فاجابتها صافية حانقة ، بعدما نظرت نحو “صفا” التي أخفضت عيناها عنهم ..، حتي لا ينتبهوا علي دموعها الحبيسة : – ساعدي بنت خالك ، وحجتك كلها كام شهر وهنخلص منها ، لا في جامعه ولا في مذاكره .. واردفت متوعده – وهطلعه عليكي في شغل البيت جنه : ايد علي ايد بتساعد يا ست الكل ، ولا أنتي إيه رأيك ارادت أن تتمازح قليلاً ، حتي تُشاركهم “صفا” في حديثهم ..، ولكن “صفا” كانت منعزلة عنهم بلحظات كانت تعيشها من قبل
– انا وابوكي تعبنين في شغل المزرعه ، وكل ده عشان منخلكيش محتاجة لحاجه يابنت بطني وفردت “صافية” كفيها ، حتي تريها كم اصبحت كفوفها خشنة من شدة التشقق ، فنظرت جنه إليها ، بعدما تمالكت غصتها ..، فاعمال المزرعة والفلاحة لم تعد تناسب والديها في عمرهم هذا ..، ولكنهم يتحملوا كل شئ من أجلها ..، فاسرعت في التقاط كفوفها تقبلهما هاتفه : – ربنا يديكي الصحه يا ماما ، واتخرج واشتغل ومخلكيش انتي وبابا تحتاجوا لحد
كان “صابر” صامت لا يُشاركهم الحديث ، فعيناه كانت عالقة نحو تلك اليتيمة التي اخذت تقضم شفتيها وتقطب جفنيها بقوة حتي لا تنساب دموعها أمامهم ..، وتُفقدهم لحظات سعادتهم باحزانها ، وعندما رأي “صابر” تلك الدمعة التي فرت من جفنيها ..أسرع متمتماً , يُغير الحديث الذي طال بين زوجته وأبنته صابر: انا عارف انك بتحبي القصب ياصفا يابنتي ، يلا تعالي نقعد قدام باب البيت .. نتسلي لحد اما جنه وعمتك يخلصوا خناق ويعملونا الشاي
انتبهت “صفا” علي حديثه ، فاسرعت في مسح دمعتها ، وقد فرت منها دون قصد ، ومن نظرته إليها علمت إنه قد رأي دموعها ..، نهضت عن الطاولة تتجاوز غصتها متمتمه: – قصب ! فابتسم “صابر” بشفقة ، وهو يراها كيف تُحاول أن تظهر سعادتهم إليهم ، أتجه نحو البساط القديم يلتقطه من مكانه، ثم تجه نحو باب الدار يبسطه أمامه ..، يُذكرها بطفولتها: – من وانتي طفله صغيره بتحبي فتعالا صوت جنه من خلفهم بعدما نهضت هي الأخري بحماس من جوار والدتها التي ذهبت لتصنع لهم الشاي
– انا جيت عشان اقشره ليها زي زمان ، ما اصل انا بحب ادلع صفا هانم وبكلمات بسيطه كانت السعاده ترتسم فوق شفتي “صفا ، ورغم الألم الذي أصبح رفيقها إلا أنها تذكرت تلك الأيام من طفولتها ، وقد كانت تأتي لهنا مع والديها حتي يقضوا بضعة أيام من العطلة الصيفية. ……………………………………………………. وقفت “السيدة حنان” ، تلك الخادمه التي عملت في هذا المنزل لسنوات ، تفرك كلتا يديها وتطرق رأسها خجلاً مما جاءت من أجله لتُخبر سيدها ، أنتظر “عامر” سماعها بعدما ترك العقود التي كان يُطالعها
حنان : عامر بيه ! ، انا مش عارفه اقول ايه لحضرتك فتأكد “عامر” من وجود شئ ، فاشار إليها بمواصلة حديثها ..، وهو يخشي أن تكون والدته بها شئ ما – أنا مضطرية اسيب الشغل ، عشان، عشان تمتمت عبارتها بتعلثم ، ثم ابتلعت باقية حديثها في إستحياء فرمقها “عامر” وقد ضجر من إنتظار سماع ما ترغبه ، فزفر أنفاسه متمتماً بجمود : – عشان ايه ياحنان ؟ حنان : أنا هتجوز يا بيه ،وجوزي رافض اني اشتغل في البيوت حتي لو هكون مرافقة للهانم الكبيرة
واردفت بتوتر ، تُخبره إنها ستظل في عملها لمدة ما ..، حتي يتمكن إيجاد مرافقة غيرها – فاضل لسا وقت علي جوازي يا بيه ، لكن حبيت أبلغك من دلوقتي طالعها ينتظر معرفة تلك المدة التي ستظل بها معهم ، فاسرعت في إخباره – قدامي شهرين يا بيه ! فتنهد “عامر” بعدما هتفت عبارتها أخيراً ، ونهض عن مقعده .. خلف مكتبه بوقار وهالة من الهيبة ..، جعلت الواقفة تتراجع للخلف.
لم يتقدم منها بل أتجه نحو شرفة مكتبه الضخمة ، يُطالع المساحة الواسعة الواضحة للأعين ، دس سيجارته بين شفتيه ثم نفث دخانها ببطء ، فعادت الواقفة تطرق رأسها ..، تنتظر أوامره ، وبعد لحظات من السكون خرج صوته وهو مازال علي وقفته دون أن يلتف إليها عامر : تكلفة جوازك هتكون هديه مني لخدمتك الطيبة لأمي ، وده بعيد عن مكفأتك لنهاية الخدمه ياحنان تهللت اسارير حنان غير مصدقة ما تسمعه من كرم سيدها ، ثم اسرعت في الهتاف بخجل
حنان : والله ياعامر بيه ، انا بحب الهانم الكبيره أوي ، ويعز عليا فراقها ، لكن على عيني والله اسيبها وعادت تطرق برأسها مجدداً ، تتابع حديثها وقد التف عامر نحوها ..فرأي نظراتها الخجله المرتبكة فاكملت حنان والسعاده تملئ ملامحها ، وهي تتذكر الرجل الذي ستترك عملها من اجله وتشاركه حياته : – بس سعد راجل طيب ومناسب عمره ليا ، الامان بوجود راجل يخاف علي الواحده مننا ويحبها بالدنيا يابيه !
وبرغم إنه لا يستلطف تلك الكلمات ، إلا إنه ابتسم على حديثها بعدما رأي صدق المشاعر التي تتحدث بها خادمته البسيطه ، تغللت الكلمات داخل قلبه , الذي لا يؤمن بالحب وتضحيات النساء من أجله ، ولكن سرعان ما تلاشي كل شئ داخله ..متمتماً بعدما عاد لمقعده : – مبرووك ياحنان !! ………………………………………………………… أشتدّ هطول الامطار، وسقطت قطراتها بغزاره وصوت الرياح أخذ يتعالا حولها ، فاصابت قلبها تلك الرجفة ، فشدت من ضمها لجسدها أكثر ..، وقد جلست علي إحدى الحجارة الضخمه امام منزل عمتها
ارتجف جسدها بشده بعدما اصبح مبتلاً والمياه تتقطر من ثيابها ..، احاطت جسدها بذراعيها , لعلها تمنحه الأمن قبل الدفئ الذي غادره من شدة البرودة ..، انسابت دموعها بغزارة كحال هطول الأمطار التي تتدافق فوقها ..، ارادت الصراخ ولكنها لم تستطيع ، فكورت كفيها وقد أرتعشت شفتيها كحال جسدها اتسعت عينين “جنه” فزعاً وقد وقفت علي أعتاب باب المنزل تنظر إليها في صدمه ..، ثم اسرعت إليها تسألها بذعر – صفا ، صفا ايه اللي بتعمليه في نفسك ده بس
وجثت علي ركبتيها امامها وقد تشبع جسدها ايضا بماء المطر المتدفقة بقوة هذه الليله – ليه سابوني ياجنه لوحدي ، ليه مامتش معاهم قوليلي ليه هتفت بها وقد أخذ جسدها يرتعش ، طالعتها “جنه” تُشاركها ألمها , ثم ضمتها إليها بقوة لعلها تمنحها الدفئ – اصرخي ياصفا طلعي اللي جواكي كله ، متمـ,ـوتيش نفسك بالبطئ صفا : انا انكسرت ياجنه ، انا دوقت فعلا مرارة الدنيا وشوفت قلبتها في غمضت عين
ونهضت من فوق الحجر بعدما ازاحت ذراعين جنه عنها .. وسارت بضعة خطوات ثم رفعت ذراعيها عالياً ، وهي تُحدق في هطول الامطار التي ازداد انسيابها بغزارة ، وقد شاركها صوت الرعد بنوره القوي في صراخها – ليه ، ليه مروحتش معاهم وسبوني لوحدي أموـ,ـت كل يوم ارتخت ساقيها بعدما لم تعد تشعر بهما ، فسقطت علي ركبتيها وهي واضعه بيدها فوق صدرها من شدة حرقتها، متمتمه بأيمان قد قذف في قلبها – اللهم لا تحملنا ما لا طاقة لنا به
وظلت تردد الدعاء حتي وجدت جنه تضمها اليها مجدداً ، ثم ساعدتها علي الوقوف والدلوف نحو المنزل. ……………………………………………………….. أرخي جسده بعدما جلس فوق المقعد ، في ذلك المطعم الذي يُفضله هو وصديقه ..، وضع مفاتيحه الخاصة علي الطاوله ، وبدء يفرك يديه الباردتين, لعله يمنح جسده الدفئ لو قليلاً احمد: الجو النهارده صعب اوي واسرع في التقاط مشروبه الساخن بعدما وضعه النادل مُجيبًا طلبه في سرعة ، ارتشف بضعة رشفات من مشروبه متمتماً: – امممم ، كنت محتاجه فعلا
فابتسم رامي علي حال صديقه ، وقد اخذ يرتشف هو الاخر مشروبه : – كان لازم ننزل في الجو ده عشان نتقابل – كنت محتاج اقابلك يا رامي فمال “رامي” بجسده فوق الطاولة ، بعدما شعر بخطب ما بصديقه – عامر نيته واضحه اوي ، في موضوع فريدة وصمت عن حديثه ، واخذ يُدلك عنقه في إرهاق – المشكلة إني بقيت اشوف فريدة بنت مناسبه ليا ..، أنا بدأت أخون مها في افكاري يا رامي
وبحزن لم يخمد في قلبه هتف عبارته – وفيها إيه يا احمد لما تحب وتفكر تلاقي شريكة حياتك وبجنون كان يصرخ ، بعدما فقد سيطرته علي حاله – احب واتجوز ، وأنا كنت السبب في مـ,ـوت مها الفصل الخامس ******
تنهد بأرهاق بعدما فرك عينيه ثم أخذ يُدلك عنقه ، أرتخي بجسده قليلاً حتي يمنحه الأسترخاء ويعود لعالمه بين السطور ..، التقط قلمه مجدداً وعاد يُكمل كتابة سطوره التي تحكي عن الاحلام الضائعة ، وحكايات الحب التي تنتهي بعدما نذوق من كاسته جرعات العشق , ومن ثم تصيبنا الخيبة ..، ولكن اليوم الكلمات تخونه وكأنها تحالفت مع قلبه ..، فلم يستطيع تكملة سطوره ..، اخذ يزفر أنفاسه بزفرات متتالية ..، طالباً الراحه من عقله ، وها هي الذكريات تخترق حصونه والسنين تعود به لأيام مضت وانتهي هو معها
فلاش بك وقفت السيارة امام البوابة الضخمه لمزرعة عائلة السيوفي ، ركض الحارس يفتح الباب مرحباً بسيده، ثم رمق تلك التي تُجاوره وقد أصبح يعلم بهويتها وملازمتها لسيده الصغير كلما أتي لهنا ، وقد أعتاد علي وجودها مع سيده الصغيرمنذ عام – نورت يا احمد بيه دلف “احمد” بسيارته نحو الداخل ، والجالسة جواره تفرك يديها في توتر ..، كحال كل مرة تأتي فيها إلي هنا ..، توقف بالسيارة أمام المنزل يُطالعها بابتسامه سعيدة – مالك يا حببتي
طالعته “مها” بقلق ، تنظر حولها في المكان – بحس أننا بنسرق يا احمد ، هنفضل كده لحد أمتي ؟ تنهد أسفاً علي ما يجعلها تعيشه ، ولكن والده وشقيقه يرفضون تلك الزيجة ، وهو لم يريد إلا وضعهم أمام الأمر الواقع – أنتي عارفه يا حببتي لولا الأزمة القلبية ..، كان زماني بلغته بجوازنا اطرقت عينيها في حزن ، فهي تُدرك تماماً إنها ليست من عائلة مشرفة ..، اسرع في التقاط كفها بعدما شعر بحزنها الذي ارتسم فوق ملامحها ..، ثم رفعه نحو شفتيه يلثمه في عشق
– اوعدك أول ما حالته تتحسن ، مش هستني لحظه واحده يا حببتي واجتذبها إليه ، يضمه نحو صدره في عشق أخترق حصونه منذ أن رائها , مثل الفراشة حرة طليقة في نادي الفروسية عندما كانت تشجع شقيق صديقتها وقد داعتها لحضور أحد السباقات تنحنح الحارس عندما اقترب من السياره ، حتي يسأل سيده عما يُريده منه قبل أن يعود لغفوته ..، ابتعدت عن أحضانه وقد اشاحت عينيها بعيداً عن نظرات الحارس
ترجلوا من السيارة وسبقته نحو الداخل وقد عاد الخوف يدب في أوصالها ..، هي تعلم إنها زوجته بعقد رسمي وقد زوجها له والدها بعد أخذ المال الذي يُريده منه ، حتي يوافق علي تلك الزيجة وبالشروط التي يضعها “احمد” ولم يكن الشرط إلا أن يكون الزواج في السر حتي يُصرح هو بالأمر لعائلته – كل حاجة زي ما طلبت مني يا أحمد بيه ، خليت أم حسن تنضف البيت
هتف الحارس بما فعله لأجل سيده ، فدّس “احمد” يده داخل جزدانه يخرج له المال ..، تهللت أسارير الرجل وهو يري الورقيات التي تدل علي مبلغ ضخم ..، شكره منصرفًا وهو يشير بيده نحو عينيه ..، يخبره بأن كل شئ سيكون تحت حراسته ..، وإذا حدث أمر طارئ وجاء السيد “عامر” للمزرعة سيخبره علي الفور اسرع ” احمد” في الدلوف للمنزل بتوق شديد ، واقترب منها يطوق خصرها بذراعيه ويجتذبها نحو صدره مُقبلاً عنقها بقبلات مترفقة
– وحشتيني أوي يا مها ، مبقتش قادر ابعد عنك ولا انام من غيرك أستمع لصوت تنهيداتها ، فلفها إليه ينظر لعينيها – صدقيني الوضع ده مش هيستمر كتير – بزعل علي نفسي اوي يا احمد ، وأنا بشوفك وسط الكل والنظرات بتحاوطك وأنا مش قادرة أقرب منك ..، كل حاجة لازم نعملها بحساب واردفت متحسرة علي حالها وابتعدت عنه – عشان محدش يوصل أخبارنا لوالدك – ده وضع مؤقت يا مها صدقيني هتف عبارته بضيق من ضعفه أمام والده وشقيقه ..، ولكنه لا يُريد خسارة والده ويعيش عمره كله متحسراً عليه لو كان سببً في فقده
وعندما رأت قلة الحيلة التي احتلت عينيه ، وابتعاده عنه ..، تقدمت منه تسأله – تحب أحضرلك العشا عاد يلتف إليها ، وقد عادت السعاده لعينيه وهو يومئ لها برأسه متحمساً – ياريت أنا جعان جدا