الإثم الثالث و الثلاثون ج٢ ذنوب على طاولة الغفران نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
الإثم الثالث و الثلاثون ج٢ بعنوان ” اختيارات و اختبارات ” بعض الحقائق قد تُنجينا و بعضها قد يودي بنا إلى
الهاوية، و نحن حائرون لا نعرف أي درب علينا المُضي به، و كيف نمضي حاملين تلك الأثقال بقلوبنا ؟ الأفواه مُكممة و الكلم\ات أغواها الصمت فتوارت خلف بهتانٍ مزعوم بأن غض البصر عن الظُلم نجاة منه، و العقول وِجله أمام طُرُقات تبدو مُوحشة، مجهولة الأمد، و مغبة الخطأ خسائرها فادحة، فكيف ننجو بـ أرواحنا و قاطنيها من دوائر الغدر المغموسة بـ سموم لا ترياق لها ؟
نورهان العشري كانت قدميه تريد أن تسابق الريح حتى يصل إليها، فوجودها بجانبه يشعره بأن كل شيء على ما يُرام حتى لو لم يكُن كذلك، فقربها سبب أكثر من كاف ليحيا.
فتح باب الغرفة ليبتهج قلبه حين رآها تجلس على الأريكة بهدوء و يبدو أنها كانت في عالم آخر، فلم تلحظ وجوده إلا عند سماع صوته وهو يُلقي التحية، فهبت من مكانها وهي تقول بنبرة مُتحشرجة
ـ عليكم السلام ورحمه الله وبركاته. جيت امتى؟ طافت عيني ياسر على ملامحها بقلق قبل أن يقول بجمود
ـ لسه جاي. كنتِ سرحانة في اي؟
زاغت نظراتها و هي تحاول جعل لهجتها عادية حين قالت
ـ ولا حاجة. شاكسها قائلًا
ـ طب بصيلي بتزوغي مني ليه؟ غنى بجفاء
ـ ولا زوغت ولا روحت في حتة مانا هنا اهو. ياسر بمُزاح
ـ طب ما بالراحة يا غالي. أنا بطمن بس. رغمًا عنها ابتسمت ليُتابع بنبرة حانية
ـ قاعدة لوحدك ليه ؟ غنى بخفوت
ـ كنت مستنياك ننزل سوى. ياسر بنبرة عابثة
ـ ممكن مننزلش عادي، و استفرد بيكِ هنا. رفعت رأسها بصدمة سرعان ما بددها التوتر الذي تجلى في نبرتها حين قالت
ـ دا اللي هو ازاي يعني!
ياسر بتهكم
ـ زي السكر في الشاي. أنهى جملته وهو يتوجه إلى الطاولة ليضع ساعته و مسبحته، فوصل الى سمعه تمتمتها الساخرة حين قالت
ـ بيستظرف حضرته. عضو على شفتيه بمكر قبل أن يلتفت تجاهها و هو يخلع جلبابه و يُلقيه بلامُبالاه ليقترب منها قائلًا بوعيد
ـ حضرتي بيتكلم جد على فكرة، و ناوي يستفرد بيكِ فعلًا. تفشى التوتر في جسدها كالحمى مما جعلها تتراجع إلى الخلف وهي تقول بتلعثّم
ـ أن. أنت هتعمل ايه؟
ياسر بمّزاح
ـ بصي هو أنا مستفردتش بحد قبل كدا. بس أوعدك أني هحاول.
لا إراديًا ارتسمت ابتسامة عريضة فوق شفاهها جعلت دقات قلبه تقرع كالطبول ليواصل تقدمه منها و بالمقابل تراجعت هي إلى الخلف لتصطدم بالخزانه خلفها، فخرجت منها شهقة خافتة وهي ترى نظراته الداكنة التي جعلت رجفة قوية تض*رب جسدها لتمتد يديه تُدلك أكتافها و هو يقول بنبرة مبحوحة
ـ خايفة كدا ليه؟ أخذت تبحث عن الحروف في داخلها، فلم تجد ما يُسعفها لشرح ما تشعر به لذا أدارت عينيها إلى الجهة الأخرى، فامتدت يديه تُديرها لتغرق بين أمواج عينيه، وهو يُضيف بخفوت
ـ الغُريبة بتاعتي مالها؟
أطلقت زفرة حارة من جوفها قبل أن تقول بنبرة حزينة
ـ جوايا كلام كتير عايزة اقوله و مش لاقيه حروف تعبر عنه.. ياسر بقلق
ـ في حاجة حصلت؟ او حد ضايقك! هزت رأسها يمينًا و يسارًا قبل أن تقول بخفوت
ـ عايزة اطلب منك طلب و ياريت توافق من غير نقاش. تفشى القلق بأوردته ولكن هذا الشرط بالقبول المبدأي اثار حفيظته ليقول بجمود
ـ لو في أيدي انفذلك طلبك مش هتأخر….
ضاقت ذرعًا من كل شيء لذا دفعته وهي تقول بحدة
ـ هتقدر يا ياسر. أنا مش هطلب منك ترمي نفسك في البحر. كل اللي بطلبه بلاش جدال كتير، و تنفذه و بس. شعر بأنها على شفير الانهيار ليقترب منها يحاوطها بذراعيه ليجلسها على الأريكة وهو بجانبها قائلًا بلهجة حانية
ـ طيب اهدي، و اطلبي اللي أنتِ عايزاه و انا عنيا ليكِ. حتى لو طلبتي مني ارمي نفسي في البحر. ناظرته بامتنان و اهدته ابتسامة جميلة قبل أن تقرر التطرق إلى الأمر مُباشرةً
ـ عايزاك تبطل تسأل ورا موضوع مها!
برقت عينيه، و كاد أن يندفع تحت طائلة غضبه، ولكن يدها التي شددت على كفيه جعلته يتراجع وهو يُذكرها بوعده لها ليزفر بقوة، وكأنه يطرد هذا اللهب المُشتعل داخل صدره ثم قال بنبرة جافة
ـ دا طلب يا غنى مش عايزاني أجادلك فيه؟ أنتِ شايفة ان دا عدل! شعرت بالشفقة عليه كثيرًا ولكنها عادت بالذاكرة لما حدث عصر اليوم عودة إلى وقت سابق ـ هيام ! تعالي ادخلي. أغلقت هيام الباب خلفها وهي تدلف إلى داخل الغرفة لتتربع على الأريكة ثم نظرت بتمعُن إلى غنى وهي تقول بجمود
ـ عايزة اتكلم معاكِ في موضوع مهم، و ياريت تفهميني.
جلست غنى بجانبها وهي تقول بقلق
ـ في ايه يا هيام قلقتيني؟ تحمحمت هيام وهي تبحث عن الكلم\ات المُلائمة لتُصيغ حديثها لتشرع في الحديث بطريقة مُباشرة حين قالت
ـ بصي يا غنى. أنا مبعرفش ألف و أدور في بوقين لازم تسمعيهم عشان ننفض من الفيلم دا. غنى باستفهام
ـ بوقين ايه؟ هيام بنبرة متوترة
ـ موضوع مها. تبدلت ملامح غنى لتهتف هيام بنبرة حادة
ـ عايزين نفضه.
غنى بجفاء
ـ ادخلي في الموضوع يا هيام.
هيام بانفعال طفيف
ـ ياسر اتخانق مع عماد و ض*ربه. هنستنى ايه لما يم*وتوا! طيب البت غلطت بس دي عيلة و يتيمة، و كانت عايزة اي قشة تتعلق بيها، و عقلها الغبي صورلها أن ممكن ياسر يشيل مصيبتها. هنعمل فيها ايه؟ ناظرتها غنى بصدمة سرعان ما تحولت لحنق حين قالت
ـ و حر\قة قلبي انا و أخوكي نعمل فيها ايه يا هيام!
أخذ الذنب يقرضها من الداخل جراء حديث غنى لتحاول تجاهله وهي تقول بجمود
ـ و هو فتح الموضوع دا هيعود عليكوا بأيه يا غنى؟ اقولك انا ولا حاجة! و لاحتى هيبرد ن\ار ياسر. مها كلمتني و حكتلي و مرعوبة لياسر يقول لحماها و يفضحها. هنستفاد أيه من فضحها قوليلي!
أخفضت رأسها بتعب لتُتابع هيام قائلة بنبرة أهدأ
ـ اسمعيني يا غنى. اللي حصل مقدر و مكتوب، و اللي فات م\ات احنا ولاد النهاردة، و أنتِ و ياسر اهو اتجوزتوا، و هي كمان اتجوزت و خلفت. فضحها لا هيقدم ولا هيأخر. انسوها و رب العباد كفيل بيها. انما حرام نفضح ولية ملهاش حد، و ابنها حتة العيل الصغير دا هيشيل ذنب مش ذنبه. تعلم بأنها مُصيبة في حديثها ولكن ماذا عن الألم والوجع الذي عاشته! و ندباته التي شوهت قلبها ولا تعرف كيف ستداويها ؟
ـ أنتِ عايزة أيه دلوقتي يا هيام؟
هيام بلهفة
ـ عيزاكي تقولي لياسر يفضها سيرة، و يكفي عالخبر مجور، و الظالم عليه ربنا وعيشوا حياتكوا بقى، و انسوا.. عودة إلى الوقت الحالي ـ أنا عارفة أنه مش عدل. بس مش هيعود علينا بحاجة.. هكذا تحدثت غنى بخفوت قابله ياسر بالجفاء حين قال
ـ حتى لو مش هيعود. أنا لازم اعرف مين وزها تعمل كدا!
غنى بحدة
ـ هي مش محتاجة حد يوزها. لو لسه رافض تصدق، فهي أصلًا شيطانة و كانت طمعانة فيك، و مش محتاجة اللي يوزها.
أنهت جملتها و هبت من جانبه تنوي المغادرة لتوقفها ق\بضته التي احكمت الطوق حول معصمها يجذبها إليه وهو يهتف غاضبًا
ـ لما نكون بنتكلم متسبنيش و…
بتر جملته حين سقطت بين ذراعيه متوسطة أحضانه بجوار قلبه الذي اهتاجت دقاته جراء هذا القرب المُهلك فأشتبكت أعينهم بحديث صامت عن مدى الشوق الذي يجيش بصدروهم، و
أنفاسهم التي كانت مُحترقة من فرط اللوعة التي تعج بها القلوب مما جعل جميع حواسه تتحفز و خاصةً حين توقفت أنظاره على شفاهها التوتية التي كانت ترتجف من فرط تأثرها بقربه لتمتد أنامله و يُمررها فوقها بتمهُل قاتل قبل أن يقول بصوته الأجش
ـ هو أنتِ بتجيبي الحلاوة دي منين ؟
ارتج جسدها بفعل كلم\اته الرائعة و أنفاسه الدافئة التي لفحت وجهها، فعززت من احمرار خديها، فاغمضت عينيها وهي تقول بخفوت
ـ ياسر. اقتطف باقي حروف اسمه من فوق شفاهها بنهم قاتل يعج به صدره، و لم يعُد قادر على التحكُم به، و لكنه لم يحسب حساب لندوبها و مخاوفها التي جعلتها تنتفض بين يديه ليتراجع بأنفاس لاهثه وهو يقول بنبرة مُتحشرجة
ـ ضايقتك! رفع رأسه ليرى آثار عُنفه الغير مقصود و خجلها الواضح منه لترتسم ابتسامة هادئة فوق ثغره قبل أن يقول بنبرة خشنة
ـ قربك مني غير عقلي محستش بنفسي.
استنشق أنفاسها العطرة قبل أن يُضيف بنبرة مُحترقة
ـ جوايا ليكِ بركان شوق يا غنى، و ن\ار جوايا قايده مبتطفيش.