حول جراحها لتُخفف كثيرًا من هذا الألم الذي يعصف بها منذ سنوات، فلأول مرة يرى عينيها صافية بهذه الطريقة، فقد انمحت غيوم الحزن من سمائها ليرى بوضوح وهج الزمُرد الذي يتلئلئ بين جفونها بالإضافة إلى ابتسامة هادئة ظللت ثغرها ليهمس بهسيس خشن
ـ أفهم من كدا اني خلاص نولت الرضا؟
اتسعت ابتسامتها و هبطت بقايا العبرات العالقة في مقلتيها قبل أن تقول بخفوت
ـ أنا مش عارفة اقولك أيه؟ يكفيه هذا الشعور بالراحة الذي تسلل إلى قلبه في الوقت الحالي ليقول بنبرة خشنة
ـ هقولك أنا تقولي أيه بس مش دلوقتي. أسبوعين من النهارده و هنقول احلى كلام بس الصبر. تبدل حالها من السعادة إلى الخجل لتنمحي بسمتها و يحل محلها العبوس لتهتف بتلعثُم
ـ عن اذنك. أنا ورايا شغل كتير. لونت ابتسامة عذبة ملامحه قبل أن يهتف بحبور
ـ طب استني. هقولك.
ناظرته بريبة ليقول بنبرة خشنة
ـ كمال و آسيا رجعوا النهاردة من شهر العسل. عقبالنا. شهقت بخجل تجلى في نبرتها وهي تقول
ـ أية؟ خالد بتهكم
ـ لا متخديش في بالك. المهم. احنا اتفقنا انكوا هتيجوا تسهروا معانا النهاردة و هنتعشى سوى كلنا . أشجان بلهفة
ـ لا طبعًا انا مش هاجي.
اقترب منها عدة خطوات وهو يناظرها بوعيد تجلى في نبرته حين قال
ـ أولًا مطلبتش رأيك. ثانيًا هتيجي، وانا هاجي أخدك ونروح نجيب الجماعة. ثالثًا بقى و دا الأهم لازم تجيبي الولاد معاكِ عشان اعرفهم على رنا، و بالمناسبة أنتِ وحشتيها أوي و من يوم الفرح وهي بتسأل عنك، و هتزعل لو مجتيش. تولى القلب دفة القيادة التي غادرها منذ زمن لتجد نفسها تقول بنبرة رقيقة
ـ و أنا مقدرش على زعلها. فطنت لما تفوهت به لتسارع بالهروب من أمامه غافلة عن عينيه التي غلفها العشق الضاري الذي يجتاح قلبه لأجلها.
اللهم يا مسهل الشديد، ويا ملين الحديد، ويا منجز الوعيد، ويا من هو كل يومٍ في أمرٍ جديد، أخرجني من حلق الضيق إلى أوسع الطريق، بك أدفع ما لا أطيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم♥️ ★★★★★★★★★★ ـ غنى هو انا ينفع اتكلم معاكِ ؟ هكذا هتفت روضة التي لحقت بغنى إلى الأعلى ما أن رأتها وحدها لتلتفت إليها وهي تقول باندهاش
ـ تتكلمي معايا انا؟
ـ أيوا، و اوعدك اني مش هاخد من وقتك كتير.
اومأت غنى بصمت لتتوجه كليهما إلى غرفة النوم و منها إلى الأريكة لتناظرها غنى بهدوء في انتظار أن تبدأ بالحديث فاخفضت رأسها تحاول أن تُمسِك طرف خيط يُمكنها البدأ منه، وفي النهاية اختصرت الطرق قائلة
_ انا أسفة يا غنى. رفعت غنى أحد حاجبيها باندهاش تجلى في نبرتها حين قالت
ـ نعم! روضة بأسف حقيقي
ـ أنا من وقت اللي حصل يوم صباحيتكوا وانا ضميري مأنبني عشان حسيت اني السبب في اللي حصل معاكوا.
احتارت كثيرًا من حديثها وعن مدى صدقها، فأمعنت النظر في عينيها و ملامحها حتى ترى اي لمحة كذب أو زيف ولكن على عكس المتوقع لم تجد ، فشعرت بأنها صادقة، وبالرغم من ذلك فهي لن تأمن لأي شخص مرة أخرى لذا قالت بجمود
ـ اللي حصل بيني وبين ياسر محدش له دخل بيه، و لو كنتِ بتعتذري عن الكلام اللي قولتيهولي يوم الفرح، فخلاص انا نسيته، و ياريت أنتِ كمان تنسيه.
كانت تُشير إلى مشاعرها تجاه زوجها لترى الألم في عيني روضة التي اهتزت جفونها من ثقل ما تحمله من عبرات و تحشرجت نبرتها حين قالت
ـ متقلقيش من ناحيتي. انا فوقت خلاص. المهم انك متكونيش زعلانه مني. شعرت ببعض الشفقة عليها، وما ان أوشكت على الحديث حتى تفاجئت من ياسر الذي دلف إلى داخل الغرفة ليتجمد بمكانه وهو يطالع روضة بريبة لتهب الأخيرة من مقعدها وهي تقول بحرج
ـ طيب يا غنى نكمل كلامنا بعدين.
تفهمت غنى شعورها بالحرج خاصةً حين رأت نظرات ياسر المُرعبة لتقول بنبرة لينة
ـ ماشي يا حبيبتي.
كانت جملة بسيطة ولكنها جعلتها تُدرك بأن الأمور تسير على ما يرام بينهم لتتوجه روضة إلى الخارج مروراً بياسر الذي ما أن أغلقت الباب خلفها حتى استفهم بنبرة حادة
ـ كانت عايزة اية المرة دي؟ غنى باختصار
ـ بتعتذر عن اللي حصل منها. ياسر باستفهام
ـ و بعدين؟ غنى بلامُبالاة
ـ عادي. مشيت الدنيا يعني. اعتذرت وانا قبلت.
اغتاظ من تعاملها مع الأمر بهذه البساطة، فهو يغار عليها من نسمة الهواء وهي تصافح من صرحت بحبها له لذا تجاهلها وهو يمُر إلى الخزانه ليجلب ملابس نظيفة، فإذا بها تجد بعض قطرات من الدماء فوق جلبابه الذي نزعه و الذي ألقاه أرضًا ليهوى قلبها بين قدميها و تهرول إليه قائلة بلهفة
ـ ياسر. ايه الدم دا؟ تجاهل قلقها وهو يقول بجفاء
ـ مفيش دا حد من الولاد في الشونة اتعور، و الدم طرطش على أيدي.
أوقفته غنى عن الحركة وعينيها ترى الكذب بوضوح في عينيه لتقول بذُعر
ـ متكذبش عليا يا ياسر. حصل ايه ؟ تجمدت نظراته وهو يتذكر ما حدث صباحاً