Uncategorized

لحظة غيـ,ـاب ندا ممدوح

تاه بصر مريم في الرسالة، وخفق وجدانها.
إنها رسالة مجدولة..
رسالة خطها قلم أميرة قلبها، أوليس القلب امير البدن؟!
إن فقدتها فقد فقدت قلبها!
أسماء لم تعد..
الحلم الجميل الذي لم يدم تهدم قبل أن يُصنع..
أسماء بالفعل مخطوفة وقد لا تعود..
لقد سقط فؤادها في هوة الواقع..
انتزعها انتزاعًا إنها غائبة وقد تغيب للأبد..
آهٍ لو تعلم إن غيابها عذاب مُر سيظل أبد الدهر غصة لا تزول..

مريرة هي تلك اللحظة التي تتوقف عقاربها على توديع حبيب يتعلق به القلب قبل الروح، نقف نلوح من بعيد في الفضاء إلى تلك الروح التي تسير في طريق لا عودة منه، علَّه يلتفت ويعود ادراجه..
لكن، لا.. لا هو يلتفت ولا يعود ولا يترك لنا قلبنا لنحيا به…
انطلقت صرخة أليمة من حنجرة مريم تقطع لها نياط القلب، وانهارت على الأرض،وتكورت على نفسها، وهي تضم الهاتف إلى صدرها وتهتف بقلبٌ مجروح، وصوتٍ متهدج مفعم بالآسى :

_ آهٍ يا أسماء يا أختي عودي إليّ، أعدك إني سألتزم في صلاتي وسأصيم معك كل الأيام التي تصيمين، عودي فقط يا مريم ففراقك من الآن يطعن فؤادي بطعنة لا مناص من المـ,ـوت منها…
لا تقولي وداعًا..
فلا روحك ستغيب لكن ستغيب روحي..
عودي إلى رفيقتك يا أسماء القلب ولا تذرينني وحيدةً كريشة في مهب الريح..
لا ترحلي فيُلبس قلبي أكنة السواد ويشيب..
أغمضت عينيها بقوة، واعتصرت الهاتف إلى جوار قلبها، وهي تهمس بصوتٍ خفيض :
_ إن كان الفراق قريبًا يا أسماء فخذيني معك..
وسلامًا حينها لروحي وروحك معًا بالتواري تحت الثرى ..

لكن لا تقولي سلامًا بمفردكِ..
أي حزنٍ هذا الذي قد يقسم القلب إلى شطرين!!
ويقسم الروح إلي شقين..
لا تدعيني احيا بنصف جسد، وشطر روح…
فالنفس بدونك لن تذق طعم الحياة.. اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد

كانت الساعة قد تخطت الواحدة بعد منتصف الليل، عندما وصلَ ( هاشم) إلى الحديقة التي طلب فيها الخاطف اللقاء، حضر في الوقت المحدد، وللحق هو بالأساس كان كل همه تلك اللحظة، وإن تمر هذه الليلة التي بدت له إنها لن تمر..
فقد كانت طويلة..
بعيدة..
ليس لها نهاية..
زوجته لا يدري كيف هي؟
بخير أم لا؟!
وهذا كل ما يشغل باله وخاطره ولُبه، بل إن هذا الأمر كان يهلك قلبه الذي تيتم في بعدها.

كان يتلفت حوله، يتأمل في الوجوه الموجودة كأنما يبحث عن مبتغاة، بلى يتفرسها على وجه الدقة، ولم يكن أُناس كُثر، إنهما بضع رجال يُعدون على أصابع اليد، فها ذا عامل نظافة يقوم بعمله، وآخر يتحدث في الهاتف وبدا كأنه يتلقَ نبإ آثار بركان غضبه، وآخر جالس على أحد المقاعد مطأطأ الرأس، لم يجد بينهما أيًا من زملائه، لكنه متأكد من وجودهما، على يقين إنهم يراقبونه الآن.
كان الليل قد غشى بظلامه الأرض فبدت حالكةُ السواد لولا تلك الأضاءه الصادرة من الأعمدة، السماء مكفهرة غطتها غيمةٌ كئِيبة كأنما تشاركه انفطار قلبه، وكان الليل موحشًا إذ توارت فيه أعيُون النجوم.

ألقىٰ ( هاشم) نظرة على الحقيبة السوداء التي بيده اليسرى وتنهد وهو يقف في ذات المكان المحدد من الخاطف، ولم يلبث أن ارتطم فيه ذاك الشاب الثائر الذي كان يتحدث في الهاتف، فسقط الهاتف من يده أثر الارتطام المتعمد، وهم هاشم أن يغمعم بالاعتذار لكن الرجل لم يمهله فقد ألتقط هاتفه وهو يهتف في انفعال :
_ وهل كان ينقصني أعمي؟
وقبل أن يتدارك هاشم أي شيء، كان الرجل يدفعه بكفيه في قسوة، هاتفًا :
_ أن كنت لا ترى جيدًا فما الذي تفعله في ظلمة الليل هُنا يا هذا؟!

دون وعي انزلقت الحقيبة من بين أصابع هاشم، واختفى هدوءه الذي كان يتحلى به، وتجلى على وجهه غضب هائل قلما ظهر على صفحة وجهه، وسدد لكمة للرجل وهو يقول:
_ من الأعمى يا هذا؟!
صرخ الرجل وهو يمسك وجهه الذي سال من طرف شفتيه اليسرى الدماء، وتراجع تلقائيًا من أثر اللكمة، حتى كاد أن يسقط أرضً فتماسك وأنتصب في وقفته قائلًا وهو يمسح طرف شفته :
_ كيف تجرؤ! كيف..
وانقض على هاشم الذي أمسك بكتفيه، وضـ,ـرب ركبته في معدة الرجل ودفعه بعيدًا، وتلوى الرجل من الألم..

هُنا ألتقطت أذنين هاشم حركة من خلفه، فدار على عقبيه فورًا، فرأى عامل النظافة يأخذ الحقيبة ويعدو مبتعدًا، فأطلق هاشم صيحة حملت ما يعتمل في صميمه من خوف، واندفع يعدو وراءه وقد وضعه نُصب عينيه، وثب سارق الحقيبة من فوق مقعد خشبي وركله أرضًا ليعركل سير هاشم الذي قفز بمهارة من فوقه وتابع جريه وأمام عينيه رآه يركب إحدى الدرجات النارية ويلقيه ببسمة متهكمة وينطلق، وراح أمام عينيه يتلاشى رويدًا رويدًا، لكنه لم يهدأ أنطلق خلفه حتى أنقطع نفسه وتوقف في منتصف الطريق يراقب أختفاءه تدريجيًا، فنظر حوله كالضايع وعدا إلى سيارته التي كانت تقف إلى جانب الطريق، فأتخذ مقعده وأدار

عجلة القيادة، وأنطلق كالصاروخ غير عابئ بالسرعة التي وصلت لزروتها…
تجاوز هاشم كل السيارات بأعجوبة، فقد كان كالمجنون يقود، وكاد أكثر من مرة أن يعمل حادث في عدت سيارات لولا عناية الله عز وجل له، وأخيرًا بقى إزاء دراجة العامل وارتطم بجانب الدراجة في ، فـ نظر له وهو يجز على أسنانه وأسرع من قيادته لكن هاشم لم يمكنه من ذلك بل راح يرطم سيارته بالأخرى في جنون.

صوت بوق سيارة جذب انتباه هاشم وجعله ينظر أمامه ليجد سيارة تقبل عليه مسرعة، فحدق بعينيه وحاول أن يتفدها، وفي لحظة أنشغاله تلك كان العامل ينطلق بدراجته مبتعدًا وهو يطلق ضحكات ظافرة، بينما كان هاشم يحاول ان يتفادى السيارة التي بدت كأنها تريد الاصطدام فيه وفي آخر لحظة وعلى بُعد سنتميترات قلائل من تلاقي السيارتين انحرف هاشم جانبًا، ليضـ,ـرب ضوء قوي عينيه، شوشت رؤيته وهذه المرة كان لا مفر من الاصطدام لا محالة..
ولا مناص من النجاة…
وضـ,ـربت السيارة سيارة هاشم بقوة، فأنقلبت رأسٍ على عقب…

لفصل الثالث
لحظة غياب
(قلب لا ينبض)

ساعاتٍ شاقة تلك التي مرت على هاشم..
سويعات ظن فيها إن قلبه توقف عن النبض..
وإن حنايا صدره باتت مثخنة بالجراح التي ليس لها دواء..
وشعر إنه يذق طعم العجز والكدر لأول مرة … ويا له من ألم مضني هذا..
هذه المرة الأولىٰ التي يحس فيها إن وجوده ليس له سببًا، وجوده هباءً، فما معنى أن يكون مقيدًا عن استعادة زوجته .. قُرَّة عينه، وحبَّة القلب تلك التي كانت كحورية هبطتت من السماء تضيء فقط ثناياه، وتسبغ عليه بوارف حبها فتترع فؤادهِ بالحنان، كوردة هي فتحت أَكْمَام قلبه، وفي طرفة عين أو كلمح البصر ذُبل قلبه وشاخ..

وكبر وشاب ولم يعد به إلا التقرح الدامي..
تجمع ثُلَّةٌ من الرجال حول السيارة المنقلبة علىٰ رأْسِها يميلون برؤوسهم نحو النافذات ينظرن إلىٰ الداخِل عَلِّهُم يتراءى لهم شيئًا، وحسبوا إن من كان بداخلها قد لقىٰ مصرعه حتمًا، لكن ..
فجأة! ودون سابق إنذار، برزت راحتين تلتصقان بالأرض، تلَاها ظهور رأس مطأطأة؛ وخرج جسد ( هاشم) وهو يزحف من أسفل الحطام بَذِلًا قصاري جهدهُ، وراح يسعل في تعب وهو يعتدل واقفًا ممتليءٍ بالندوب والخدوش، وأحاطوا به الرِجال إحاطة السوار بالمعصم، وما كاد يستجمع شتاته، حتى أتاه صوت قُرب أُذنه مباشرةٍ من الوراء، يقول في غلظة :

_ يمكنك أعتبار ما حدث لك قرصة أذن فقط لا غير، لماذا جئت برجال الشرطة معك؟ أنتظر مني اتصالًا آخر في مكانٍ آخر أحددهُ أنا، ولكن حذار أن تأتي بأحد معك وإلا أقسم لك أن يصل لك رأس زوجتك في صندوق …
كانت الكلمات تنساب بسرعة من فمٍ غليظ، و ( هاشم) متجمدٍ في مكانه، حتى ما أن أتى سيرة زوجته، حتى دار على عقبيه في عجل، فلم يجد أحد …
بالأحرى لم يعرف من بالتحديد من زمرة الرجال وأوصواتهم العالية سؤالهم عنه لكنه لم يبال..

كان غائبًا من الأساس…
وراح يدير عينيه في الوجوه، عله يعلم من هذا الشخص!
لعل من يدرِ!
لكن لم يصل لشيء، فلم يذه هذا إلا ثُقلًا على قلبه..
هل جربت يومًا ثقل القلب؟! فهو أقسى وأمر من ثقل العاتق لو تعلم!
ثقل لا مفر منه يظل يتكاثف دون أمل من أن يخف الحمل حتى يؤدي بدفـ,ـن القلب حيًا.

دار كل هذا في ذهن ( هاشم) وهو يستقل سيارة أجرة عائدًا من عند مديره، ذاهبًا إلى منزل حبيبته، عساه يجدها هنالك ويجد إن كل ما حدث حلمًا عظيمًا على نفسه، لماذا حين نود لشيء إن يكون مجرد حلمًا فلا نستيقظ منه ولا يكون كذلك؟
لماذا الحياة تؤلمنا!
لِمَ فقط تصفع قلوبنا بالأوجاع!
عَمَّ نتحدث؟ أعن ما مررنا به؟ أم عن هموم قلوبنا؟
أم عن تلك اللحظة التي تنزع منا السعادة إلى الأبد، تلك اللحظة التي لا يعود بعدها أي شيء كما كان؟

فاق ( هاشم) من قوقعة غيبوبته المؤقتة، فوجد نفسه مكبلًا في نكبته، كأنما هو على جرفٍ هار انهار به في بئرٍ يفيض بالأشجان، تسمرت قدميه أمام باب شقة حبيبته فإذا بالذكريات تتلقاه، والحنين يغمره، وذرفت آماقة يعزُ عليه أن يعود وهي لست معه، كفكف دمعه ونَهْنَهَه، ونصب قامته كأن الدمع لم يطرق أجفانه توًا، وفي ثبات حازم مد أصبعه المرتجف ليرن الجرس، فأتاه صوت والدته، يبدو إنها منذُ خبر فقدان أسماء ولم تذرها بمفردها، صُنعت خيرًا بفعلها، وفُتحَ الباب وتلاقت عيناه بعينين والدته الباكيتين، فانجلى ثباته هباءً كأن الرياح قد ذرته وإذا بالدمع يملء مقلتاه وهو يحدق فيها كرجل كهل جارت

عليه السنون، وقصمت من عمره، ففتحت والدتها ذراعيها وتلقفته في حضنها وسقطا أرضًا وهي تضمه…
هُنا فقد سمح لعيناه أن تستمطر الدمع كما تشاء…
وعلا بكاءه يبكي الحجر، واندفع يقول بصوتٍ واهي :
_ أسماء يا أمي، لقد أُخذت أمام عيني، لم استطع أن أحميها انا فاشل يا امي لا استحق أن احيا…
ثم اتبع بصوتٍ رجراج :
_ إن لم تعُد إليّ كيف أعيش! كيف بدونها؟ آه قلبي يا أمي، يؤلمني..
مسدت أمه على رأسه بيسراها، وهي تعصر جفنيها عن الدمع وتضمه بشدة، مرددة :

_ ستعود لك يا بني، ستعود إن شاء الله، كفاك حزنًا فخالتك لا تتحمل، تماسك لأجلها يا حبيبي.
شدد ( هاشم) من ضم امه كطفلٍ صغير خائف، لأول مرة يبكي..
لأول مرة تذق عيناه طعم الدمع..
وحق للعين أن تبكي..
فمن يبكيها لست أي حد..
إنها وتين القلب ومهجة الروح..
هتف ( هاشم) من أعمق أعماق قلبه :
_ لماذا يا أمي يأتي الفراق ؟

لماذا يا حب يأتي الفراق، وتندثر فرحة المرء في غمضة عين، وينزوي الأمل تحت الثرى، ويستقبلنا الحزن بأعظم أستقبال، ويتلقانا الوجع دون نسيان ، أليس لكل شيء نهاية يا أمي؟ لماذا إذن أشعر إن لوجع قلبي لن يكون نهاية! كيف للقلب أن يكف عن البكاء يا أمي أن كفت عيني؟ اللهم صل وسلم على نبينا محمد

اعتدل هاشم بعد وقتٍ طَويل من فوق ساقين أُمُهُ على إحدى الآرائك في صالة المنزل، وبدا له إنَّ أسماء تقبل من غرفتها، تعبر الصالة نحوه ضاحكة، مشرقة المحيا فتبسم فجأة ، وضحك قلبه قبل أن تضحك عيناه، ولاحت منه نظرة في أرجاء المنزل فإذا بالحزن يسود قلبه مجددًا وإذا بصورتها تختفي من أمامه، فراحت عيناه تدوران بحثًا عنها..
لكنها لم تكن..
كانت مجرد خيال وتلاشى..
كانت سرابًا جرف كل أمله، وحياته، وشغفه..
وإذا بذكرى حبيبة تُحييه يوم إن عقد عليها، يومئذٍ جلسا معًا، كانت أول جلسة يجلساها بمفردهما دون ثالث، دون عائق، دون قيود..

حينها ضم كفها الرقيق الناعم في راحتيه وقبض عليه في قوة لم تخل من الحنان، وهمس بنبرة تحمل كل حب الدنيا وعاطفتها :
_ لا تتصوري سعادتي اليوم بزواجي منكِ، لا أصدق إنكِ أصبحتِ ليّ شريكة لقلبي وحياتي و وجداني، أرجو من الله ألا يحرمني منكِ فأحرم من نفسي وأحيا ميت بلا حياة.
اصطبغ وجهها بحمرة الخجل، وهي تطرق في استحياء.
لا تكاد تصدق إنها أمست له.

انت في الصفحة 5 من 9 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى