“بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.”
كلمات أطلقها المأذون كانت بمثابة بداية جديدة وحياة جديدة برفقته.
علمت أن بعد الصبر عطاء، وكان عطائي قصي.
كان رجلًا بكلمة حق، رغم شهامته ووسامته إلا أني وقعت في حبه وما كنت أدري بهذا الشيء إلا حين أصبح حلالي.
أتذكر عندما أخبرني بعد خطوبتنا عن ذلك اليوم الذي انهرت فيه:
“كنت خايف ومرعوب، كنت عاوز أروح أقتـ,ـله علشان وصلك للحاله دي… مكنتش عارف مالي غير إني كنت خايف عليكي. حتى خوفت عليكي من نفسي وندهت لطنط منال تجيلك.”
حينها علمت أن اختياري له لن أندم عليه طيلة حياتي.
واليوم، بعد مرور سنة، أمسكت في يدي اختبار حمل، وكانت المفاجأة… والعطاء خطين يزينون الاختبار.
شعرت بالسعادة، كنت أبكي من فرط فرحتي وحمدي لربي.
تذكرت عندما كانت حماتي تقول إن العيب فيني وليس في ابنها، حتى أصبحت تلك الكلمات تلتصق بعقلي كالصمغ… فرديت بالواقع.
“أنتِ بتعيطي؟”
ثم أكمل حديثه وهو يأخذني في حـ,ـضنه ويطبطب علي ظهري بحنو:
“يا بنتي بقى أربعه وعشرون ساعة عياط؟ ده أنا تعبتلك والله.”
خبطته بخفة في كتفه، فتأوه باصطناع.
ابتعدت عنه قليلًا وأنا مازلت في حضـ,ـنه، ورفعت يدي أمام عينيه بالاختبار. وكانت المفاجأة:
“ده إيه ده يا جويرية؟ اختبار مخدرات؟!”
تدرون نظرات الصدمة والاستغراب والغضب والتفاجؤ في عين واحدة؟
هذه كانت حالتها.
“اختبار مخدرات؟!”
ثم أكملت حديثي وأنا أبتعد عنه:
“أنا خايفة عيالي ياخدوا الغباء منك.”
أمسك يدي وهو يضحك:
“طب إيه ده؟ فهميني.”
“اختبار حمل يا قصي… بوظت المفاجأة.”
“هي نوسة حامل؟ عملتها إزاي دي؟”
“قصي!”
“عيون قصي.”
“حاسه إني اتسرعت.”
“واللي في بطن…”
لحظة يا جماعة لحظة الحمد لله لقد تدارك الوضع.
“أنا حامل!”
ضحكت جويرية بخفة:
“أيوه.”
حملها على حين غفلة، ودار بها وهو يضحك ببلاهة حرفيًا ما بعد الغباء.
أنزلها وابتسامته واسعة:
“أنا أسعد إنسان في الدنيا.”
قال كلماته وهو يدور بها مرة أخرى تحت ضحكاتها.
_
“إيه يا حبيبي؟ مجمعنا ومقعدنا ليه ومحدش راضي يتكلم؟”
كان قصي وزوجته يجلسان في الحديقة، وأمامهم منال ونوسة.
نظر قصي لجويرية، والإثنان أردفا في نفس الوقت:
“أنا حامل.”
“أنا حامل.”
تدارك قصي الوضع وأردف:
“هي حامل.”
أطلقت منال الزغاريط، ثم أردفت نوسة بابتسامة:
“هي فيها صحة… أنا مفياش.”
ضحكوا جميعًا على حديثها، واقتربت منهم منال وهي تحـ,ـضنهم بقوة.
في تلك الأثناء، تلاشت ابتسامة قصي، وحل الغضب على وجهه عندما رأى والديه يدخلان من العمارة.
لاحظت جويرية تجهم وجهه، وعندما دققت في ملامح والده علمت أنه والده لأنه يشبهه إلى حد كبير. وبالتأكيد التي معه هي والدته.
تركها قصي ووقف أمامهم.
اقتربت منه والدته بدموع، أرادت أن تضمه إلى حضـ,ـنها، لكنه أوقفها بيديه.
“خير… جايين ليه؟”
اقترب منه والده وأردف بصرامة:
“مكناش نعرف إنك هنا، وأكيد لو كنا نعرف مكناش جينا هنا وشوفنا أشكالك.”
اقتربت منه جويرية ومنال ونوسة، فرأى والده اقتراب جويرية منه وهي تمسك يده لتطمئنه أنها معه.
ارتسمت ابتسامة على وجه والده بسخرية، وأردف:
“ودي واحدة طبعًا من اللي بتقضي معاهم ليلة ولا إيه؟ مانت *** معرفتش أربيك.”
رن صوت الكف في المكان.
والده وضع يده على وجهه بصدمة وغضب، ورفع أنظاره ناحية الفاعل…
كانت نوسة، التي رفعت حذاءها أمام وجهه، وأردفت بعصبية:
“ابنك أشرف من الشرف، أنت فاهم؟ أنت اللي ***.
لو ابنك مش هيعرف يرد عليك، أنا اللي هرد عليك يا راجل يا ***.
لو شوفتك هنا تاني، يا راجل يا ***، هخلي وشك شوارع. أنت فاهم؟ يلا امشي من هنا!”
كاد أن يرفع يده عليها، لكن قصي أوقفه عندما أمسك يده:
“لو سمحت، خد مراتك وامشي من هنا.”
“مش ماشي يا قصي… بصفتك مين هتمشيني؟ وشوف هتمشيني إزاي. ولا عاوزني أمشي علشان مشوفش فشلك؟”
اقتربت منهم منال وأردفت:
“بصفته مالك العمارة دي. العمارة بتاعة قصي ابني. والحمد لله قصي مش فاشل… عنده شركة صغيرة وبيكبرها، وهو صديقه، والعمارة باسمه، والناس بتحبه. ومسمحلكش تقول على ابني فاشل.”
صدمهم جميعًا حديثها، فاقتربت منه والدته وأردفت:
“وأنتي بتتدخلي ليه أصلًا؟”
“بتتدخل بصفتها أمي اللي ربتني في الست سنين اللي عدوا عليا. ولو سمحتوا، ملكوش مكان هنا.”
أخذته جويرية وصعدت به إلى طابقهم، وحين أغلقت الباب، أخذته في حضـ,ـنها وربتت على ظهره.
شعرت بدموعه على كتفها، فبلعت ريقها بتوتر، فهي لم ترَ زوجها يبكي من قبل.
“كنت فاكرها هتاخدني في حضـ,ـنها… كنت فاكرها هتعاند وتضمني أكتر لحضـ,ـنها. خايف لأكون كرهم… لو كرتهم، هكون كده ابن عاق.”
قالها وهو يبعد عنها ببطء، فأمسكت وجهه بين كفيها ومسحت دموعه برفق وهي تبتسم:
“أنت أفضل ابن شوفته في حياتي. وبحسد ابني أو بنتي إن عندهم أب زيك يا قصي… أنا بحبك أوي.”
ضمتها مرة أخرى لحضـ,ـنه، فابتعد عندما سمع طرقات على الباب.
فتح، فرأى منال، فاقتربت منه وهي تضمه:
“طول عمري بشكر ربنا إنه بعتلي ابن زيك يا قصي.
أنت أفضل وأحن وأغلى نعمة في حياة أي إنسان يا قصي.”
“يوووه بقى! كل شوية ألاقي واحدة شكل بتحـ,ـضنه.”
قالتها نوسة وهي تدخل الشقة.
ضحكت جويرية وضمتها:
“بس إيه الحلاوة دي يا نوسة؟ بجد الكف رن في المكان!”
“عاوزاني أسمع حد بيهين جوزي وأسكتله؟ وبعدين أنا كنت متضايقة أصلًا.”
“ليه كده؟”
“أصلك خطفتي جوزي.”
ضحكوا جميعًا بسعادة، فضمها قصي إلى حضـ,ـنه:
“وأنا أقدر يا كوتي؟ إنتي دنتي الحتة الشمال.”
“بجد يا ولا؟”
“بجد يا عيون الولا.”
أردفت جويرية بعبوس مصطنع:
“قصي.”
“عيونه.”
ابتسمت بخجل، فأردفت نوسة وهي تمصمص فمها:
“شوف شوف يا ولاد… مكسوفة.”
ضحك قصي وأردف بهيام.
“إذا ما خَفَضتِ الطَّرفَ سِترًا لخَجْلِكِ
ظنَنْتُ النُّجومَ انْطفَتْ مِن جَمالِكِ
ويَحسَبُ بَدرُ اللَّيلِ أنَّ ضِياءَهُ
مُعارٌ، وقد أودَعتِهِ في وَصالِكِ
فلو أبصَرَتْكَ الشَّمسُ غارتْ ضياؤُها
وما ضَحِكَتِ الدُّنيا سوى لِخَيالِكِ”
.. تمت بحمد الله..