Uncategorized

لحظة غيـ,ـاب ندا ممدوح

صارت زوجته امام الله وأمام الناس..
أصبح منها وأصبحت منه..
وألتقت روحيهما وإلى الأبد دون أن يفارقهما أيَّ فُراق..
يا له من شعور لا يمكن وصفه..
يا لها من سعادة تحلق بالقلب في سماء الحب لتنثر ورورد الهوى..
تنبهت من شرودها إلى صوته الحاني، يسأل :
_ ألن تقولي شيئًا، أمَّا إنكِ تنوين حرماني من صوتك اليوم؟
أخبريني بما تتمنين، أطلبي ما تشاءيين وستجديه بين يديكِ في الحال إن كان في مقدرتي.
هزت أسماء كتفيها، وغمغمت :
_ لا أتمنى شيئًا، ما تمنيته قد حصلتُ عليه.

رفع هاشم بسابته ذقنها فألتفتت بجسدها تلقائيًا إليه، وتلاقت عسليتها بسوداوتيه، ونطقت العيون بحديثٍ صامت نفذ إلى القلب وتشعب في الأعماق..
سأل هاشم في صوتٍ خفيض كأنما يخشى أن يرفع صوته قليلًا فيقطع تلك اللحظة العاشقة بينهما، ولم يكن يود ذلك!
كان يبغى أن يشبع من عينيها..
وأن يروي قلبه من حنانهما.
ويسكن فؤاده إنها باتت ملكه وإلى الأبد.. :
_ وما كانت أمنيتك يا كل امنيات حياتي؟!
تعلقت عيناه بشفتاها التي انفرجتا ثانية وأنضمتا، ثم همست بصوتٍ خفيض وهي تسبل عينيها :
_ أنت، أنتَ يا هاشم.

حمل صوتها كل ما يكنه قلبها من حب، وهي تنطق اسمه بتلك النغمة الموسيقية، لكنها حجبت عسليتها عن عيناه فمال وقبلهما برفق وحنان، كان لأول مرة يقترب كل هذا القرب.!
أن تجلس بجانبه..
يضم كفها..
تلامس شفتاه عينيها المغمضتين..
فشهقت متفاجئة، مندهشة فتراجع مبتعدًا بوجهه، وقهق قائلًا :
_ لم افعل شيئًا يا أسماءي.
ونظر أمامه معتدلًا في جلسته كاتمًا بسمة لأول مرة تزور قلبه، بينما كتمت هي فمها بكفها الذي ارتسمت عليه أروع البسمات.
مرت لحظات، قبل ان يتنهد قاطعًا الصمت بينهما، وهو يعيد سؤاله في ألحاح :

_ لم تخبريني بعد، ماذا تتمنين؟!
ونظر إليها فتبسمت في إحراج، وهي تتحاشى النظر إليه، وقالت بغتة بنبرة هائمة متفعمة بالشغف :
_ أتمنى أن يتمم الله ليّ زواجي بك، وأن يحميك ليّ من كل شر، ولا يأذي قلبي بما يضرك، وأن يظل الحب قائمًا بيننا حتى الممات..
وتنهدت في لهفة حالمة وهي تستريل في هيام :
_وأن يرزفني الله منكَ بأطفال يملئون حياتي وحياتك، يخيل إليّ الآن إني أحمل طفلتك نرتدي ذات اللون ونفس تفصيلة الفستان.
وألتفتت إليه تقول في حدة مباغتة :
_ ابنتنا من صغرها لن تلبس إلا الفستان.

أحاط كتفيها بذراعيه، وقرب وجهه من وجهها وهو يقول :
_ ستكن نسخة منك، ستكون لدي طفلتين وليست طفلة ساهتم بهما، يتراءي ليّ الآن إننا نجلس على سجادة الصلاة ذاك المكان الذي خصصته للصلاة على طلبك ونقرأ القرآن معًا، وأغزالك بالكلمات تارة وأداعبك، وتارة أثير جنونك وغيظك وتتعصبين وتسامحين وتحفظيني القرآن وابنتنا تجلس بيننا تنظر إلى أبيها وامها المجنونين وتتضاحك ببراءة مثل أمها، ستشبهك أشعر بذلك.
_ ليته يتحقق سريعًا، فما ادري لِمَ ينتابني هاجس أن كل هذا سيظل حلمًا، وإني سأحرم منك و نفترق.

فور ما نطقت ما نطقت اعتصرت قبضة باردة قلبه، وغصة مريرة حسرت الكلمات في حلقة، فإذا به يجذبها إلى حضنه، لتتوسد رأسها صدره وتسمع دقات قلبه الخافقة وهو يقول بكل لهفة وخوف الدنيا :
_ لن يحدث شيء، لن نفترق أبدًا، ولن أقول وداعًا قط، سأحقق لكِ هذا الحلم قريبًا.. قريبًا جدًا يا نجمة قلبي المضيئة لن تنتطفئين قط بداخلي ولن ينطفئ حبًا بل سيظل ينمو ويثمر أطفالًا.
وقال ضاحكًا وهو يسند رأسها على رأسها مسبلًا جفناه :

_ نحن سنأتي بالأطفال لكن ليكن ببالك سنتركهم لوالدتينا لن ننشغل بهم يا حبيبتي، ماذا في العمر لأقضيه بعيد عن ذراعيكِ؟!
استطاع بمرحه اللطيف أن ينزع ضحكة صافية من صميمها.
فاق هاشم من كل هذا والدموع تترقرق في عينيه، وكفه يتلامس مكان جلوسها بحنين جارف..
كانت هي ذات الآريكة التي احتوتهما حينذاك، شهدت حبًا لم يخبو يومًا ولن يفعل..
حب ظل ينمو يومًا بعد يومٍ حتى ملأ حيانهما ومزج روحهما وخامر نفسيهما معًا.

أغمض عيناه في عنف كأنه هكذا يَئِد الذكرى من حيثُ جاءت، وهب واقفًا وهو يدور في الصالة كالطير الجريح، وأحس بأختناق كاد يوقف قلبه..
فقد ألتقط جاكته من علىٰ المشجب، وخرج صافقًا الباب خلفه، وهبط الدرجات وهو يرتديه في عجل، و وقف أمام البناية يدير عيناه فيما حوله، ثم أخذ نفسٍ عميق وقال وقد أحكم ياقة معطفه حول عنقه :
_ يا لها من ليلة باردة!
وراح يسير وهو يدس كفيه في جيبي جاكته، ولم يلبث أن ألتقطتت أذنيه المدربة على دبيب قدمين وراءه، أحدٍ ما يراقبه لا ريب!
أحدًا ما خلفه!

وهو يروقه لعبة القط والفأر تلك!
بسمة متهكة افتر عنها ثغره وهو ينزع كفيه، ويبطء من حركة سيره، بسبب ظلمة الليل، والسحب التي تحجب القمر ونجومه فقد كان الليل شديد السواد، فلم يمكنه ذلك من الرؤية جيدًا، لكن أذنيه كانت تفعلان لا غرو!
فجأة! ألتفت للوراء وهو يميل برأسه للخلف فمرت حديدة من فوق وجهه كادت تطيح بعنقه، وفي غمضة عين وقبل أن يعتدل وبقبضة فولاذية قبض على معصم الرجل وهو يعتدل مسددًا له لكمة قوية حطمت أنفه واعقبها بآخرى جعلتها كاللحم المفري.

لا شك إن الرجل لم يدرك ماذا حدث بسبب سرعة هاشم الذي بدا كأنما ينفث عن غضب لا محدود، فحاول نزع يده إلا إن هاشم جذب منه الحديدة وهو يدفعه ليسقط على ظهره أرضًا، وألقىٰ الحديدة بعيدًا، ونظر له وهو يلهث، فرآه يحاول النهوض مترنحًا ويمسح بكم ساعده الدماء النازفة من فمه، و وقف أمامه مع هتاف هاشم الحاد :
_من أنت يا رجل، لماذا تريد قـ,ـتلي؟ ما الدافع والغرض؟
أجابه الرجل في مقت :
_ لم أكن أنوي قـ,ـتلك يا هذا، لكني .. الآن انوي بالفعل …

وقرن قوله بإن استل مسدسه وصوبه نحو صدر هاشم مباشرة، وضغطت سبابته على الزناد دون أدنى تفكير وهو يغمغم :
_ وداعًا يا رجل الأمن.
ودوى صوت الرصاصة مخترقًا سكون الليل وهدوءه، وسطع بريقها في الظلام، لكن ما حدث يثير الدهشة، فالرامي اجاد بالفعل التصويب على الهدف.

لكن المشكلة إن الهدف لم يكن في مكانه قط، فقد تحرك هاشم في لمح البصر وقفز جانبًا ولم يمهل القاتل، بل انقض عليه وركلة ركلة قوية على ذراعه أطاحت بالسلاح، ثم أعقبها بلكمة قوية في معدته انحنى لها الرجل وهو يتأوه في ألم، لكن هذا لم يثنيه عن قـ,ـتل هاشم فقد أخرج مدية حادة أشهرها في وجه هاشم الذي تراجع، وهاجم القاتل بالنصل الحاد على صدر هاشم الذي قبض على معصمُه بقبضتيه قبل أن تبلغ صدره، وبدا الرجل شديد الرغبة في قـ,ـتله فدفعه هاشم بعيدًا ورمى نفسه على السلاح الملقي ارضًا وتناوله في خفة وهو يسقط على ظهره ويطلق على ذراع

القاتل، الذي قبض على ذراعه الذي اخترقته الرصاصة وهو يصرخ من الألم والذهول.
وثب هاشم واقفًا، والقاتل أخذ يعدو في الطريق فأنطلق وراءه..
لم يكن هاشم ليتركه..
وقد ساوره شك إن هذا القاتل من طرف خاطف زوجته..
وكان له القشة التي يتعلق بها الغريق من بحر أشجانه..
لذا، فقد انطلق وراءه بكل سرعته وراح يركض ويركض دون أن يلوي على شيء، شيء فقط كان نصب عينيه؛

ألا وهو القاتل الذي كان يمسك ذراعه ويركض ولكن بغتة خرجت سيارة أمامه وسطع نورها في وجهه فتوقف ثانية وقد ضاق الطريق بسبب اصطفاف بعض السيارات من كلا الجانبين فقفز على سقف إحداهما وأخذ يثب من سيارة إلى أخرى وهاشم وراءه حتى ما إن انتهى اصطفاف السيارات قفز القاتل وركض تجاه سيارة وقفت امامه مباشرةً وفُتح بابها فصعد فيها وهو يلوح بكفه لهاشم في تشفى.

وقف هاشم لحظة وأمامه سيارات تمنعه من القاتل الذي راحت السيارة تبتعد وهو في داخلها، فأسرع قافزًا على السقف السيارة الآخرى وقفز في الهوى ليلقي بنفسه محاولًا الإمساك بسيارة القاتل الذي أخرج يده من نافذة السيارة ورمى بورقة، وثب عليها هاشم وألتقطها وفضها في لهفة، وألتهمت عيناه محتواها الذي كان ( تعال غدًا إذا اردت زوجتك هذا هو العنوان ***** فقد تغير)
تنهد هاشم تنهيدة طويلة مفعمة ببصيصُ من نور، وهو يضحك جاهشًا في البكاء ونظر إلى السماء وأخذت البهجة قلبه…
وملأته دون أن يغادر القلق قلبه…
سكنه ارتياح مخمورٌ بالقلق وشعورٍ عجيب..

سيجدها وغدًا أليس الصبح بقريب؟! لماذا يشعر إن ليل تلك الليلة طويل لن يمر بسرعة، كأنه يمر على دقات قلبه المتألمة.
وبقى سؤال يحير كيانه كله .. لماذا أرادوا قتـ,ـله؟!
ولكن لا يهم، لا تهم حياته، ولا يهمه نفسه.
كان كل ما يؤلم به هو ذاك الحنين والشوق الذي يعصف به عصفًا لرؤية حبيبته. اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد

ضغط هاشم فرامل سيارته، وهو يوقفها أمام مخزن بدا متهالكًا في ذات المكان الذي حدده الخاطف، ودارت عيناه تفحصان المكان بعيني نصر ثاقبتان..
كان قد بشر والدته وخالته وصديقة زوجته إنه سيعيدها اليوم أو لن يعود..
تركهن جميعهن تطيرن فرحًا وسرورًا وها هو يقف الآن خامد بركان الغضب الذي يعصف في داخله.
ثم غادر السيارة، وهو يقول :
_ إذن دعنا نعرف من أنت أيها الجاني على نفسك بالمـ,ـوت!
و وقف عظيم القامة، رافع الرأس، ناصبًا جسده؛

أمام المخزن الذي وجد على وجهته ورقه لم يجذبه فيها إلا اسمه الذي كُتب أول كلمة فيها أتبعها بـ ( هاشم..

أحسنت يا صاح لمجيئك، هيا أقبل وأدخل زوجتك بالداخل بالفعل)
أشاح هاشم نظره عن الورقة ومد كفه ليزيح الباب الضخم الذي كان مواربًا ودخل وأدار عيناه في المكان في حذر وترقب، وعبر الباب ماضيًا للداخل عيناه تتفحصان كل شيء بدقة، أخشاب عدة مصفوفة فوق بعضها، درجات سلم بدت كأنها آنفًا تم بناؤها، أوراق لكراتين مكتظة ملقاة بإهمال تدل عن مكان تم تشيدها من أشهر قلائل، سُطُول بها مواد طلاء، كل هذا لم يشغل باله وهو يرتقي الدرج للأعلى في ترقب ويمناه تضغط على سـ,ـلاحه القابع في غمده، وما إن وطأة قدميه السطح الذي كان دون سوار، اخترق أذنيه صراخ من

أفواه عديدة، تأتيه من صندوق ضخم حديدي، فاستل سـ,ـلاحه وهو يندفع نحوه، وحاول فتح القفل الذي بدا عصيبًا للغاية، فاسند السلاح جانبًا وهو يرمي أذنيه مع أصوات الصراخ الآتيه من داخل الصندوق وهو يمني نفسه أن تكون صوت زوجته واحدٍ من تلك الأصوات، وأخذ يعالج ريتاج الباب حتى أفلح فرمى بالقفل دون اكتراث وسحب الباب الضخم وهو يلهث من شدة التعب، ثم وقف وراحت عيناه تلتهمان وجوه الفتيات بكل لهفة الدنيا، وصوته يحمل كل شوقه ولهفته وهو يهتف :
_ أسماء، أسماء أين أنتِ؟
أخذ يردد اسمها، وعيناه تدوران في الوجوه مرة..
وراء مرة..

وفي كل مرة تخبو بسمته..
وتنقشع لهفته..
وينزوى حنينه في ركنٍ قصي داخل قلبه يجلس كطفلًا صغير خائف يترقب.
أيا قلب مهلًا لم يأن الآوان لتقف..
يا روح اهدئي لا تثوري ولا تجني فالحبيبة حتمًا ها هُنا..

انت في الصفحة 6 من 9 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى