وقف حسن مذهولًا من فعلته المباغتة وقد فقد السيطرة على ذاته، فدفعه بقوة إلى الخلف مبتعدًا عنه، صائحًا بصوت جهوري حاد: – أنت من دلوك ملكش حاچة عنديّ أكتر من أنك كبير النچع والكبير ملوش حج أنه يوافج على عروستي، ودلوك تهملني وملكش صالح بيا واصل. وقف عمران غاضبًا دفع المنضدة بقدمه بقوة معقبًا بتوعد: – وأني بجى مش هسكت على چوازك منيها، وأنت خابر عمران الچبالي يجدر يعمل إيه مليح.
دفعه غاضبًا وخرج بنظرات متوعدة وعقله يفكر في طريقة لإفساد الأمر، سيجعله يندم على تحديه ليعلم جيدًا مَن هو عمران الجبالي!..وما الذي يستطيع فعله لتحقيق ما يريده والحصول على عهده الذي طال انتظاره..
عقله يخبره أن يهدأ حتى لا يؤذي شقيقه، ولكن للقلب أحكام أخرى لتتردى العلاقات جانبًا ولم يلتفت سوى خلف مشاعره المغرمة التي استحالت أي شيء في سبيل الحصول على مَن غوت فؤاده بفتنتها.
ولا أحد يعلم في النهاية لمَن الانتصار؟
ضرب حسن الحائط بغضب، لا يريد أن يصل الأمر به إلى هنا لكن عمران هو مَن اخطأ ولم يفكر به، لا يعلم ماذا سيفعل؟! لكن الذي متأكد منه أنه لن يصمت ولن يدع الأمر يمر بسلام وسيفعل المستحيل لأجل تنفيذ ما يريده والثأر لحقه. ❈-❈-❈ بعد مرور يومين..
آتى اليوم المعهود والمنتظر للعديد كانت تقف عهد أمام المرآه المحطمة في غرفتها تطالع انعكاس صورتها بسعادة، ترى ذاتها بثوبها الأبيض التي تمنت أن ترتديه منذُ أن تمت خطبتها ورأت كم الحب المتواجد لها بقلبه، اليوم تشعر بفرحة وسعادة قلبها يدق داخلها كالطبول الصاخبة معلنة فرحتها، اليوم يمر سريعًا لم ينقصه سوى وجود والدتها كما كانت تتمنى، أصبحت عروس فاتنة تسحر العقول وتسلب الأنفاس وتغوي القلوب. ولجت عليها الغرفة إيمان مبتسمة بسعادة مطلقة عدة زغاريد بفرحة مهللة:
– كنّك كيف البدر في ليلة تمامه والله مفيش واحدة في النچع كلياته كيفك وكيف چمالك ياخيتي. ازدادت ابتسامتها اتساعًا بخجل متطلعة أرضًا، وردت عليها بخفوت وهي تهندم من هيئتها بلمسات خفيفة لتنتهي تمامًا وتخرج من غرفتها على منزل زوجها كما كانت تتمنى متناسية ما ينتظرها داخل المنزل الملئ بوكر الأفاعي لكنها لم تهتم بكل ذلك، اليوم لم تفكر في شئ سوى أنها عروس لـحسن الجبالي مَن اختارته وحاربت لأجله.. احتضنت إيمان بضراوة ما أن انتهت معقبة بهدوء:
– تسلمي ياجلب خيتك من چوة والله أني اللي عمري ما هلاجي كيفك. ربتت إيمان فوق كتفها وهي الأخرى سعيدة لسعادة عهد تلك المسكينة التي رأت العديد في حياتها الحزينة، لكن الآن انتهى كل ذلك ليحل محله السعادة المُستحقة لقلبها.. أصوات الموسيقى الصاخبة ترتفع معلنة الفرحة بولوج حسن الذي آتى للتو مبتسمًا هو الآخر ويفكر فيما سيفعله معها وحياتهما القادمة بأعين ملتمعة بشغف وانتصار لوصوله لما يريد.
كل شئ كان يسير على ما يرام كما خطط له وانتظره كل منهما بأحر من الجمرات الملتهبة، وها قد آتت اللحظة المنتظرة سيتم عقد قرانها جلس حسن أمام حازم مردفًا بسعادة وابتسماته تزداد اتساعًا: – مبروك يا حازم خيتك هتبجى في جلبي جبل عيني. اعتلت الزغاريد مجددًا ترتفع وتعالت همهمات الجميع بعدما رأوا كم الحب التي حصلت عليه تلك الفتاة منه، بالطبع لديها حظ قوي لتحصل على كل ذلك هناك مَن يحسدها أيضًا على ما ستحصل عليه بعد زواجها منه ستصبح كنة لأكبر عائلة في نجع العمدة والزوجة المدللة نتيجة لعشقه الضاري لها.
وقفت إيمان بجانب فهيمة مبتسمة وتمتمت بفرحة: – مبروك يا ست فهيمة. حاولت أن تبتسم لتظهر فرحتها أمام الجميع حتى لا تتسبب في استماع ثرثرتهم عليها بأن ابنها تزوج دون موافقتها، تحاول أن تتفادى كل ذلك بابتسماتها المجبرة التي لا تتعدى شفتيها، لكن داخلها قلبها سيقف من القلق مرتعبة من رد فعل عمران الذي اقسم بألا يصمت عما يحدث وسيثأر لحقه حتى يحصل عليها هو الآخر..
فاقت من شرودها الذي طال مما تسبب من إثارة دهشة إيمان وردت عليها ببرود هادئ مدعية الفرحة:
– مبروك علينا كِلياتنا. بدأ الشيخ حديثه لإتمام عقد قرانها، لكن قبل أن يتم شئ وجد مَن يقتحم المنزل بقوة ويقف بشموخ وضباط الشرطة معه الذين أسرعوا يقيدون حسن، لم يكن سواه مَن فعلها ليفسد السعادة بالطبع عمران الجبالي. لا أحد يفهم شئ وهي بالداخل انقبض قلبها خوفًا عندما توقفت أصوات الجميع الفرحة ليحل محلها همهمات لم تفهم سببها، فتحت الباب بخفة محاولة أن ترى أي شئ لتفهم سبب ما يحدث وقلبها يعتصر داخلها رعبًا لتتأكد ظنونها على الفور وهي ترى حسن يخرج من المنزل بوجه شاحب مرتعب بصحبة رجال الشرطة والأصفاد الحديدية تلتف حول يده..!
“هُناك آمال مبتهجة من السعادة تترجى تحقيقها في حياتها القادمة لكن بمساعدة القدر القاسي تحولت لأحلام مستحيلة” ❈-❈-❈❈-❈❈-❈-❈❈-❈-❈❈-❈-❈❈-❈-❈ ❈ رواية نيران نجع الهوى بقلم هدير دودو
صرخات قوية اعتلت معلنة عن الحزن القادم لتتبدل الأجواء على الفور، في وهلة واحدة آتى الحزن بأجواءه المكروبة ينهي حالة السعادة التي كانت تسيطر على القلوب المُحبة، لا أحد يعلم ما الذي حدث لينقلب الأمر رأسًا على عقب.
تقف تائهة لا تعلم ماذا يحدث حولها رُبما يكون حلم لا هو كابوس في الحقيقة، تحول واقعها إلى كابوس بشع يمرر مذاق سعادتها، تقف بفستان زفافها لا تفقه شئ وهناك سؤال واحد يأتي في عقلها لماذا يحدث لها كل ذلك؟ ماذا فعلت لتتلقى ذلك الحزن في حياتها بعدما انقلب اليوم المنتظر إلى يوم سيء من أسوأ أيامها..
انطلقت راكضة خلف رجال الشرطة بفستانها الأبيض وهيئتها الخاطفة للأنظار وهي تصيح باسمه بنبرة مرتفعة وشهقات صاخبة: – حـسـن… لاه يا حــســن متهملنيش استنى لچل خاطري استناني. وقفت تلتقط أنفاسها اللاهثة نتيجة سرعة ركضها خلفه بعدما شعرت بخيبة الأمل، وتحطيم أحلامها وهي تشاهد ابتعاده عنها واختفاءه من أمام عينيها بقلب مقهور لم يجد مَن يستند عليه ليجعله يشعر بالسعادة المستحقة. جلست أرضًا غير مبالية لما حولها ولا أين تقف؟ لم تهتم لفستانها الذي تحول لونه الأبيض الناصع إلى آخر باهت كما حدث لسعادتها التي لم تكتمل!
أسرعت إيمان تقترب منها بعدما كانت تركض خلفها لكنها لم تستطع ملاحقتها وضعت يدها فوق كتفها بحنان محاولة أن تحثها للنهوض بتوتر وحزن: – جومي ياخيتي ميصُحش إكده، جومي يا حبيبتيّ متجلجيش هيُبجى زين والله ويرچع چارك. لم يصدر منها سوى آنين خافت باسمه ودموعها التي تنهمر كالشلال فوق وجنتيها وكأن هناك مَن يمنع سعادتها لمَ لا؟ فهو يفعلها وبالطبع لم يكن سواه عمران الجبالي هو الذي يفسد سعادتها مثلما فعل الآن مع شقيقه ليثبت أنه المسيطر على النجع بما فيه كاملًا.
كانت تهتف باسمه بخوف في حالة يرثى لها: – حـ… حــســـن رايدة حـسـن.. عادت حديثها مرة أخرى بنبرة تزداد هدوء وحنان وهي تطالعها بشفقة وأعين باكية: – هيعاود والله، بس جومي معايا دلوك مهينفعش جعادك إكده. نهضت معها تعيدها إلى المنزل مرة أخرى، وهي تسير بوجه شاحب وذهن شارد لم تشعر بما حولها، تستند عليها وتبكي وتهتف باسمه، وبالطبع كانت تعلم أن عمران لن يدع الأمر يمر بسلام بما فعل كل ذلك ليرى قهرة قلبها المحطم حتى تفكر قبل أن تفعل شئ وتقف أمام شخص مثله قاسٍ وظالم.
ما أن دخلت حتى اقتربت منها فهيمة التي قبضت فوق أطراف فستانها بغضب تهزها بعنف صائحة بغضب ونيرانها تغلى داخلها فلم تستطع التفكير فيما تتفوهه أمام الحشد الهائل من أهالي النجع: – مرتاحة إكده يا چلابة المصايب، وجعتي اللخوات في بعضيها ربنا ينتجم منيكي ولدي هيروح بسببك، جولتلك همليه مسمعتيش حديتي، وروحتي اتدحلبتي كيف الحية مرتاحة يا عهد حسن ضاع خلاص ولدي راح منيّ. بدا الذهول فوق وجوه الجميع وقد اتضحت الرؤية أمام عينيهم بعد حديث فهيمة، عمران هو مَن فعل ذلك بشقيقه عمدًا بسببها لكن لماذا!؟
تعالت صرخات فهيمة الحزينة الخائفة على ابنها: – يا مُـرك يا فهيمة يا مُـرك، ربنا ينتجم منيكي يا عهد والله ما ههملك أن چرا لولدي حاچة مهيكفنيش روحك اللي هاخدها بيدّي. لم تكن في حالتها لترد عليها ولم تستطع فهم حديثها، وكأنها ولجت في دنيا أخرى تنتظر عودته فقط ليعيد إليها روحها من جديد. تعالت همهمات الواقفين من حولها يودون معرفة نهاية الأمر كما يفعلون دومًا، لكن تلك المرة فضولهم يزداد فالأمر عن عائلة الجبالي كبيرة نجع العمدة.
تطلعت فهيمة نحو نعمة صارخة بها بغضب: – اتحدتي ويّا حمدي جالك ايه طمني جلبي هيجف. تطلعت أرضًا بتوتر مقتربة منها بنبرة هامسة محاولة أن تخفي الأمر حتى لا ينتشر ويتردده الصغير قبل الكبير ويصبحون رواية على ألسنة مَن في النجع: – حمدي بيجولي أن عمران عيجول أن اخوه بيتاچر في اللسلاح وملبسه جضية واعرة جوي، وهو اللي عمل كل ديه عشان يرچع حجه ويوجف الچوازة المجندلة ديه. لطمت فوق صدرها بقوة وصرخت بحزن وقد علمت ما ينوى عمران فعله وكيف يأتي رده بتلك القسوة الطاغية:
– ولدي… ولدي هيروح مني، ربنا ياخدك يا عهد كانت چوازة سودا علينا كلياتنا. همست أحدى الواقفات بتهكم ساخرة وهي ترمقها بشماتة: – عروسة الشوم، وشها يجطع الخميرة من البيت الفجرية ديه. كانت مَن تقف بجانبها تحاول أن تكتم ضحكتها وفرحتها لما حدث في عهد التي كانت متعالية بكبرياء كبير لزواجها من حسن الجبالي. كان هُناك مَن يرى الأمر بحزن وهيئتها الحزينة تثير شفقتهم بعدما تحول أسعد يوم لكل فتاة إلى كابوس عليها التخلص منه.
اقتربت واحدة منهم من عهد واحتضنتها معقبة بخفوت: – ربنا يصبر جلبك يابتي، ويعوضك عن اللي حصُل خير. لم تستطع الرد عليها فلا يوجد حديث وكلمات تعبر عما تشعر به وتطفئ نيران قلبها المتأهبة تأكله بقسوة فاكتفت بإيماءة بسيطة من رأسها أمامًا بضعف. اقتربت السيدة من فهيمة مغمغمة بهدوء محاولة مواساتها بعدما رأت حالتها: – ربنا معاكي متزعليش حالك هيطلع بالسلامة، وهتجعديه چارك تعملي كل اللي عاوزه.
تمنت صدق حديثها وحدوثه سريعًا ليطمئن قلبها الذي كاد يقف رعبًا على فقدان ابنها الذي سيبتعد عنها بأمر من شقيقه المخطط لكل ما يحدث من أجل الحفاظ على هيئته أمام الجميع، لا تعلم كيف يفكر حتى يحافظ على هيبته ووقاره أمامهم لم يجد فرصة أفضل من ذلك لينتهزها ويبرز سيطرته التامة.
بدأ الجميع يذهب بعدما تحولت الأحواء مئة وثمانون درجة، وتلك انطلقت نحو غرفتها تغلقها خلفها وقد خارت قوتها الزائفة التي كانت تحاول التمسك بها في الخارج وجلست أرضًا أمام المرآه باكية بضراوة، تطالع هيئتها بقهرة والحزن كاد يفتك بقلبها، وعقلها يردد تلك الكلمة التي استمعت إليها بأذنيها وتراها داخل أعين الصامتين: – عروسة الشوم هـ… هما صُح على حج يا عهد.
قبضت فوق يدها بقوة وتشعر بمرارة مذاق اللون الأسود الذي يحيط حياتها من جميع الجهات فأصبحت كالشمعة التي كلما تُضاء تنطفئ عنوة بالإجبار وكل ما حدث اليوم نتيجة لشئ واحد تمسكها ودفاعها عما تريده..!
ذلك الظالم رأى أن كثيرًا على فتاة مثلها الزواج بمَن أحبت، فأفسد زفافها وفرحتها وهدم كل شئ لأجل هيمنته وظلمه الطاغي.
كل شئ تحول تمامًا، فرحتها تحولت إلى الحزن وقلب مقهور كاد التوقف عن عمله متمنية ذلك لعلها تشعر بالإرتياح بدلًا من تلك القسوة التي تنالها وتراها دومًا..
مهما ادعت الصمود والقوة بداخلها الحزن سيساهم في قتـ,ـلها بعد الفتك بقلبها، ابتسامتها تحولت تمامًا إلى دموع غزيرة تدمر قلبها المحطم. ❈-❈-❈ في الصباح الباكر..