وطيبة كانت لا زالت تبكي فهتفت الممرضة من جديد:
-يا أنسه.
أااااه عاليه وسط بكاء صدحت عن طيبة، اللقب الذي نادتها به الممرضة سقط على أذنها كحد السيف على الرقبة. وقفت بصعوبة وحاولت التحرك، نظرت للصغيرة تعدها بأن تعود لها. خرجت تذهب لقسم الحسابات لتدفع جزء منه تحاول الاستفادة بمال شرفها.
وجدت سيدة مسنه وابنتها كل منهما تنظر لها ثم يبادلان النظر ويعودا للنظر لبعضهما، نظراتهم ضايقتها وقد شعرت السيدة بذلك فقالت:
-لا احنا بنبص لك عشان حلوه مش تريقة يعني.
تقدمت الفتاة تسألها:
-هو انتي مخطوبة؟؟
صدمت طيبة ولم تجيب فأكملت الأم بحماس:
-بنسأل بجد والله، شكلك يشرح القلب، أنا عندي ابني شغال برا ونازل في شهر سبعه عايز يخطب، ماتفكريش انه وقيع عشان بخطب له اي واحده تيجي قدامي كده، ده انا عشان عايزه له بت على الفرازة وتكون نقاوة، ايه رأيك، عنده شقه ملك ٢٠٠ متر في مصر الجديدة الشبكة الي انتي عايزاها والمهر كمان انتي بس قولي أه. هل اتفق الكل عليها اليوم، هذا العريس غريب الأطوار مجهول الهوية وعرض تلك السيدة لو عرضوا عليها منذ يومين فقط لوافقت حتى لو كانت مقبلة على الزواج من شخص مجهول.
هل كل ثانية سيحدث شيء يذكرها انها ضاعت، ما عاد يحق لها العيش ككل الفتيات.. عروض كثيرة مثل ذلك العرض كانت ستحظى به، وقد تعرضت لمثل تلك المواقف مراراً، وحدها او مع والدتها التي كانت ترفض بدلع وترفع، تعلم ان ابنتها الطبيبة ذات السمعة الطيبة ستحظى بذلك مراراً وما هو اكثر ولا داعي أساساً للإستعجال فابنتها لازالت صغيره وفرصها كثيرة. فلتأتي الأن وترى ابنتها التي ضاعت وباتت بلا فرص، وفرصه قليله مثل تلك أضحت غير مستحقه لها.
أجهشت في البكاء من جديد وفرت من أمامهما تخرج من المشفى واتجهت ناحية النيل تشم هواءه. سارت لمسافه طويلة على أمل ان يشفي هواء النيل من حرقة قلبها قليلاً. واذ بها تتفاجأ بعرس وزفة لعريس وعروسه، وقفت تلقتط صوراً تذكارية بجوار النيل. كانت العروس جميلة تضحك وسعيدة، نظراتها تلاقت مع طيبة فابتسمت لكن طيبة لم تبتسم بل أدمعت وهي تتأكد ان الكون كله تحالف ضدها. اقتربت احدى السيدات من العروس تلتقط معها صوره ثم احضنتها وهي تردد بصوت وصل لطيبة:
-مبروك ياعين خالتك، ربنا يعدي ليلتك على خير.
تمزق قلب طيبة، وهي تعرف المقصود بتلك الجملة، لحظة الألم التي عاشتها بغير زواج ، لن تلبس فستان أبيض كتلك الفتاة ولن تسعد مثلها. غادرت تتركهم وعرسهم كأنها تهرب من شياطين ، فرت ناحية النيل و وقفت فوق الكوبري قريبة من حافته. كادت ان تقذف نفسها في ساعة يأس وشريط دقائق فقدانها شرفها تمر أمام عينيها تستوعب حجم الكارثه التي لن تستطيع حتى تصليحها.
همت لتفقد توزانها وترتاح لكن منعتها يد ، التفت لترى سيدة كبيرة بالعمر تردد؛
-ايه الي هتعمليه ده يابنتي؟!
-سبيني يا طنط، انا عملت غلطة كبيرة قوي، المـ,ـوت أهون.
-عملتي غلطة ورايحه تزوديها؟!! قتـ,ـل النفس من الكبائر يابنتي، هتقابلس ربنا ازاي؟!
تراجعت بخوف من لقاء ربها فأخذتها السيدة وقالت:
-تعالي تعالي نقعد في الهوا، أحكي لي مالك. جلست معها طيبة في الهواء الطلق وبدأت طيبة تحكي بأختصار ما حدث معها. ____السيدة الأولى_سوما العربي_____ تقدم يدلف للداخل فقابلته رقية بوجه متهلل:
-هاشم..اخيراً رجعت..البيت نور.
=اخيراً رجعت يا سيادة المحامي؟!
قالها رجل متعدي لسنواته الستون، جسمه صحي وطويل كأبنه وكمل:
-كل الزعل ده ليه ها؟! عشان مش موافق على جوازك من الست نور؟!
-بابا لو سمحت.
-لو سمحت ايه؟! انت عارف ان بيني وبين أبوها وجدها شغل كتيو من زمان وانت لعبي ومش بتاع جواز، ومع ذلك مصمم عليها؟! ليه ما بنات الناس كتير.
-مين قاللك كده؟! مين قال اني لو اتجوزت هفضل كده؟؟
-بأمارت صُحبتك، شريف البطل اللي مطلق بعد سنه جواز بسبب الصرمحه ولا البيج بوص عمر زهران الي مابيعشلوش نسوان ومطلق مرتين.
-وانا مالي بيهم وبعدين مين عرفك بظروفهم، شريف طلق عشان مراته بتعامل مامته وحش .
-هممم وعمر الي امه ميته؟!
-ماعرفش بس لو كده ما كانتش هتبقى طليقاته الاتنين بيحاولوا وهيمـ,ـوتوا ويرجعوا له. تنهد عزت ثم ردد:
-طيب، بص يا هاشم، انت محامي وكبير قوي وشاطر، نور عندك روح قولها، انتم صحاب من زمان مش بتقولها ليه؟؟ صمت هاشم بصمت، جوابه معلوم عند نفسه، لانه لا يرى بعيناها نظرة إعجاب، تعامله كأنه شقيقها ومنذ كانوا صغار.
دق جرس الباب ففتحت رقية لتشهق مرددة:
-نورر، وحشتيني ازيك.
-روكااا…وحشتيني قوي، طنط وعمو موجودين؟؟
-اه وهاشم كمان..تعالي. دلفت نور التي كانت تشع نور، اسم علي مسمى، فتاه شقراء وعيونها بنيه وقوامها ممشوق، تقدمت لتسلم عليهم جميعاً ثم سألت:
-هاشم صحيح عرفت؟! مش هاشم عمل حادثه؟! جعد ما بين حاجبيه وسألها:
-وانتي عرفتي منين؟!
-كلمته بالصدفه، قالتها بتوتر، اهتمامها بعمر أزيد منه ومن شريف يثير حيرته كل فترة خصوصا أن ثلاثتهم أصدقاءها منذ الدراسة.
لاحظت تبادل نظرات هاشم مع عزت فسألت لتبدد التوتر:
-أمال طنط ليلة فين؟! وحشتني قوي.
-انا هنا يا حبيبتي.
قالتها سيدة في نهاية الخمسينات من عمرها قوامها متوسط وثيابها فاخرة وتقدمت من نور بحبور تحتضنها وتجلس معهم ونور تحادثهم جميعاً بإعتياد اهتمامها غير منصب على هاشم الذي لا يركز سوى عليها، فوقف بغضب وغادر الجلسه.
_____السيدة الأولى-سوما العربي______ وقفت في شرفة بيتهم ولجوارها صديقة عمرها تردد بصدمة:
-يخربيتك وبعدين؟!
-خد رقم العربية، واسمي كمان ياخوفي لا يعمل محضر.
-أبوكي لو عرف هتبقى مصيبة.
-حرام عليكي يا منار، ده انا ميتة في جلدي فال الله ولا فالك.
كانت تحدث صديقتها وعيناها على الشارع فقالت منار:
-بتبصي على ايه؟! مستنية البيه؟! بذمتك انتي عندك دم؟! انتي في ايه ولا ايه؟! وبعدين بقالك سنين على ده الحال وه مش معبرك.
-هموـ,ـت عليه، يجنن، عاجبني قوي.
-تيم مرسي ده واد شايف نفسه، صراحه حقه هو اشقراني وجان وشقة وعربية وشغال محاسب في شركة كبيرة فهو عريس لقطة وهو عارف، عشان كده عمال يتفرد ويتني على البنات …وخلي بالك عشان بيبقوا عارفين لما بيكون في اهتمام يعني هو أكيد واخد باله خصوصا من تصرفاتك انتي كل يوم مستنياه في الشباك في ميعاد وجوعوا
-بس انا معجبه بيه فعلاً مش عارفة اخرجه من دماغي، كل يوم بيستفزني بتطنيشه ليا وأقسم بالله اطلعه من دماغي بس بلاقيني ارجع أفكر فيه.
صمتت وهي تلاحظ إصطفاف سيارته ونزوله منّها مغادراً نافش ريشه كالطاووس ، يضحك بإستخفاف وكبر وهو يلاحظ وجود تلك الفتاة المهووسة به تقف في نافذة غرفتها تنتظر رجوعه ككل يوم. كالعادة اغلق سيارته بالريموت ثم غادر بغرور. كانت تتابعه بهيام لتصرخ فيها منار:
-فوقي بقا يا موهومة نفشتيه علينا.
زمت كنزي شفتيها بضيق وكادت ان تتحدث لولا ان صدح صوت هاتفها باتصال من رقم مجهول ففتحت الاتصال ترد:
-ألو!
-ايه ده ايه الصوت الحلو ده! غريبة.
قالها عمر متأثراً برنين صوتها في الهاتف فردت كنزي ببعض الحده:
-ايه ده مين حضرتك؟!
اتكئ في نومته على الأريكه وقد راقه غضبها وصراخها ثم ردد:
-مش فكراني يا كتكوتة ولا ايه؟؟
-كتكوتة؟!!! هو انت؟!
______السيدة الأولى_سوما العربي______ وقف اسفل البناية المطلة على النيل، ساقته قدماه لعند نفس الفتاة من جديد.
صعد البيت وجد كل الانورا مطفئة على عكس الحال الذي تركها عليه، بحث عنها بعيناه ولم يجدها. دلف لغرفة النوم وجدها غافية متكورة على ذاتها في الفراش. أضاء المصباح بجوار الفراش وجلس على حافته لجوارها ينظر عليها تحت تأثير الضوء. تأملها بهدوء، كانت جميلة جدا، ملائكية تشبه الأطفال، مد يده لا إرادياً يتلمس خدودها المنتفخة والتي هي اكثر ما يميزها كأنها عروس لعبة لذيذة. فانتفضت برعب وجلست في الفراش بهلع تسأل:
-ايه؟! في ايه؟!
ملس على خدها يردد بصوت حنون:
-ايه؟! مالك؟! أنا هاشم.
-عايز ايه؟!
-نعم؟!
قالها بصوت حاد وقد ارتفع حاجبه لا يعجبه فعلتها فكمل:
-عايز ايه؟!! هز رأسه مهمهاً وقد أججت غضبه فثار ورد:
-طب انا بقا عايزك.
صرح بلا مواربة فردت على الفرر:
-لأ.
حسمها فاجئه، منذ متى الرفض ومن أين تلك القوة؟! فهمس بهدوء مخيف:
-لأ؟!!! كان صدرها يعلو ويهبط بثوران أنفاسها المرتعبة وقد زادها عليها حينما حضرت شياطينه وصرخ بفظاظة: -فوقي ده انا شاريكي بالفلوس،هو ايه الي لأ؟ أنا لما أقول عايزك من قبل ما أنطقها تكوني في السرير ومتهيئة لي كمان ولا انتي نسيتي نفسك، فوقي بدل ما افوقك.
صدح صوته عالياً وهي وقفت متفززه أمامه، وعلى مايبدو فوقَتها لحجم الكارثه جاءت متأخرة، ها هو يحدثها كالغانيات. ابتلعت لعابها بخوف، تريد الرفض ولكنها غير قادرة على مجابهت، حاولت التفكير: