ترك الصندوق يعطيها إياه مرة أخرى، وأجابها بجدية غاضبًا واشتعلت النيران القوية بداخله: – كنك اتچنيتي عاد؟ دهباتك دول حجك وعمري ما هاخد منيهم واصل أني راچل يا عهد وجد أن اتحمل الخسارة كلياتها. ابتعدت عنه قليلًا عندما رأت نظراته الغاضبة النارية المصوبة نحوها تخترق قلبها وحاولت أن تشرح له الأمر بتوتر مرتبكة أسفل نظراته المتوهجة وأنفاسه المرتفعة بغضب حاد: – والله مجصديش إكده اوعاك تفهمني غلط أني جولت اساعدك وخابرة زين أنك هترچعهملي وزيادة كُمان.
نهض واقفًا أمامها، وزجرها بحزم رافضًا: – جولتلِك لاه عمري ما هاخد حاچة منيكي، بلاش حديتك الماسخ واجفلي الحديت على إكده. بقيت جالسة كما هي في صمت لكن سرعان ما شعرت بغصة قوية تقبض فوق قلبها عندما وجدته يسير نحو الباب من الواضح أنه سيذهب تطلعت نحوه والدموع تبدو داخل عينيها، وأسرعت تنهض متشبثة بذراعه تمنعه من الذهاب أردفت بنبرة متحشرجة تحاول أن تمنع دموعها من السيل فوق وجنتيها أمامه: – أ… أني والله مجصديش اي حاچة أني جولت أساعدك كيف ما أي مَرا عتساعد راچلها وچوزها وخلاص مهعملهاش تاني طالما بتزعلك.
تحاول ترضيه مثلما يفعل معها دومًا عالمة كم هو غاضب الآن لما حدث معه، وجدته يحتضنها بضراوة مشددًا عليها بين ذراعيه كما لو أنها أغلى ما لديه، هامسًا بهدوء وعينيه تطالعها بتمعن يحفر ملامح وجهها المغرم بسحرها: – حجك عليّ يا زينة الستات والله ما جصدت ازعلك بس أني لساتني زعلان من اللي حصُل للمحصول حجك عليّ وأني جادر اتحمل اللخسارة كيف ما جالوا دهباتك دول تتزيني بيهم يا ست النچع وملكة جلبيّ العاشج ليكي متشتغليش بالك بأي حاچة ولا تاخدي على خاطرك منيّ.
ابتسمت من بين دموعها التي سالت منذُ أن ضمها في عناقه العاشق الذي جعلها تنسى كل ما يزعجها تحت تأثيره هواه بها تفكر في حنانه المبالغ عليها، تمسكت بطرف جلبابه بقوة وهمست بنبرة متلعثمة: – مجدرش ازعل منيك أني خابرة أنك معتجصدش إكده وأن لساتك زعـ..
لم يدعها تستكمل حديثها عندما شعرت بحنان لمساته وهمساته التي تظهر مدى عشقه لها وكأنه يخبرها أنه يحتاج الآن اقترابها لكن دون أن يتفوه بذلك، بدأ يلثم عنقها بقوة عدة مرات ليتخلص من غضبه دون أن يشعر بأنينها المتأوه بين يديه، ازداد تمسكها بجلبابه محاولة أن تتحمل طاقة غضبه القاسية التي تخرج مع قبلاته مغمضة عينيها بقوة، لكنها لم تستطع الصمود كثيرًا أمام موجة غضبه المهتاجة فهمهمت باسمه عدة مرات لعلها تجعله يستعيد وعييه وعقله من جديد:
– عـ..عـمـران…عـمران. تطلع داخل عينيها التي عادت تفتحهما مرة أخرى ورأى الوجع الظاهر عليها فأردف نادمًا متأسفًا بتعقل قابضًا فوق يديه بقوة ليهدأ رغمًا عنه: – حجك عليّ وچعتك والله ما كنت جاصد. عينيه تفترس عنقها الذي اصطبغ بالكامل باللون الأحمر القاني، التقطت أنفاسها بصعداء هاربة من نظراته حتى لا تؤكد حديثه على الرغم من صِحته: – لاه مفيش حاچة وچع خفيف أني لساتني مش متعودة. أجابها بأسف يكرر حديثه بعدما استطاع أن يلجم غضبه:
– أني اللي محستش بحالي ووچعتك غضبي كان عيعميني. أنهى حديثه واضعًا يده فوق خصرها وسار بها نحو الفراش داخل حضنها مشددًا عليها بضراوة هامسًا بعشق: – مرايدش غير أن أفضل چارك العمر كله راحتي موچودة چوة حضنك وراحة جلبي موچودة بوچودك معايّ يا عهد جلبي اللي اتكتب عليه واتحجج بعد وچع كبير. ابتسمت بسعادة لم تتخيل أن هناك مَن يعشقها بتلك الطريقة شاعرة بشفاء قلبها من جميع جراحه والتخلص من ندباته أيضًا لتبدأ معه بقلب صافٍ قادر على تقبل عشقه مبتهجًا مثل الآن، وقد عادت روحها تتزين من جديد بادلته احتضانه بقوة هامسة:
– وأني هفضل چارك وعمري ما هجدر أهملك يا عمران.
طبع قبلة حانية شغوفة فوق جبهتها يؤكد لها كم هو عاشق ولهان أضناه وجع الهوى وظل متمسكًا بها لينال عناق دافئ مثلما يحدث الآن بعدما ساعده القدر تلك المرة مشفقًا عليه وعلى انتظاره الذي طال دون أن يهتز حبها داخل قلبه الهاوي لها الذي لن يسعد سوى بوجودها، وها الآن قد تحقق ما كان يحلم به ليلًا ومساءً، باتت تقبع داخل حضنه برضا تام مستسلمة لموجات عشقه بعدما فكرت ووجدت أن وجودها جنبه أصبح يسعدها ويمحي أوجاعها دون ترك ندوب لروحها بعدما سلمت له مفاتيح قلبها ليخترق حصونها المنيعة ويكتب حبه بداخلها بأفعاله الرجولية التي تثبت عشقه قبل حديثه المغرم المعسول
الذي يداوي كل ما بداخلها مثلما تفعل معه هي الأخرى تحاول تعويضه عن العذاب الذي رآه في حبها وتنطفئ نيران قلبه التي وصلت لأقوى مراحلها وهي مبتعدة عنه لينال من نعيم اقترابها الذي كان حلم مستحيل. ❈-❈-❈
في الصباح انطلقت إيمان مسرعة نحو منزل عائلة الجبالي بالرغم من تعبها الظاهر لكنها تحاول الوصول سريعًا قبل زوجها حتى ترى عهد وتخبرها بالحديث الذي يدور عنها بين أهالي النجع، توجهت نحو الداخل صائحة بنبرة مرتفعة من بين أنفاسها اللاهثة نتيجة سرعتها وتعبها الواضح بسبب حملها وبطنها التي برزت قليلًا:
– عـهـد…يا عـهـد تعي ياخيتيّ. نزلت عهد مسرعًا ترمقها بدهشة وأقترب منها متسائلة بتعجب وقلق: – في إيه يا إيمان ايه اللي حُصل؟ أشارت لصفية التي آتت هي الأخرى لارتفاع صوتها أن تحضر لها المياه وأسرعت تعطيها إياها معقبة بهدوء: – خدي نفسِك ياحبيبتيّ واجعدي خدي نفسك وجوليلي ايه اللي حصُل جلبي اتوغوش عليكيّ. ارتشفت قليلًا من المياه محاولة أن تلتقط أنفاسها اللاهثة بنبرة مرتفعة وغمغمت بتوتر والرعب يسيطر على قلبها: – في حديت عِفش عيدور عليكي بين أهل النچع مخابراش مين اللي جاله.
انتبهت لها بجميع حواسها وتسارعت دقات قلبها وكأنه سيفر هاربًا وكأنها تعلم ما حدث وما الذي يدور عليها لا تعلم كيف خرج الحديث من فاهها متسائلة بخفوت: – عيجولوا ايه عنيّ. تطلعت إيمان نحوها بتوتر ولا تدري كيف تخبرها مغمغمة بتوتر خافت: – هـ… هما عيجولوا يعني أ.. أنك.. صمتت ولا تعلم كيف تخبرها تخشى أن يصيبها شيء بعدما تعلم لم تكن أن أصابها الأسوأ عندما وقفت منذُ أيام هاوية لأكاذيبهم أمام زوجها همهمت بجدية ونفاذ صبر تشعر باشتعال قلبها بقوة:
– جولي يا إيمان عيجولوا ايه جلبي هيجف. حاولت أن تحث ذاتها على التحدث مبللة أطراف شفتيها بخوف وأردفت حديثها مسرعة شاعرة بثقل كبير فوق قلبها الحزين على حالها: – جالوا إنك خاطية وإنك حِبلة من راچل غير سي عمران وكل الناس هيرددوا الحديت الماسخ دِه. لطمت فوق صدرها بقوة صارخة بلوعة والدموع تنهمر من وجنتيها: – يا مُرك يا عهد يا مُرك وجعة مجندلة ووجعت على راسيّ، جلبي هيجف يا إيمان. أنهت حديثها بنبرة متلعثمة باكية ملقية بذاتها داخل أحضانها وانهمرت دموعها باكية بغزارة، شددت من احتضانها محاولة أن تهدءها بضعف:
– متزعليش حالك إكده وأني هتحدت مع سي عمران أنتي معتعمليش إكده. أكملت حديثها متسائلة بقلق: – أنتي حِبلة صُح يا عهد؟ حركت رأسها نافية من بين دموعها التي لم تتوقف إلى الآن، وازدادت ضرباتها حدة وعنف فوق وجنتيها صارخة بلوعة: – منكم لله ربنا ينتجم منيكوا، عمران هيهملني إكده وأني معِملتش حاچة. سرعان ما تجمد جسدها وفرت الدماء هاربة منها عندما استمعت إلى صوت حازم شقيقها الغاضب والجمود مرتسم فوق وجهه: – ده أني هجتلك وأشرب من دمك هجطع خبرك يا فاچرة.
جذبها بقوة عنوة لتقف أمامه قابضًا فوق ذراعها بغضب مغمغمًا بحدة: – عتفچري يا بت الكلب وتچيبلنا العار. حاولت الفرار من قبضته المؤلمة مغمغمة بجدية وهي ترمقه دون خجل: – ملكش صالح بحالي هملنيّ. دفعها بقوة نحو الخلف أسقطها أرضًا مغمغما بحدة ويده تقبض فوق عنقها بقوة مانعًا وصول الهواء إليها: – ده أني هجتلك واغسل عاري بيدّي يا فاچرة.
تضع يدها فوق يديه بارتعاش تحاول الدفاع عن ذاتها شاعرة بالضعف يجتاح جسدها المرتعش تحاول أن تبعده عنها لتلتقط أنفاسها المكبوتة بسبب قوة قبضته لكن باتت محاولاتها بالغضب، اعتلت صرخات إيمان برعب وهي ترى هيئتها الضعيفة بملامح وجهها الشاحبة وشفتيها اللتان تحولان للون الأزرق الباهت تحت أنظار جميع العائلة الشامتة بها، متشبثة بذراعه بقوة تحاول منعه برجاء باكية بوهن: – حازم أحِب على يدّك هملها عهد خيتك معتعملش إكده. لم يهتم بحديثها وازداد من ضراوة قبضته حول عنقه فأغمضت عينيها بوجه شاحب بضعف مستسلمة لمصيرها السيء وظلمها، ازداد بكاءها بانهيار تام صارخة فيه بضعف:
– بزياداك يا حازم هتجتلها في يدّك خيتك زينة هملها. ولج عمران في ذلك الوقت وتفاجأ بهئيتها الشاحبة في قبضة ذلك الوغد وهي تنازع لتلتقط أنفاسها بين يديه طالبة منه الرحمة لكنه لم يفعلها والدماء تهرب من جسدها وشفتيها أصبحت باللون الأزرق، اندفع نحوه غاضبًا دفعه بقوة نحو الخلف ليبتعد عنها وعينيه ترمقه بغضب جامح كما لو أنه سيقـ,ـتله في الحال، وأسرع يلتقطها داخل أحضانه العاشقة وقلبه سيتوقف من لوعته عليها، أعطاها بعض من المياه وحملها يضعها فوق الأريكة مغمغمًا بحنان وهو يشدد من احتضانه عليها:
– اهدي يا حبيبتي هتُبجي زينة، دَكتور بسرعة. همست تمنعه بهدوء من بين أنفاسها اللاهثة بضعف: – لاه يا عمران أني زينة خلاص متجلجش عليّ. ازداد من ضمه عليها شاعرة بغصة قوية تعتصر قلبه الذي شعر باهتزازه مرتعبًا بعدما عاش ذلك الشعور السيء، لو كان تأخر قليلًا كان فقدها، ظل على حالته كما هو يحتضنها بضراوة يحاول أن يجعل قلبه يهدأ يخبره أنها بجانبه، فاق من تلك المشاعر الضارية التي سيطرت عليه على صوت والدته المتهكم:
– سيبك من اللي عتعمله دلوك سمعت الحديت اللي داير على مرتك، سمعة العيلة عتتمرمغ فالوحل بسببك تستاهل جطع رجبتها، اجتلها واغسل عارك بيدّك. هدر بها بعنف حاد أخرسها: – أمّا ملوش عازة حديتك. استجمع شتات ذاته من جديد نهض بهيبته المعتادة واقفًا أمام شقيقها يجذبه من أطراف جلبابه يجذبه منها بعنف غاضبًا: – الله في سماه لاجتلك دلوك عاملي حالك راچل ورايد تجتلها ده أني اللي هجتلك ياوِلد المركوب. لم يشعر بذاته سوى وهو يلكمه بعنف ألقاه أرضًا وركله نهضت تحاول أن تفصل بينهما معقبة بضعف:
– عمران خلاص همله يروح لحاله عشان خاطري. وقفت أمامه تبعده عن أخيها لتحاول أن تجعله يهدأ من موجة الغضب الجامحة التي سيطرت عليه ليعود يحتضنها من جديد بعشق ضاري يسيطر على قلبه المنهك سامحًا له بالذهاب لأجلها..