قالت: أراك أفسدتَ على ابني دنياه، وأفسد عليك آخرتك.
قال: إن ابنك ألحد في هذا البيت، وقد قال الله: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)، وقد أذاقه الله العذاب الأليم.
قالت: كذبتَ، كان أول مولود وُلِدَ في الإسلام بالمدينة، وسُرَّ به رسول الله وحنَّكه بيده، وكبَّر المسلمون يومئذ حتى ارتجت المدينة فرحًا به، وكان برًا بأبويه صوامًا قوامًا بكتاب الله، مُعظمًا لحُرم الله، مبغضًا لمن يعصي الله، أما إن رسول الله حدثني أن في ثقيف كذابًا ومُبيرًا (أي سفاحًا قتَّالًا) فأما الكذاب فقد رأيناه ( تعني المختار بن عبيد الثقفي) وأما المبير فلا إخالك إلا إياه.
فخرج الحجاج من عندها منكسرًا يتمنى لو لم يكن لقيها، بعد أن دخل عليها مزهوًا يريد أن يتشفى.
وبلغ عبد الملك بن مروان ما صنع الحجاج مع أسماء فكتب إليه يستنكر فعله ويقول: ما لك ولابنة الرجل الصالح؟
وأوصاه بها خيرًا، ودخل عليها الحجاج فقال: يا أماه، إن أمير المؤمنين أوصاني بك فهل لك من حاجة؟
قالت: لست لك بأم، إنما أنا أم المصلوب على الثنية، وما لي من حاجة.
وأخيرًا:
آن للفارس المصلوب أن يترجل، وينزل من فوق خشبته ويسلم إلى أمه فتحنطه وتكفنه وتصلي عليه وتودعه في جوف الثرى ليلتقي في دار الخلود بأبيه الزبير وجده أبو بكر، وخالته عائشة رضي الله عنهم.
ولم يمض على مصرع ابنها إلا بضعة عشر يومًا إلا ولحقت أسماء به.
وقد بلغت من العمر مائة عام، ولم يسقط لها سِنَّ، ولم يغب من عقلها شيء، وكانت فقيهة عالمة لسنة رسول الله صل الله عليه وسلم.
ها هي ذي قصة المرأة التي شقت نطاقها نصفين ..
إنها أسماء ..
أسماء ذات النطاقين ..
أسماء بنت ابي بكر الصديق ..
أسماء أخت عائشة زوجة الرسول ..
أسماء زوجة الزُّبير حواري الرسول ..
أسماء أم عبد الله الذي أول شيء دخل جوفه هو ريق النبي .. الحمد لله
لم يدر هاشم لماذا شعر بهذا التوتر، أو ما سبب تلك القبضة التي تعصر فؤاده عصرًا، وهو يتابع عمله في توتر سرى في كيانه كله، حتى نبأه قلبه إن شيئًا سيءٍ سيحصل له، فدلف إلى الجامعة و وقف على بُعد من حبيبته وتبسم وهو يراقبها في حنان ويقرأ حركتا شفتيها فيدخل همسها إلى قلبه، ويتسلل بكل يسر، وكاد يتولى لمتابعة عمله، حين باغته رفيق العمل، وهو يقبل راكضًا، ويقف أمامه لاهثًا ثم يقول :
_ هاشم، المدير يطلبك في الحال على الهاتف.
في اهتمام أقترب هاشم منه خطوة، وهو يسألُه :
_ أبشأن البنات، أم ماذا؟
غمغم رفيقه :
_ أظن ذلك، هيا أسرع. الله أكبر
كانتا قد انتهتا من محضارتهما، وبينما هُما في طريقهما للخروج من باب الجامعة لكزت مريم أسماء، فألتفتت لها الأخرى مستفسرة، فغمغمت مريم غامزة في مشاكسة :
_ حبيبُ القلب ها هو.
صوبت أسماء بصرها إلى ما أشارت رفيقتها، وما كادت عيناها تقعان على هاشم الواقف على الجانب الأخر يتحدث مع أحدهما، حتى فُتر ثغرها ببسمة مشرقة في استحياء، وكأنما قد أحس بوجودها، أو أخبرته عينا قلبه عن حضورها الطاغي، فألتفتت لتتلاقى عيناهما بحديثٌ خافت، فغضت الطرف خجلة، وهي تهمس لمريم :
_ هلمِ بنا، هيا.
ظللت مريم بكفها عن ضحكة أنطلقت منها، وهي تقول :
_ ما كل هذا الخجل يا أميرة الأميرُ هاشم.
ثم أردفت وهي تلكزها بكتفها :
_ ها، أخبريني!.
سيارة حجبت عن هاشم رؤية الفتاتين فجأة، فاشرأئب برأسه لأعلى يحاول رؤيتهما، ولكن فجأة!
أنطلقت السيارة في لمح البصر كالصاروخ، تصاحبها صيحة مريم الجزعة، التي تفطر القلوب باسم رفيقتها، ثم راحت تهتف غير دارية بدمعها الذي يسيل في غزارة :
_ الحق يا هاشم، إلحق أسماء.
بصر هاشم أسماء داخل السيارة، فأخرج سلاحه فورًا وهو يعدو وراءها ..
يركض..
ويركض..
ويركض..
كأن قدميه أصبحتا ألتا للجري، وبسبب السيارات التي تذهب وتجيء والناس من حوله لم يتمكن من إطلاق رصاصة واحدة من سلاحه، فوقف لاهثًا ونظره متعلق بطيف السيارة التي راحت تتلاشى ..
وتتلاشى..
وتتلاشى.. بعيدًا أمام عينيه مباشرةً.
فتوقف في منتصف الطريق، بين السيارات التي راح راكبيها يرغون ويذبدون، لا يعلمون أن هذا الواقف قد فقد قلبه للتو ..
قد أنتهى و وارى قلبه جوف الثرى..
بلا وداع ..
وبلا عودة ..
أحس هاشم بقلبه قد شاخ فجأة من شدة العجز وكلمتها له تترد في أذنه مع ذكرى تلقي بشباكها في آوان غير أوانها :
« أترانا نحيا إلى أن نكبر في العمر، فتشيب رؤسنا معًا، ونعجز سويًا»
لا، لا آرانا يا أسماء قد يمضي بنا العمر معًا، شيئًا ما بداخله يخبره ذلك.
لقد أحس إن شعره قد شاب فجأة، لقد شيبه إختطافها الذي قصم قلبه، وشاخ لفقدها دون أن يشيخ حبها، وذهبت روحه تغادره، لقد انحنى ظهره في لحظة .. لحظة غياب. لفصل الثاني
لحظة غياب
( الفدية)
لحظة غياب قد تكون هي الفارقة في حياة الإنسان، لحظة حياة أو .. أو مـ,ـوت.
وقف ( هاشم) أمام مديره في ثبات يحسد عليه، الغائبة ليست أي أحد إنها نفسه، روحه ربما، إنها شيء لا يمكن وصفه، شيء سُحب منه فسُحبت منه الحياة.. يقف كالتائه بقلبٌ قد توقف نبضه.
ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتي ( الضابط) وهو يرمق هاشم بشفقة، مغمغمًا وثمة ورقة مطوية في يديه يُلقي عليها نظرة من الحين إلى الآخر :
_ الاستسلام لم يكن يومًا من طبعك يا هاشم، لم أعهدك هكذا، ما ليّ أراك كعجوز كبر جسده بغتة، وشاب شعره فلا يستطع حتى الوقوف؟!
غمغم ( هاشم) بفتور وهو ينصب جسده، ويصوب بصره إلى ( الضابط) :
_ لقد قُلتها يا سيدّي الاستسلام ليس من طبعي، ليس هاشم من يستسلم بهذا اليسر، استسلامي ليس بهين قط إنه عسير، وها أنا ذا بكامل قواي.
نهض ( الضابط) من وراء مكتبه، قائلًا :
_ عظيم هذا هو يقينِ فيكَ يا هاشم.
شد ( هاشم) قامته حينما أحس بكف ( الضابط) تُضع على منكبه، وصوته الصارم، يقول :
_ اعرني إذن سمعك وانتباهك جيدًا، خاطف زوجتك والبقية من البنات، قد أرسل رسالة يطلب فيها فديه بـمليون.
بكل لهفة وأمل الدنيا نظر ( هاشم) إلى الضابط في لهفة، وتوسعت عينه بالفرح الذي لم يلبث إن خبا سريعًا مع إسترسال ( الضابط) :
_ وثمة أمرٌ آخر الخاطف يطلبك أنتَ وحدك، وبمفردك من يذهب ويسلمه المال.. وقد حدد موعد و وقت اللقاء.
أجابه ( هاشم) سريعًا:
_ سأذهب إذن.
تنهد ( الضابط) وقال وهو يشبك كفيهِ وراء ظهره :
_ الأمر ليس بهذه البساطة، لقد أعددنا المال بالفعل، ولكن .. لن تذهب وحدك.. سيتعقب أثرك بعض زملائك..ستكون مراقب خطوة بخطوة.
قاطعة ( هاشم) في قلق :
_ وماذا لو علم الخاطف؟
غمغم ( الضابط) وهو يعود إلى مقعده :
_ سنأمل ألا يفعل. لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
” يا ابنتي، كُفي عن البكاء.. منذُ مجيئك وأنتِ كما أنتِ ستعود أسماء يا قُرَّة عيني ”
انطلقت هذه العبارة في حزنٍ واضح، وبصوت يجمع ما بين الشفقة والقلق، على نحو جعل تلك الجالسة على مصلاها ترفع عينيها الممتلئتين بالدمع عن المصحف في وجه المتحدَّثة، وتغمغم بنشيج :
_ لقد أُخذت أمامي يا أمي، أشعر إنها لن تعود ليّ، لكني سأتضرع إلى الله عز وجل أن ينجلي هذا الهاجس وتعود، فلا يمكنني تصوّر حياتي من غيرها يا أمي.
همهمت بجُل تلك العبارات مريم رفيقة أسماء في انهيار يُدمي القلب، ويهز الروح هزًا، لا تذكر كيف وصلت من الجامعة، لا تعلم كيف سارت، وكيف انقادت، فالدمع لا يكف عن الهطول من مآقيها التي تقرحت، تتذكر فقط إنها تيقظت لنفسها وهي ملقية بين كفين والدتها على أعتاب دارها، و والدتها تحاول تهدأتها باكية لبكائها لا تدرِ ما بها.
وها هي ذا جالسة على سجادة الصلاة، لم تبرحها منذُ إن عادت، تارة تخرّ لله ساجدة باكية، وأخرى تتلو كلام ربها لعلها تجد فيه سلواها.
احتضنتها أُمها بين ذراعيها، وهي تقول بحزنٍ دفين :
_ سترجع إلينا إن شاء الله يا ابنتي، استحلفك بالنبي ألا تبكي ( والنبي يا حبيبتي كفاكِ)
توقف دمع مريم بغتة، وخرجت من حضن أُمها وذكرى أسماء ترفرف بأجنحتها في قلبها، تستعيد جلسة حبيبة حيثُ كانتا في إحدى ليالي رمضان الكريم وهما جالستين في شرفة المنزل تتسامرن وتتضحكن، وهما في غمرة ذلك إذ زُل لسانها بالحلفان بالنبي فنهرتها أسماء عن ذلك …
انطلقت ضحكة صافية من ثغر مريم وهي تستعيد الذكرى، وتجول ضحكة أسماء في خلدها، فكفكفت دمعها ونظرت إلى والدتها، قائلة :
_ أُمي، لا تحلفي بالرسول مجددًا فهو حرام فإن ” من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك.” رواه أحمد وأبو داود والترمذي.
اعتدلت مريم في مجلسها وهي تردف قائلة بلهفة :
_ لقد علمتني أسماء ذلك جزاها الله عني خيرًا، لا تحلفي بغير الله يا أمي وإلا فهو شرك والشرك خطره عظيم.
فلا يجوز الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم، لقوله صلى الله عليه وسلم: “من كان حالفاً فليحلف بالله، أو ليصمت”.
ضمت كف والدتها، ثم أردفت تقول :
_ نحنُ لسنا مشركين بالله يا أمي، فلا نحلف و إن حلفنا إلا بالله، واسئل الله أن يتجاوز عن سيئاتنا، ويمحو ذنوبنا، ويغفر خطيانا.
تطلعت إليها والدتها متبسمة، ولهج قلبها بدعاءً خفيًا أن تعود أسماء لهم سالمة آمنة، وهتفت وهي تقوم من مكانها:
_بارك الله ليّ فيكِ يا ابنتي، وجزاكِ الله خيرًا عن هذه المعلومة، وجعلها في ميزان حسنات أسماء، سأذهب لخالتك أم أسماء لأواسيها واصبرها فالمراة بمفردها الآن.
اومأت مريم برأسها، وحثتها قائلة :
_ ابقي معها يا أمي ولا تتركيها بمفردها، ولولا إنني لن أكف عن البكاء لكنتُ أتيت لكني لا اريد أن احملها ما لا طاقة لها به.
غادرت أم مريم، وعادت مريم إلى وردها، وتناهى لها على حين غفلة إشعار من التيلجرام جذب انتباهها فإذا بقلبها يهرع إلى ، وروحها يترقب بحذر.
وانفجرت اسايرها بهجةً وسرور..
وعاد لها أمل الحياة مجددًا..
إنها رسالة من أسماء على قناتها الرسمية التي ترسل فيها خواطرها..
إنها هي..
هي لا محالة..