Uncategorized

لحظة غيـ,ـاب ندا ممدوح

يا عيون لا تبكي فيكفي مآقي القلب تسيل..
أي قلب قد يتحمل كل هذا؟ فلا يعلم أهي بخير فيهدأ..
أم تعاني فيعذب نفسه..
لم يجدها، لم يجد عيناها التي كانت تضمه بكل حنو وحب قبل يديها..
لم يجد مقلتيها التي كانت دائما ما تبثانه بالقوة والبسالة..
لم يجدها تركض إليه وتتوارى بين ذراعيه باكية من قسوة هذا البعد ومعاتبة على تركه لها وحيدة تعاني الخوف بمفردها..
لست هُنا ويا ليت القلب الكامن بداخله يمكنه الهدوء..
التوقف عن النبض بجنون..
التوقف مدى الحياة..
انساق إلى المـ,ـوت هو حتمًا..

فعدم وجودها هو مـ,ـوت بحد ذاته
دق قبضته على الباب، وهو يصرخ ويدور في مكانه :
_ أقسم بأني سأقتـ,ـلك، أقسم بالله العلي العظيم إني سأذيقك كل هذا الألم الذي عيشتني به، أقسم إن مسها شيء لأدمرك.
ولمح، لمح من بعيد على سطح إحدى البنايات المقابلة، رجلٍ يختبء خلف الحائط ويراقبه، فعلم إن له شأن فيمَ هو فيه، فتميز غيظًا، وتفجر غضبه، وهو يهتف في مرارة :
_ لن أضيعك هذه المرة، لن تفلت مني أعدك..

واندفع يعدو على السطح و وقف فجأة حائرٍ إلى البناية المقابلة، كان لا بعد له من القفز، فإمَّا أن يهوى صريعًا أو أن يحالفه الحظ، ولم يترك وقتًا للتفكير، ولم يضع هذا الأمر يأخذ إلا مقدار ثانية واحدة، وإذا به يتراجع لينطلق بكل سرعته ويقفز وهوى..
هوى جسده بقوة لتسحبه للسقوط، فنظر إلى بُعد الأرض وأغلق عيناه في عنف. لفصل الأخير
( وغربت الشمس ) وهوىٰ جسد هاشِم مِن شاهق..
لم يكن هناك مفر مِن السقوط..
فكان لا بُدَّ منه..

لكن الأمر لم يبد له صعبًا، فبينما هو يهوى، إذ رصدت عيناه إحدى المواسير البارزة، فمد يديه دون تفكير واندفع إلى الأمام وتشبث به، بلى على وجه الدقة ضمه بكفيه وساقيه وبكامل جسده، وأسرع في ثانية يتسلقه بمهارة وخفة لأعلىٰ، وما إن وصل لنهايته وثبَّ علىٰ السطح، فوقعت عيناه علىٰ ذاك الرجل الملثم الذي كان يراقبه، فبدا في حدقتا الرجل الدهشة، وظهر عليه إنه كان يتقدم لينظر لجسد هاشم مطروحًا على الأرض، ولم تلبث الدهشة في مقلتاه إن زالت واستقر مكانها الغضب و ولى مدبرًا، وجرى يسعى للفرار واثبًا من سطح لأخر، لكن..

هاشم لم يكن بالرجل السهل، فكان له مِرصادًا، وراح يعدو وراءه.
يثب من سطح فيثب كذلك..
يعدو فيعدو..
كان كشيطان مترصادًا لبني البشر، يركض بسرعة غير طبيعية لا تضاهي سرعة الرجل…
وراحت المسافة تنزوي بينهما..
تتلاشي تدريجيًا..
وفجأة! وبينما يعدو الرجل، قبضت قبضتين فولاذيتين على كتفيه وأدرته في عنف وهي تنزع ما يخفي وجهه..
وهتف هاشم مندهشًا وقد بلغه، مصدومًا وهو يحدق في وجه الرجل :
_ أهذا أنت؟ لا أصدق!
فغر الرجل فاه للحظة سرعان ما صاح وهو يدفع يدين هاشم :
_ بلى، هذا أنا!

مفاجأة لم تخطر على بالك، أليس كذلك؟
وفي لحظة غدر، وفي غمرة صدمة هاشم الذي لم يستدرك شيء، دفعه الرجل في عنف من صدره من أعلى البناية، وأنطلقت صرخة منفعلة من فم هاشم باسم الرجل في غضب وجسده يسقط فوق الأرضية، وانطلق الرجل مبتعدًا بعد ما رمقه بنظره مقيتة.
اصطدم جسد هاشم في الأرض على ظهره، بألآمٍ لا حصر لها، ولا مقدرة لأحد على تحملها، لكن هاشم لم يعر لها بالًا، ربما لأن ألم القلب أقسى وأصعب من ألم الجسد.
ربما لأن ذبح الروح أشد قساوة من جروح البدن.

نعم يتذكر، وشريط سينمائي يصول ويجول في ذهنه في تلك اللحظة كل محورها هذا الرجل فقط.
منذُ ما أخبرته أسماء زوجته عن مدرس عاكسها ولم يكتف، بل حاول التحـ,ـرش بها، فثار جنونه وافتعل معه عراكًا حاد، لكنه لم يشف غليله، وكان لهذا المدرس لبالمرصاد حتى إذ لاحظ عليه إنه يتحـ,ـرش بعدة فتيات دون خجل من نفسه، ومن ربه حتى أقسم إن يودعه في غياهب الجب.
وبالفعل!

لم يهدأ له بال إلى أن وضعه خلف القضبان حينما حاول الأعتداء على إحدى الفتيات، يبدو إن الرجل ينتقم منه هو بالتحديد، ولينتقم هو لا يأبه لكن لا يأذيه في أسماء، فلو أذاه فيها لن يبقى له شيء ليحيا لأجله، سيكون حيٌ ميت، بقلب ينبض ولا ينبض، وبروح هائمة لا تجد موئلًا.
ما أصعب تلك اللحظة التي تظن فيها إن قلبك يتوقف عن النبض، فلا أنت تمـ,ـوت ولا أنت حي.
لكن متى خرج هذا المدرس؟!
كيف اختطف زوجته امام عينه وهو مكبل الذراعين!
أنَّى لقلبه التحمل!

لكنه سيعيدها، فقط لينهض ويتابع عمله ويُعيد الفتيات ولن يترك زوجته، لن يذرها مع حقير كهذا قط، فقد ليقع في قبضته وهو سيُريه كيف يقاتل الرجال، سيعصر عنقه في قبضتيه بلى رحمة، فقط ليجدها!.
في صعوبة وتهالك اعتدل هاشم من رقاده، ودارت عيناه من حوله بنظرة خاطفة، ثم نهض متهالك الروح، متعب القلب، مثقل الجسد كأن جبال من الهموم راسيات فوق كاهله. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد

ما أعظم هذا اليوم الذي يُبدِئ فيه صاحبه بتلاوة القرآن، بالجلوس مع كلام الله قبل كل شيء، يستفتح يومه بأعظم الكلام؛ كلام الرحمن.
أليس القرآن بشفاءٍ للصدور؟!
ودواءٌ للندوب، ندوب القلب وندوب الروح وندوب النفس!
بلى! هو كذلك بل أَجَل من ذلك كله، وأبهى.
طوبي لمن امتلأ قلبه بالقرآن قبل لسانه..
هنيئًا لمن عمل به فعلًا لا قولًا.
ويا حظ من حفظه فكان له نورًا أعظم من كل نور؛ إذ نور القلب هو..
وسراجٌ منيرًا ينير عتمة صاحبه مهما ذادت الظلمة سوادًا.

منذُ أن علمت أن هاشم ذهب للإتيان برفيقة عمرها، وقلبها، وهي تستطيرُ فرحًا، كلا إن الفرحة لا تسعها، البهجة غمرة سويداء قلبها حتى شعرت أنها كفراشة تخفق بجناحيها لتطيرُ بعيدًا تبحث عن بغيتها وتذهبُ إليها، كانت تجلس على سجادة الصلاة ركنها الأمن التي تلوذ به من كدر الحياة ولؤمها، تقرأ في مصحفها، والبسمة منبلجة على ثغرها الذي يرتل القرآن ترتيلًا، إما أُذنيها فمغرقتين في صوتٍ سجي كانت تحب تلاوتة حبًا جمًا، في صوت أسماء هو غارق.
ياااه أسماء! كما اشتقتها؟
كم علمت إن حياتها لا شيء بدونها؟
وإن غيابها هو المـ,ـوت على قيدُ الحياة.

كانت قد أعدت كل ما تحبه رفيقتها من طعامٍ وشراب، كأنه يومُ عيد، وفجأة! خطر ببالها شيء، فصمتت شفتاها، وشردت مقلتاها، وأدارت وجهها إلى خزانة ملابسها وظهر بريق لامع في حدقتيها، مع ذكرى حبيبه ترفرف في قلبها، فترقرق الدمع في عينيها وأعادة نظرها إلى المصحف وإعادة قراءة تلك الآية التي آثارت الذكرى “{ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا }
[سُورَةُ الأَحْزَابِ: ٥٩]
يا لها من آية عظيمة القدر، حبيبة إلى القلب، قريبة إلى النفس، توقر في القلب لمن قراءها بعين فؤاده.

تجعله مطمئن القلب، متشوق أن يُقرن مع زوجات الحبيب محمد ونساء المؤمنين..
الآن فقط أحست بطعم هذه الآية وتذوقتها، ألهذا السبب كانت تلحُ عليها أسماء؟!
ألهذا السبب أججت هذه الآية ذكرى هدية أسماء لها بنقاب!
لن تنسى قط عبراتها التي لا تزل منقوشة على ثنايا الفؤاد بخطٍ من ذهب
” خذي هذه الهدية لكِ، فأنا كلي يقين إنه سيأتي يوم وترتديه وأنا أيضًا ”
“كيف أنتقي لنفسي نقاب دونك؟!

وهل الرفيق إلا شطر القلب، والروح والنفس والحياة”
“وهل تكتمل فرحتي بالنقاب دونك”
“يومًا ما سنرتدي النقاب معًا انا وأنتِ سنكن من نساء المؤمنين، وكلي شوق لهذا اليوم، وأأمل أن يأتي قريبًا”

لم تشعر مريم بعبراتها تهطل وتسيل بغزارة وهي مسبلة جفنيها والذكرى والكلمات تنهال عليها كأنما تحياها، وإذا بها تغلق المصحف وهي تردد ” صدق الله العظيم ”
ولم تلبس ان نهرت وزجرت نفسها ولامتها وهي تضـ,ـرب بكفها جبهتها مغمغمة :
_ لا تقولي يا مريم صدق الله العظيم، فإنها بدعة كما أخبرتكِ أسماء، إنها بدعة لم تصحُ عن الرسول ولا الصحابة.
فلقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه: اقرأ علي القرآن، فقال: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال:

إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ـ قال: حسبك الآن، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان.
فإذا كان قول صدق الله العظيم عقب التلاوة واجب، لكان لا شك الرسول أحق من يقول، ولا ريب أن الله تعالى هو أصدق القائلين ، كما قال تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً؟
وقال الشيخ العلامة ابن عثيمين: ختم تلاوة القرآن بقول:

صدق الله العظيم ـ بدعة، وذلك لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه أنهم كانوا يختمون قراءتهم بقول صدق الله العظيم، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.
هرولت مريم إلى الخزانة، وألتقطتت منها علبة صغيرة ، أخرجت منها نقابٌ أسود وخمار، فضمته إلى صدرها كطفل اسال حنان القلب ببكائه، وأخذت تشمه وتقبله بلهفة، لقد كان هدية من أعز الناس على قلبها، كان بين يدي أسماء يومًا، يا الله..

لم تلبث إن كانت قد ارتدته وشرعت تتأمل نفسها في المرآة بسعادة، وراحة لم تزور قلبها يومًا قط، تنهدت بحرارة وهي تغمغم بفرحة :
_ ستجدينني كما كنتِ تتمنيني يا أسماء دومًا، من اليوم سأتغير، سأصيم معكِ كل اثنين وخميس، وثلاث أيام من كل شهرًا هجري، سأحفظ القرآن معك، وسنتصدق معًا، سنزور دار الأيتام والمسنين من الحين للآخر، فقط عودي لأجلك، ولأجل والدتك التي منذُ غيابك قد زارها المرض دون فراق.
سكتت، وأخذت نفسًا عميق، وهي تغادر الغرفة، لترى و لتطمئن على والدة أسماء التي أرهقها المرض منذ فقدان ابنتها..
تغيرت مريم لكن ربما لن تنال سعادة رفيقتها!

ربما قد فات الآوان!
لن تصنع معها من العبادة ما كانت تأمل!
واسفاه على غدر الزمن.
واحسرتاه على قدر قد يفرق بين الأحبة دون إنذار مسبق. اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد

على البحر، وفي عتمة الليل، كانت ليلةً قمراء طل فيها القمر بدرًا، وانتشرت بجانبه عيون النجوم تراقب ذاك الذي يسير بذهنٍ شارد، وعقلٍ غائب، وروحًا هائمة، كأنهم يشاركنَّ هذا الحزين حزنه، وربما كانوا يودون لو ينزلنَّ إلى الأرض ويطبطبن على قلبه الذي انغمس في الكآبة والوجع، وراح الأسى يعصف في نفسه عصفًا.
ورغم إن السماء بدَّت لامعة، تضوي، كان من ينظر إليها ليرآها موحشة، كآيبة.. تنظر إلى هاشم وترمقه في أسى وهو يسير على البحر، دون أن يشعر بشيءٍ حوله.
لن يعود إلى البيت، أنى له أن يعود من دونها، وقد بشرهم إنها آتية، أيكون سبب لزيادة مرض خالته؟!

ثم كيف سيرجع، ويجلس في مكانٍ ليس هي فيه، فإن عاد للبيت أطبقت عليه كل جدرانه حتى يختنق خنقًا قاسيًا، المنزل موحش وغيابها أوحش.

لم يرد أن يدخل على أهله مهمومًا
أحكم ياقة معطفه حول عنقه، وتوقفت قدماه عن السير كأنه تنبه توًا إن هذا ليس الطريق الصحيح، من يراه ليرق لحالته و ود لو يمسح على فؤاده ويطمئنه، دارت عيناه في المكان حوله، وأراد لو يصرخ بكل ما يعتمل قلبه المشطور من معاناة الغياب، والعذاب، لكن بدلًا عن ذلك، تسللت ذكرى حبيبة إلى لُبه، وراح عقله يسترجعها في حنان، يوم إن خرجا معًا_حينذاك_أثرت الذهاب للبحر ولم يمانع، محال أن يرد لها طلبًا، وقتها كان يسيران جنبًا إلى جنب، وكانت أول خروجه لهم بعد عقد قرأنهم، ضم حينها كفها في كفه بكل عاطفته ولم

تنبس ولم ينبس، كانت خجلى واحترم هو ذلك، وترك للمشاعر هي من تتحدث، لكن ماذا يفعل لقلبه الذي في أعماقه تنبت زهرة لا ترتوي إلا من صوتها الرقيق الذي ينفذ إلى داخله مباشرةً فيبعث له الراحة، والدفء.
وقتها أسند ظهره على السور، و ولى البحر ظهره، وأوقفها أمامه وهو يحضن كفيها في كِلا راحتيه، وهمس يسألها و سوداوتيه متعلقتين بوجهها الصبوح :
_ أخبريني، لماذا تنحبس الكلمات بداخلي عندما أراكِ؟
أكتفت أسماء حينها، بإن هزت كتفيها وطأطأت رأسها في استحياء، فتمتم وهو يرفع ذقنها :

_ إياكِ إن تحرمينني من عينيكِ، ففيهما أجدُ نفسي، ويغمرني الدفء، عيناكِ تضماني بطريقة أودُ لو أظل في احضانهما إلى الأبد.
فتخضب وجهها بحمرة الخجل، وهي تهمس:

انت في الصفحة 7 من 9 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى