Uncategorized

لحظة غيـ,ـاب ندا ممدوح

تعقب هاشم رقم الخاطف كظله، وما هي إلا سويعات قلائل مرت كالدهر الذي أبى أن يمر مرور الكرام إلا وقد دمر قلب المرء، وهشم روحه إلى فُتات، وصل هاشم بسيارته إلى طابق سكني رث قديم الطراز من الطوب الأحمر، وكان من دورين فقط لا غير، تحيط به بضع مباني من كل الجهات، وفي تمهل ترجل هاشم من سيارته وهو يدرس كل الاحتمالات بدقة، وعيناه تفحصان المكان باهتمام، وراحت قدماه تنتقلان ببطء، وفجأة!
ودون سابق إنذار!
وعلى غفلة من أمره!

رأى الخاطف يسير من بداية الشارع يدخن سيجاره، وبيده حقيبة بلاستكية سوداء، شارد الذهن والعينان، فتميز هاشم غيظًا، وتفجر في أعماقه الغضب، وهدر في شراسة وهو يضـ,ـرب قبضته في راحته :
_على جثتي إن جعلتك تفلت من بين يداي هذه المرة.
وانطلق نحوه، وتلاقت عيناه بعينان الخاطف الذي شع منهما الرعب ورمى سيجارته فورًا، وسقطت الحقيبة من يده، وهَم أن يستدير ليفر هاربًا لكن هاشم جذبه من تلابيب ملابسه، وأدار جسده ولكمة بكل قوته وهو يصيح صيحة تحمل كل معاناته :
_ كيف أستطعت أن تأخذها ها؟ أين زوجتي يا هذا؟

قهق الرجل وهو يزيل بكم ساعده الدماء التي سالت من زاوية فمه، وهو يقول بعصبية :
_زوجتك؟! أم حطام زوجتك، أيهما تريد؟
_ يا حقير.
هجم عليه هاشم وهو يكرر عبارته في غضب، لم يكن الرجل خبير بفنون القتال عكس هاشم الذي أوسعة لكمًا، وأبرحه ركلًا، وخنقًا لذا! كان هين على هاشم أن يصنع ما شاء.
وبدا كمارد من الشياطين لا يرى أمامه اي حد..
أو كأعصار مدمر.

” زوجتك جميلة يا رجل، منذُ ما وقعت عيناي عليها في الصف وأنا اتلهب شوقًا لأتذوقها، لكنها ورغم إنها معي ولا يستطيع احد إنقاذها مني لم استطع لمسها إلى الآن بسبب مناورتي لك، لكنني كنتُ أعزم اليوم على سلبها ما تملك ”
انتزعته العبارة، التي قيلت بوحشية شهوانية، من غمرة جنونه فجحظت عيناي هاشم حتى كادتا أن تخرجان من محجريهما وألتفت أصابعه حول عنق الخاطف بكل ثورته وهو يهتف :
_ سأقـ,ـتلك، سأشرب من دمك، سأقطعك لأشلاء.

حاول الرجل نزع أصابع هاشم من حول عنقه لكنها بدت كالفولاذ أو الغراء الذي ألتصق به، وحملقت حدقتيه في رعب، وخفتت انفاسه وسكن جسده لوهله، وبينما كان يحسبُ أن روحه ستخرج دفعه هاشم بعيدًا وهو يغمغم :
_ لن أقتـ,ـلك قبل ان تخبرني اين هي!

سعل الرجل وهو منحني يمسد على عنقه، و لمح حديدة ملقاه جانبًا، فتصنع الألم والتأوه أكثر وهو يميل ويلتقطها وعلى غفلة من هاشم ضـ,ـرب بها قدميه فسقط أرضًا وركض الرجل إلى إحدى البنايات وارتقى درجها في سرعة إلى السطح الذي كان يحوي غرفة وحيدة، فتح بابها وأنطلق إلى درج ألتقط منه سكينًا، ثم نظر ساكنًا إلى أسماء المكبلة الذراعين، ومقيدة القدمين، ومعصومت العينين، ومربوطة الفم، فتبسم في شراسة عجيبة وجذبها في عنف ليحل وثاقها واحدًا تلو الآخر ثم يوقفها مع بروز هاشم لدن الباب فتسمرت قدماه وهو ينظر إلى من دق لها الفؤاد مرتجفة الجسد، وعلى مرأى من عيناه رأى الرجل

وهو يفك رباط عينيها وفمها ويضع السكينٌ على عنقها، لم تنبس أسماء من شدة الخوف، وأن نشادته عيناها أن ينقذها..
أن يمحى تلك اللحظة من ذهنها، وقلبها..
أن يضمها بين ذراعيه فقط لتطمئن!
لماذا قد يكون الأمان موجودًا وغير موجود في آن..
لماذا تصرُّ الحياة على نزع الأمن والأمل منا؟
هطلت دموع الآسى من مقلتاها وهي تنظر في عينان هاشم المتفعمتين بالأسف والخجل من نفسه.
ونزعهما صوت الخاطف وهو يلوح بالسكين :
_ ابتعد عن الباب، ابتعد وإلا سأقتـ,ـلها!

أومأ هاشم برأسه وهو يتقهقر للخلف في حذر وترقب، وعيناه تنتلقان إلى وجه زوجته والسكين والرجل في ترصد لأي بادرة، وسار الرجل بـ اسماء خارجًا من الغرفة وهو يسوقها أمامه وما كاد يعبر الباب، إذ تحرك هاشم كالرياح فجذب معمصه القابض على السكين وأطاح به بعيدًا وسحب أسماء وراءه، وانهال على الرجل ضـ,ـربًا وفي غمرة انشغاله سقط السلاح من غمده دون أن يدري، و وقعت عينان الرجل عليه، فاستنفر كل قوته ليضـ,ـرب هاشم ويثب إلى السلاح ويأخذه..
وأشهره في وجه هاشم الذي وقف ثابتًا..

وسحب الرجل إبرة المسدس، وعيناه متعلقتان بعينين هاشم مباشرةً…
وفي هدوء، ودون أدنى تفكير، أو تردد ضغط الزناد..
وانطلقت الرصاصة بصوتٍ مدوي.
وأمام عينا هاشم، ومراقبة روحه وقلبه رأى الرصاصة تخترق جسد زوجته التي وقفت أمامه، وانبثق الدم من الجرح، كما انبثقت دماء روحه وهو يهتف بلوعة اسمها ويتلقى ترنحها بين كفيه، ويستقبل سقوطها بين ذراعيه، دبت حركة رجال الشرطة حول هاشم، لكنه لم ينتبه، ولم يلاحظ وهم يكبلون الخاطف بالأصفاد والأخير يضحك كمن اصابه الجنون، بينما وقف رفيق هاشم مرددًا :
_ يا إلهي أسماء! يا إلهي.
وصاح :

_ إسعاف نريد إسعاف…
كل هذا لم يدر به هاشم، وكل ما به يرمق بحنان زوجته بين ذراعيه، والتي مدت كفيها لتلامس وجهها، فقبل باطن كفها وغاضت الكلمات بداخله، رغم إنها كانت تمور في نفسه مورًا لتخرج همسًا إلى أذنيها، وتراخت ذراعها، ورفرفرت أهدابها التي كانتا تظللان وطنه القابع في عينيها، وأسبلتا جفنيها، وسال دمعه على وجهه ليتحول رويدًا رويدًا إلى نشيج يُنطق الحجر، ويبكى الصخور، ويقطع نياط القلب وأوتاره، وسُلمت الروح لبارئها وقد قضى نحبها وغربت الشمس لتتلون السماء بلون الشفق الأحمر، معلنة عن غروب روح هاشم..
وقلب هاشم..
وحياة هاشم..
هاشم الذي وارى الثرى مهجته..

لقد رحلت .. رحلت من كانت إذ غابت عن عيناه يشتاق إليها مع كل نبضة من نبضات قلبه.
رحلت من كانت كل نبضة من نبضات قلبه..
وغابت شمسه..
وأفل نجمه..
وابتلعه ظلامٌ حالك لن يحور منه..
من الآن سيحيا بعد ذاك في غرفة مغلقة الأبواب، عائمة في الوحدة والدموع..

وسمع قول رفيقه بهمس الشهادة، فنظر له بضياع وبمقلتين زائغنين تسحان الدمع، ورفع نظره إلى السماء وتبسم للشفق، وخُيل إليه أن وجهها يضوي في سماءه فنهض وهو يرفعها بين ذراعيه بكل رفق ويولى ظهره لصديقه ويسير ومن وراءه كان الشفق يناظره بحزن، ويودعه ببسمة حزينة، ويلوح له بكل ألم..
والشمس تغرب..
وتغرب…
كما غربت شمسه..
شمس قلبه و وجدانه..

انت في الصفحة 9 من 9 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى