” عيدي لي فؤادي ونبضاته المغرمة التي سُلبت بفتنتك الخلابة، وأعدك بالفراق” وقفت إيمان تشعر بالحيرة والقلق على تلك المسكينة ذات الصرخات المرتفعة المنتحبة وهي تحاول مع أخيها المتجرد من رحمة والحديث معه يكون عقيم دون شفقة لأحد ،ولم تصل معه إلى نتيجة حتى الآن بعدما أغلق عقله بإصرار على تنفيذ ما يريده.
لم تستطع أن تبقى هادئة تشاهدهم وهم يسلبون روح تلك المسكينة بالقهر، فأسرعت ترتدي عباءتها السوداء واضعة وشاحها فوق شعرها بتوتر وسارت راكضة متجهة نحو أكبر منزل في النجع بالطبع هو منزل عائلة الجبالي في نجع العمدة، كانت تشعر بالقلق مسيطرًا على جميع أوتارها متمنية أن تستطع إنقاذ الأمر والإلحاق بها قبل أن تفقد روحها عنوة، تريد أن تصل إلى حسن مسرعًا حتى تخبره لينقذها من بين براثن أخيها الكاسرة التي ستتسبب في مـ,ـوتها يومًا ما.
كان عمران يقف في الخارج لكنه سرعان ما قطب جبينه بدهشة متعجبًا لحال تلك الراكضة التي جعلت فضوله يزداد ولكن ما جعله يظن بالأمر أكثر هو عندما رآها تقترب من المنزل وكادت أن تدلف استوقفها بذهول بصوته الجهوري الحاد ولازالت ملامحها غير مرئية لديه: -اجفي عنديكي يا ست إنتي هو مفيش حاكم إهنيه. وقفت متصنمة مكانها بخوف مسيطر على هيئتها لكنها حاولت التخلص منه مسرعًا مقتربة منه بخطى متعثرة وقبل أن تخبره عن ذاتها كان هو مثبت بصره نحوها مضيق عينيه بتفكير محاولًا أن يتذكرها شعرت بقلبها يهوى بداخلها فتمتمت بتوتر:
– أني إيمان يا سي عمران مرت أخو عهد اللي هتبجى مرت اخـ.. قبل أن تواصل حديثها قطعها هو مزمجرًا بغضب حاد لكن سرعان ما سيطر عليه بعدما سيطر القلق ينهش في قلبه المغرم عندما فكر في سبب قدومها هاتفًا بلهفة وقلق: – وإيه اللي خلاكي تاچي إهنيه في الوجت ديه عهد فيها حاچة؟ سألها بخوف لم يشعر به سوى عندما يتعلق الأمر بها مما جعلها تشعر بالدهشة من نبرة صوته القلقة التي ظهرت عنوة عندما فقد السيطرة على مشاعره الحبيسة بداخله، لكن سرعان ما اجتازتها متذكرة ما يحدث بها في قبضة أخيها القاسي فأجابته متمتمة بضعف خافت:
– هـ.. هو حازم أخوها چايب الداية لچل انها تكشف على عهد، وبيجول أنها وجعت في الغلط وأني كنت چاية لسي حسن عشان يلحجها جبل ما يحصل فيها إكده. شعر بالغضب عندما استمع إلى حديثها متوعدًا لكل مَن يتسبب في أذى لها، أسرع في طريقه نحوها بقلق خوفًا من أن يُرتكب بها تلك الجـ,ـريمة المميتة في حقها والتي ستقضي عليها، توجه إلى منزلها بأقصى سرعة ممكنة،
وكل ما يأتي في ذهنه صورتها وما يريد أن يفعله ذلك الوغد بها.
في النفس الوقت… كانت عهد تقف تطالع أخاها بنظرات يملأها الذهول والصدمة المسيطرة عليها ألجمت لسانها تشعر بالخزى من أقرب الناس إليها مَن كان من المتوقع حمايتها وسندها هو أول مَن طعنها ويساهم في قتـ,ـلها، تمتمت تعاتبه بخفوت: – أنت رايد تعمل إكده في خيتك يا حازم چايب الداية ليه، أنتَ خابر زين أني كيف..أني زينة البِنتة كُلياتها في النچع إهنيه. لم يبالي بحديثها بل أجابها بدون اقتناع متبجحًا بقوة: – لو إنتي كيف ما عتجولي خايفة ليه إكده خلي الست حليمة تكشف عليكي وتطمن جلبي.
انكمشت على ذاتها هاربة برعب وتوجهت نحو نهاية الغرفة التي تود الفرار منها، تقف بأحد زواياها منكمشة على ذاتها بقدمي مرتعشة، شاعرة بفقدان روحها، حاولت أن تقنعه بضعف للتراجع عن جـ,ـريمته الشـ,ـنيعة في حقها: – أني مش خايفة أني واثجة من حالي وعمري ما اعمل اللي عتجوله واصل بس أني مجدرش اتحمل اللي بدك تعمله فيا ياخويّ. كانت متأملة أن يقتنع بحديثها ويتركها دون أن يكسرها لكن هيهات فالغضب قد ملأ أوداجه لم يستمع إلى شئ ولم يتراجع، اقترب منها بخطوات غاضبة وصفعها بقوة معقبًا على حديثها بعنف محتدم:
– لو معِملتيش حاچة معتخافيش إكده يلا جدامي خلينا نتوكد من اللي عيدور براسي وجتها مهاسميش عليكي هجتلك والله. قبض فوق ذراعها بعنف قبضة حديدية وجرها خلفه قابضًا فوق شعرها بشدة ودفعها بعنف فوق الفراش غير مُبالي بصرخاتها المرتفعة، فأسرعوا السيدات يقتربون منها يقيدون يديها مانعين حركتها منتهزين الأمر ليتمموا ما آتوا إليه.. كانت تشعر بقلبها يُقبض بداخلها وكأن هناك مَن ينزعه عنوة دون رحمة، هي لم ترتكب ذلك الخطأ لكنها ستُعاقب على ظنون أخيها الكاذبة بسبب أحاديث أهل النجع عنها، أين ذهب العدل والرحمة لتجد مَن يدفع الظلم عنها ويجعلها تسير في النور مبتعدة عن ظلمات ذلك الوغد القاسي..!
تطلع نحوهم بأعين يملأها الشرر مغمغمًا باحتدام غاضب: – ههملكم برة لچل ما تتوكدوا من طهارتها وتچييولي البِشارة. صاحت بعنف متوسلة مانعة إياه من الخروج وتركها بمفردها فريسة بين براثنهم يفترسونها دون رحمة وينتهكون براءتها: – لاه يا حازم متهملنيش وياتهم دِه أني خيتك متعملش فيا إكده أحِب على يدّك. اعتلت صرخاتها أكتر حتى اختفى صوتها، لم يصدر منها سوى أنين خافت من بكائها وهي ترتعش برجفة قوية تسير في سائر جسدها.
وقف شقيقها على أعتاب الغرفة وقبل أن يغلق بابها وجد مَن يقتحم باب المنزل بقوة ويقف بشموخ يرمقه بنظرات غاضبة مثبتة نحوه بتوعد واقترب منه دفعه إلى الخلف صائحًا بصوت جهوري حاد هزّ أرجاء الغرفة الصغيرة: – انتو عتعملوا ايه اتچنيتوا إياك، إيه اللي رايدين تعملوه ده يلا هملوا المكان إهنيه واتجوا شري والله في سماه اللي هياچي إهنيه لچل اللي كنتوا عتعملوه تاني لأجتله بيدّي.
هبت مسرعة مبتعدة عن الفراش حامدة ربها على إنقاذها متطلعة نحو حازم بخذلان وضعف لكنها سرعان ما زجرت ذاتها لتحافظ على حالتها القوية هي ليست ضعيفة بل قادرة على تحدي شخص مثله يجلب لها الخزى والحزن لمجرد أنها أخته. اقترب عمران منه هو الآخر وبنظرات غاضبة يملأها القسوة والتوعد مسكه بطرف جلبابه يهزه منه بعنف صائحًا بحدة وخشونة: – اتچنيت إياك عشان تعمل إكده فيها، خيتك عهد زينة البِنتة كيف تفكر تعمل إكده الله في سماه رايد اجتلك واتاويك مطرحك عاللي عتعمله دِه.
حاول حازم دفعه ليبتعد عنه لكنه لم يستطع بسبب قوته الغاضبة كان يرتجف بين يديه وحاول أن يشرح له الامر بنبرة يملأها الخوف: – يـ… يا سي عمران البت عهد بجت تعمل حاچات عِفشة ومعاجبنيش حالها ولچل إكده رايد اتوكد انها زينة واكسر عينها شويّ محدش بجى جادر عليها واصل. قبل أن يتحدث عمران ليرد عليه تخلت هي عن صمتها وصاحت به غاضبة بنيران مشتعلة ترمقه باذدراء وضيق: – ما عاش ولا كان اللي يجدر يكسرني وأنت ملكش صالح بيا من دلوك اللي ميعرفش يحافظ على اهله كيفك إكده ملوش حديت وياهم من تاني.
جن جنونه من حديثها المتبجح وإهانتها له الذي تفوهت بها دون خجل أمامه فصاح غاضبًا متوهج بدماء تغلى داخله: – طلعلك حِس دلوك مخبراش إني اجدر اعمل فيكي ايه. ضغط عمران فوق وجهه بقوة جعله يلتفت نحوه مجبرًا وأجابه بحدة متوعدًا: – اسمع حديتي وفكر فيه زين اللي كنت رايد تعمله ميحصُلش لا دلوك ولا بعد إكده خيتك زينة والنچع كلياته خابر إكده ومهتعملش ليها حاچة وأني مبجولش حديتي مرة تانية.
اومأ براسه أمامًا بنظرات تملأها الرهبة والخوف من غضبه المعروف بين الجميع فدفعه عمران بقوة إلى الخلف وعينيه تتطلع نحوها يراها وهي تجفف آثار دموعها العالقة في عينيها ملتقطة أنفاسها بصعداء. أسرعت تجذب وشاح من اللون الأسود واضعة إياه فوق رأسها لتخفي شعرها من أمام عينيه، وبادلت نظراته بتحدٍ غاضبة والشرر يتطاير من عينيها متمتمة بشراسة تتخذها قناع لتخفي ضعفها: – مش هجولك حاچة ولا اشكرك عاللي عملته ويايا لان ده واچبك، وهو كان عيعمل إكده فيا بسببك بعد ما جولت للسِت فهيمة تجولي اهمل النچع وحسن.
كان يستمع إلى حديثها مبتسمًا لطريقتها القوية التي تواجهه بها معجبًا بها، لكنه قطب جبينه بدهشة وتغيرت ملامحه تمامًا، مستمعًا لحديثها الأخير بعدم فهم لكنه لم يسألها أجابها ببرود: – أني معستناش من واحدة زييكي حاچة بعمل إكده لچل اني كَبير النچع ودِه واچبي ولا مخبراش إكده. تافأفت بغضب عالمة أن حديثها معه لن يعود عليها بفائدة فتمتمت بتوتر ونبرة خافتة تؤيد حديثه عنوة: ـ لاه خابرة ومجدرش أجول غير إكده يا سي عمران يا كَبير النچع.
اولته ظهرها بغضب ناهية حديثها العقيم مع شخص مثله لم ترَ منه سوى القسوة، تلك هي المرة الوحيدة التي يفعل معها خير لكن غير ذلك هو المتسبب في تدمير حياتها وإعاقة زيجتها بمَن أحبت بسبب استبداده في تحقيق ما يريده وإثبات قوته وهيمنته على الجميع بنفوذه الحادة في النجع.
رمقها بغضب عالمًا مدى كرهها له وكيف تفكر به، لكنه لم يهتم بذلك هو سيجعلها ملكه أن شاءت أو أبيت لم تعلمه ولم تعلم مدى إصراره في تنفيذ عهوده، والتي أصبحت هي أهمهم، لا يعلم ماذا فعل لها ليلقى ذلك الكره الكبير الذي يعتصر قلبه ويؤلمه، هي الوحيدة التي تؤثر به بجمالها الخلاب الذي أسر فؤاده منذُ أول وهلة ونظرات عينيها الفاتنة التي تبرز عن كرهها له بوضوح فيسيطر عليه حالة من الحزن لا يستطيع البوح بها.
سار خارج المنزل بخطوات واسعة ووجه مكهفر اعتاد ظهوره مع الجميع القى نظرة سريعة نحو حازم مغمغمًا بتوعد: – اوعاك تفكر تكرر عملتك المجندلة ديه تانيّ الله في سماه لهكون جاتلك بيدّي انت خابر زين كلمة عمران الچبالي سيف على رِجَاب الكل.