_ هاشم، كفى!
فتبسم بمشاكسة، وهو يغمغم بحنان :
_ حسنٌ حسنٌ، بالأساس كل الكلمات التي كنتُ أريدُ قولها لا ادري أين ذهبت!
فأجابته في مرح :
_ ابحث عنها إذن!
فضحك، ضحكة جميلة من قلبه، وهو يهتف :
_ هكذا إذن؟
_ أجل.
جذب هاشم رأسها ولثم جبينها، وهو يقول بصوتٍ خفيض :
_ أدامك الله لقلبي مشكاةً لا تنطفئ أبدًا، ولا يُطس نورها الذي ينيرُ دربي، فلولا نورك لأضيع عن نفسي.
وهو الآن ضائع بالفعل عن نفسه!
يا ليته كان يدرك إن ما تفوه به ذاك اليوم سيحياه قريبًا.
لم يتصور يومًا أن يضيع بهذا الشكل!
آهٍ من ألم الفؤاد، فهو الألم الوحيد الذي ليس له علاج!
وآهٍ من عذاب الروح التي تتلظى بنار الغياب!
لم يشعر هاشم بالوقت، ذهنه فقط مشغول بالذكريات التي لولاها لكان صريع المـ,ـوت في الحال.
من قال إن الذكريات لا تحيي؟
من قال إن هذا االمفارق لا تحييه ذكرياته!
وتصبرنا على بُعده.
فهي تكون عزاؤنا الوحيد للعيش بعده.
وذكرياتها كانت تلهمه الصبر، وتبعث فيه الأمل، فيتقوى، ويتحمل ويمني نفسه بإجادها.
تبخرت كل ذكرياته في لحظة، عندما اخترق أذان الفجر أذنيه، كأن الله يبعث له برساله إنه موجود!
لا يرد عبدٌ باليقين ناجاه.
وبحسن الظن دعاه.
وبالتضرع بكاه.
وبللت العبرات الثرى.
لربما حتى يؤذن مؤذن إن ” دعوتك قد أُجيبت، فأنهض ولا تيأس، أتياس من رب اسمه الرحمن، العظيم، الكافي، المعين، الحنان؟
”
وساقته قدميه إلى أقرب مسجد قابله، فخلع نعليه وتوقف على أعتابه لحظة، شعورٌ يخامره بأن ينفجر باكيًا لكنه أمسك رباطة جأشه، وعبر الباب وذهب ليتوضأ، ولم يلبث إن كان يسجد باكيًا بين يدي الله، يشكوه مرارة الدنيا!
ثم جلس يتلو كلام ربه، وجهه منكب على المصحف بين كفيه، ودون أن يشعر كان يستمطر شآبيب العيون، كلام ربه تخرج من فيه متلجلجة إلا إن عيون قلبه كانت تلتهمها إلتهامًا وتأنس بها، أحس بغتة بكفٍ يوضع على ظهره المحني، مقرونًا بصوتٍ سجيٌ رخيم يهمس :
_ المؤمن لا يجزع من ابتلاء الله يا بُني، هون عن قلبك ما الدنيا إلا غريبة ونحنُ ضيوفٌ فيها سنفارقها يومًا ما كلنا أغرابٌ كما هي غريبة عنا، وابتلاء العظيم دائمًا فيه خيرٌ لنا، أتعجب من أمر المؤمن أن ييأس وثمة خالق اسمه الرحمن، الحنان، الرؤوف، والكثير من اسماءه التي تكفي لتستروح قلب المرء، على ما حزنك أعلمت إنك لن تدخل الجنة؟ أمّا عرفت إنك من الذين هم عن ربهم لمحجوبون؟ أمّا قد حسبت إنك لن تكون من رفقاء الرسول في جنة الخلد؟!
غاض دمع هاشم ورفع بصره إلى الرجل الذي كان إمام الجامع، واستراح لوجهه الوضاء، وافتر ثغره لينبس ولم يدرك ماذا يقول، فقال الشيخ وهو يتربع أمامه :
_ لن أسئلك عما حل بك من هموم الحياة، لكنه يبدو أمر جلل، هز كيان رجل، والرجال لا تنهز كيانهم إلا لأمرٍ عظيم قد ألَم بهم، لكني سأدعوا لك الله أن يفرج همك عاجلًا غير أجلًا.
اغت** هاشم بسمة في وجه الشيخ، وغمغم بصوت يحمل حزنًا دفين :
_ همني بالفعل أمر عظيم على نفسي يا شيخ أظن إني لن أحور منه على سجيتي، ولن أكون بخير، لقد توهت عن نفسي!
نظر الشيخ في إمعان شديد في عيناي هاشم، وقال :
_ وإن توهنا يا بني ماذا في ذلك؟ من منا لا يتوه عن نفسه! لنتوه لكن خذ قرار إنك قلما تهت بحثت عن نفسك في درب الرحمن وستجدها هائمة وعليك أن تعيدها، لا أن تجلس متفرجًا فقط دون أن تنقذ نفسك.
نظر إليه هاشم بوجهٍ عصره الهم عصرًا وقال :
_ وماذا لو لم أستطع إنقاذها، ماذا لو آثرت الضياع؟!
_ستُهذبها يا بني رغمًا عنها، وتعيدها، فقط توكل على الله في كل حال وهو خير وكيل.
ربت هاشم على كف الرجل، وهو يقول بصوت يغمره الراحة :
_ أشكرك وافر الشكر يا شيخ فقد ارحت نفسي مما اهمها، بارك الله فيك.
رد عليه الشيخ وهو ينهض :
_ وفيك الله بارك يا بني، وأسعد قلبك، استأذن منك.
_ إذنك معك يا شيخ.
غادر الرجل، وترك هاشم متقلب البال، متلهي القلب، ثم أخرج هاتفه مع زفرة حانقة، فوجدَّ الكثر من المكالمات الفائتة من والدته، وخالته، لكن جل هذا لم يجذب انتباهه رقم واحدٍ فقط، واسم واحدٌ فقط صب عليه كامل اهتمامه ولهفته وهو يهب واقفًا، ويعيد الأتصال بصديقه الذي كان قد طلب منه البحث عن عنوان بيت خاطف زوجته، وما هي إلا لحظات، واتاه صوت صديقه بينما يعبر باب المسجد :
_ هاشم، لِما لا ترد يا رجل …
قاطعه هاشم في عجل :
_ ماذا فعلت يا حازم؟
_عرفت لك العنوان، لكن عدني ألا تتهور، يكفيك ما لقيته من المدير اليوم ..
بتر هاشم عبارته بصوتٍ صارم، لا يقبل النقاش :
_ قُل العنوان يا حازم لا تثير جنوني أكثر.
املاه صديقه العنوان وما كاد ينبس ببنت شفة أخرى كان هاشم يغلق في وجهه دون أدنى تردد، ويحث الخطى إلى سيارته، ويستقلها وينطلق وقد أزفت اللحظة الحاسمة.
وأزِف الوقت الموعود.
وحانت النهاية
نهاية الغياب اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد
قرع هاشم ما إن وصل لمبتغاه بابُ المنزل، بغضبٍ يتفـ,ـجر منه تفـ,ـجيرا، ولم يلبث إن فُتحت امرأة تضعُ حجابها بعشوائية وتنظر له باستفسار، فسألها بخشونة :
_ أين زوجك؟
فردت المرأة بسؤال متعجب :
_ ومن أنت؟
رد عليها هاشم من بين أسنانه :
_ أيــــن زوجك يا امرأة؟!
تراجعت المرأة خطوة عن مرمى بصره الذي خال إليها إنه يطلق شرارًا يكاد يحرقها، وغمغمت :
_ لن أقول شيئًا قبل أن تخبرني من أنت؟!
جن جنون هاشم فضـ,ـرب قبضته بالحائط وهو يصرخ :
_ قُلت لكِ اين زوجك؟ أين هو؟!
وفي غمضة عين، كان يدفعها لداخل الشقة دون أدنى اهتمام ويصفع الباب وراءه.
لا ريب أن المرأة لم تستوعب بعد ما حدث، قد جحظت عينيها وطل منهما رعب المـ,ـوت، لكن هاشم لم يعبء بنظرة الخوف تلك، ولا هلعها وهو يستل سلاحه في وجهها، هاتفًا :
_ ستخبرينني الآن أما ماذا …
قاطعه صوتٌ صغير باكي يأتي بغتة، ينادي بخوف :
_ ماما.
فألقى نظرة لمصدر الصوت، وتراءت له طفلة صغيرة باكية، تحتضن قدمين والدتها، وتنظر له بخوفٍ شديد، فاهتز السلاح في قبضته، وارتج قلبه رغمًا عنه، وخرج صوته مهزوزًا وهو يهمس همسًا يدمي القلب :
_ أخبريني رجاءً أين هو، إنها .. إنها مسائلة حياة أو مـ,ـوت؟!
وأنزل ذراعه وهو ينظر لها في رجاء، فصمتت المرأة لثوانٍ قبل أن تقول :
_ أقسم لك بأني لا اعلم عنه شيء، فقط طُلقت منه ما إن قُبض عليه وعلمت إنه يتحـ,ـرش بالبنات…
سقط في يد هاشم، وأظلمت الدنيا في عينيه، لكن المرأة استدركت تقول :
_ كل ما اعلمه عنه إنه ما إن خرج من الحبس، وصار رجلٌ آخر لقد صادق أُناس يكثرُ منهم الشر.
غمغم هاشم بفقدان ألم :
_ وما فائدة ذلك؟ لقد ضاع كل شيء.
نفت المرأة قائلة :
_ لم يضيع شيء، معي رقمه الخاص لا ادري إن كان سيفيدك في شيء لكن ربما يفعل، لقد اعطاه ليّ بحيثُ إذا اراد أن يحادث ابنته.
هلل وجه هاشم، وبرقت عيناه وهو يقول :
_ إليّ به… اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد