” حضرتك احنا مستشفي (..) اخت حضرتك عملت حادــ,,ـث وهي دلوقتي في اوضة العمليات ..” سهم آخر تلقاه صدره الذي لم يكن ينقصه عذاب آخر و ها هو قدره لم يشفق علي ألمه العميق و لا جراحه النازفه و يرسل إليه خبر حادــ,,ـث شقيقته التي كانت بمثابة طفلته الجميلة التي ما قسي عليها إلا ليهذبها و يعيدها الي طبيعتها الحانيه و المسالمه. و لكنه الآن يهرول في المشافي بحثا عن غرفتها و قيود العذاب و الندم تكبل قدماه الذي يشعر و كأنها لم تعد قادره علي حمله .
أخذ يتلفت يمينا و يسارا كطفل تائه يبحث عن وجهه آمنه ترشده الي طريقها و داخله يتضرع الي ربه بأن يحفظها و لا يريه بها أي مكروه فهذه المرة لن يستطيع إحتمال ألم الفراق فسيسقط قلبه صريعا قبل جسده . *************** لا أعلم ماذا يحدث لي أمام حزنها الفاتن و ملامحها التي لا يليق بها الوجع و لا يقدر علي محو تفاصيلها الرائعة التي تجذبني إليها كما تجذب ألسنة اللهب الفراشات .
كان ينظر إليها بعينين تفيضان بحب لم تفصح عنها الألسن ولم تفطن له القلوب بعد . كان هناك شعور قوي يتوغل إلى أعماقه شعور يخصها وحدها بالرغم من قله اللقاءات بينهم إلا أن القدر دائما ما يلقي بها في طريقه خاصة و هي في قمة ضعفها الذي يتسرب الي داخله فيوقظ به غريزة الرجل في حماية أنثاه
” انتي طلعتيلي منين وايه حكايتك ؟”
هكذا تحدث ياسين و هو يناظر تلك التي كانت تستلقي علي السرير و الضماد يغطي ذراعها الأيمن و قدمها اليسري وبعض اللاصقات واحده فوق حاجبها الأيسر والأخرى تحت صدغها و بالرغم من ذلك كانت ملامحها الجميلة لازالت تأثره .
” كان ناقصني مشاكل في حياتي عشان تظهريلي انتي ؟ و الغريب اني سايب كل حاجه و قاعد جنبك !”
أخذ جرعة كبيرة من الهواء داخله و تابع النظر إليها قائلا
” حاسس اني اعرفك من زمان يا حلا .. ”
تابع ترديد اسمها من بين شفتيه و كأنه يتذوقه
” حلا .. اكتر حد قابلته اسمه لايق علي ملامحه و كأنه متفصل عليه. حلا وانتي حلا و أكيد ظهرتيلي عشان تحلي حياتي بوجودك .” هكذا خرجت الكلمات من بين شفتيه بينما عيناه تطوف فوق ملامحها الجميله الهادئه و حين توقفت عيناه أمام شفتيها تفاجئ بها تنطق اسمه برقه و لهجه خافته
” دكتور ياسين !”
تجمد للحظات بمكانه بينما عيناه التقت بخاصتها في لحظه خاطفه تجاوزها بثباته المعهود و سرعان ما استعاد رباطة جأشه و هب من مقعده يرسم ملامح السخرية علي ملامحه و تجلي ذلك بصوته حين قال
” أخيرا فوقتي . يا اكتر بيحب المصايب شفته في حياتي ”
جعدت ما بين عيناها و أخذت تنظر حولها ثم استقرت نظراتها فوقه و هي تقول بعدم فهم
” هو حصل ايه؟ و ايه الي جابني هنا ؟ ”
رق قلبه لحالها و ضياعها الباد في عيناها و إن كان أخذ منحني الهجوم قبل قليل فذلك عقابا لها علي استيقاظها في لحظه ضعف خاصة به. لذلك أجابها بلهجه هادئه لم تخلو من التوبيخ حين قال
” انتي عملتي حادــ,,ـثه كبيرة و الحمد لله ربنا نجاكِ. ”
تمتمت بخفوت
” حادــ,,ـثه”
ياسين بتوبيخ
” و مستغربه كدا ليه. دا نتيجة طبيعيه لسواقتك المتهورة دي . انتي تقريبا كنتي طايرة بالعربيه .”
تقدم يجلس علي المقعد بجانبها و هو يقول بخشونه
” ازاي تبقي مندفعة و غير مسئولة بالشكل دا؟ انتي كنتي فعلا هتمــ,,ـوتي نفسك . دا غير الأذي الي كان ممكن تتسببي فيه لناس ملهاش اي ذنب . تقدري تقوليلي ايه في الدنيا يستاهل تأذي نفسك و غيرك بالشكل دا ؟” تجاهلت ألمها الذي بدأ يطرأ علي ملامحها بمجرد أن جعلتها كلماته تعود إلي واقعها الأليم و قد عاد إليها عذابها و الذي خرج علي هيئه كلمات محمله بعبرات توحي بمقدار ما تشعر به
” لما يخذلك أقرب الناس ليك وقتها مش هتبقي باقي علي حاجه أبدا.”
لم تخترق جملتها اعماق فؤاده هو فقط بل استقرت بقلب ذلك الذي كان يقف أمام غرفتها التي وصل إليها لتوه و ما أن أوشك علي الدخول حتي توقف حين وقعت كلماتها علي مسامعه فشعر بقلبه ينشطر إلي نصفين فكل ما حدث مع شقيقته الغاليه هو السبب به و ها هي كانت قاب قوسين أو أدني من المــ,,ـوت لولا رحمة الله التي انقذتها و انقذته من عذاب لم يكن يحتمله أبدا ..
لم يتثني له الرد فقد انفتح باب الغرفة علي مصرعيه و دخل رجل طويل بملامح حادة و عينان يشوبها حمرة فانيه كانت أهم ما يميزه يشبهان جمرتان آتيه من الجحيم لا تهدآن ابدا. و قد نال منهما نظرة لا يعلم هل كانت متوعدة ؟ أم عابرة ؟
تجعدت ملامحه رغما عنه حين وجد سليم يقترب من حلا و يأخذها بين ذراعيه قائلا بلهجه مرتعبه
” حلا .. انتي كويسه ؟”
تفاجئت حلا من دخول سليم إلي الغرفة و رغمًا عنها انفلت زمام دموعها التي سقطت بغزارة حين عانقها و تحدث بتلك النبرة التي كان يطغو عليها القلق فلم تستطيع منه دموعها و لا الإنفجار الذي لاقي صدي كبير بصدره فأخذ يشدد من احتضانها وهو يقول بصدق
” حقك عليا يا حلا . حقك عليا ”
ازداد نحيبها و قد آلمها هذا كثيرا فخرجت منها آهات جعلته يرتد للخلف يناظرها بعينان إرتسم بهما القلق الذي تجلي في نبرته حين قال
” حاسه بأيه ؟ في ايه بيوجعك ؟”
تراجعت للخلف قليلا و قالت بألم
” دراعي واجعني و رجلي كمان . و حاسة بصداع فظيع ” قام سليم بتعديل الوسادة خلفها و بمنتهي الرقه والحنان قام بإرجاعها حتي تستلقي براحه و نهض من مكانه وهو يقول
” هنادي على الدكتور عشان يشوفك ”
أخيرا تجاوز ياسين تلك الغصة القابعة بحلقه و قال بخشونة
” الألم دا شئ طبيعي بالنسبة لحالتها .”
التفت سليم يناظره قبل أن يتوجه إلي حيث يقف و حين أصبح أمامه مد يده يصافحه وهو يقول بامتنان
” انت دكتور ياسين الي لحقتها و جبتها علي هنا ”
تفاجئ ياسين من معرفته بالأمر و لكنه لم يعلق بل اكتفي بمد يده إليه و هو يومئ برأسه فتابع سليم بإمتنان
” انا سليم الوزان اخو حلا.. حقيقي مش عارف أشكرك ازاي . ”
قاطعه ياسين الذي ابتسم بتحفظ قبل أن يقول
” متشكرنيش يا سليم بيه .اي حد مكاني كان هيعمل كدا . حمد لله علي سلامتها ”
” الله يسلمك . انت فعلا انسان محترم . و ابن اصول . و أنا سعيد اني اتعرفت عليك . و لو احتاجت اي حاجه في أي وقت كلمني ”
ياسين بتحفظ
” شكرا ليك . انا مضطر أمشي دلوقتي. حمد لله علي سلامتها مرة تانيه ”
اومأ سليم برأسه و ابتسم بلطف بينما توجه ياسين للخارج دون أن يلتفت إليها مما جعلها تشعر بحزن لا تعلم سببه فأغمضت عيناها بتعب و لكنها شعرت بلمسه حانيه من يد سليم الذي قال بإهتمام
” لسه تعبانه .
انادي عالدكتور ؟”
اومأت حلا برأسها بنفي و قالت بتعب
” مش اوي . انا بس عايزة انام . ”
سليم بحنان
” نامي و إرتاحي يا حبيبتي. ”
لامست كلماته قلبها فرفعت رأسهت تبتسم له و بدأت تذهب في ثبات عميق و لكن قبل أن تغفو تمتمت بخفوت
” بلاش تقول لماما يا سليم .”
سليم بحنان
” نامي يا حبيبتي و إرتاحي و متشغليش بالك بأي حاجه ..” ****************
كانت جنة مستلقيه علي السرير بإحدي عيادات طب النساء و كانت الطبيبة تمرر الجهاز فوق بطنها التي انتفخت قليلا بينما هناك شاشه في منتصف الغرفه كانت تجلس أمامها أمينه التي كانت كل خليه بها ترتجف و هي تري تلك الصورة المجسمه التي تظهر ذلك الكائن الصغير التي علت دقات قلبه فجأة مما جعل العبرات تقطر من مقلتيها تأثرا بذلك الصغير الذي يحمل رائحه فقيدها الغالي الذي لا تزال خسارته تؤلم روحها و قلبها .
أنهت الطبيبة الكشف و توجهت إلي مقعدها بينما كانت إحدي الممرضات تساعد جنة في ارتداء ملابسها و ما أن انتهت حتي توجهت تمسك بيد أمينه التي كانت ترتجف و مظهرها يوحي بمدي تأثرها فصدمت جنة حين رأتها بتلك الهيئة المبعثرة و هنا أدركت بأن هذه المرأة ليست بتلك الصورة الجامدة التي تبدو عليها فبداخلها قلب رقيق يتأثر و يشعر . تقدمت أمينه و بجانبها جنه التي جلست أمام الطبيبة التي قالت بمزاح
” ايه يا مدام هتسمي ولي العهد ايه بقي ؟”
تحدثت أمينه بلهفه
” ولد يا دكتورة ؟ جنة حامل في ولد ؟”
الطبيبة بإحترام
” ايوا يا حاجه ولد . ”
خرجت كلمات الشكر من قلبها قبل شفتيها
” احمدك يارب . الف حمد و شكر ليك يا رب . حازم الصغير جاي في الطريق . ”
لا تعلم لما شعرت بغصة مؤلمه داخل صدرها و لكنها تجاهلتها و وجهت أنظارها الي الطبيبة و قالت بلهجه مهتزة
” طمينيني يا دكتورة البيبي وضعه ايه ؟”
” لا الحمد لله عال وأنا هغيرلك الفيتامينات و خلاص مبقاش محتاجين المثبت دلوقتي انتي داخله في الشهر الخامس عايزينك بس تهتمي بأكلك اكتر من كدا و طبعا نبعد عن التوتر و العصبية و أي ضغوطات نفسية مش عايزين البيبي ييجي عصبي .”
ابتسمت جنة بلطف و أخذت تستمع الي تعليمات الطبيبة بإهتمام الي أن انتهت فأمسكت بيد أمينة و توجهوا للاسفل و مازالت كفوف العجوز ترتعش تأثرا و ضرــ,,ـبات قلبها التي كانت تدق بعنف شعرت به جنة فإلتفتت تنظر إليها قائله بإهتمام
” حاجه أمينة انتي كويسه؟”
امينة من بين دموعها
” كويسه! . دانا بقالي كتير مكنتش كويسه زي النهارده يا جنة ”
ابتسمت جنة و لم تعلق فتابعت أمينة التي توقفت و أخذت تناظرها بامتنان يخالطه حزن دفين و جرح عميق
” شكرا يا جنة. انتِ حييتيني مرتين . مرة لما أنقذتي حياتي و مرة لما خلتيني اشوف حفيدي و أحس بوجوده . انتي لو طلبتي الباقي من عمري معزهوش عنك ابدا ..”
اختتمت أمينه جملتها و انخرطت في نوبة بكاء حادة رق لها قلب جنة كثيرا فاقتربت منها تحتضنها بقوة لا تعلم من أين اتتها فقد كانت تريد التخفيف من عذاب تلك السيدة و تريد الاطمئنان الي جانب أحدهم . كان الشعور بالإحتياج متبادل و رغما عنها وجدت عبراتها تتساقط من عيناها فقد لامس أنفها رائحه والدتها الراحلة و قد تمنت في تلك اللحظة لو تكون علي قيد الحياة ..
أخرجهم من تلك اللحظات زامور سيارة مروان التي كانت تقف أمام البنايه في انتظارهم فتراجعت جنة للخلف و هي تناظر أمينه بخجل فتحدثت الأخيرة بنبرة مبحوحة من فرط البكاء
” يالا علشان منخليهوش يستني كتير و هناك في البيت نبقي نكمل كلامنا .” اومأت جنة برأسها و تقدمت تمسك بيد أمينة إلى أن وصلوا إلى السيارة فتوجه مروان ليفتح الباب الي أمينه و قد كانت نظراته لا تفسر فسألت الأخيرة قائله
” في حاجه يا مروان ولا ايه ؟”
مروان بلهجة جافة
” لا يا مرات عمي مفيش حاجه . هيكون في ايه ؟” شعرت أمينه بوجود خطب ما و لكنها لم تتحدث اكتفت بالصعود الي السيارة بينما توجهت جنه للكرسي الأمامي و لكنها تفاجئت باقتراب مروان منها و الذي قال بصوت خفيض وهو يمد لها هاتفه خلسه
” اكتبي رقمك . هبعتلك عليه رساله ضروري .”
تفاجئت جنة من حديثه و لكن نظراته أخافتها فكتبت رقم هاتفها و ناولته إياه فأخذه و التفت يجلس بكرسي السائق و أخذ يعبث بالهانف قليلا فوصلتها رسالة نصية برقت عيناها حين رأتها
” اوعي تبيني اي حاجه علي وشك و تتعاملي عادي . حلا عملت حادــ,,ـثه كبيرة و هي في المستشفى. مش عايزين مرات عمي تحس بحاجه خلي بالك منها و من ريتال النهاردة..” التفتت تناظره بصدمه و لا تعلم ماذا عليها أن تفعل فقامت بكتابة رسالة نصية فحواها
” انت بتقول ايه حادــ,,ـثه ايه ؟ طب هي عامله ايه دلوقتي ؟ و مين معاها ؟ ”
كان مروان يراقبها و ارتسمت تعبيرات السخرية علي ملامحه و لم يجيب علي رسائلها بل زفر بحنق و رفع أنظاره إلي ريتال الجالسه في الخلف و قال بتهكم
” ربنا ادانا العقل عشان نستخدمه يا ريتال . هرد علي الرسايل ازاي و أنا سايق يا اغبي اخواتك ؟” تفاجئت ريتال من حديثه و قالت بصدمه
” اي يا عمو و أنا مالي و مال تليفونك و رسايلك؟ ”
مروان بنفاذ صبر
” خلاص يا ريتال انا بس بنبهك. ”
ناظرته جنه بحنق و قالت من بين أسنانها
” والله ما في حد هنا غبي غيرك ”
سمعها مروان فصاح بحنق
” والله انك عايزة ضرــ,,ـب الجزمة يا ريتال ” صرخت الفتاه بإستهجان
” ليه يا عمو هو انا عملتلك ايه ؟”
هنا أدخلت أمينه قائله بغضب
” انت متخلف يا ابني هي البنت كلمتك ؟ ماهي قاعدة تلعب بألعابها اهيه . ايه العبط الي بييجي عالمسا دا ؟”
اغتاظ مروان من حديث أمينه و لم يستطيع الرد و جاءت كلمات جنة الشامتة لتزيد من غضبه حين قالت
” أحسن . ”
خرجت الكلمات منه غاضبه و مضحكه في آن واحد حين قال
” يك احسن في عينك . يا قزمه انتي .” لحسن حظه لم تسمعه جنة التي انشغلت برساله نصية جاءت علي هاتفها كانت من آخر شخص توقعته
” مروان اكيد قالك علي الي حصل لحلا . خلي بالك من ماما و اوعي تحس بحاجه لحد ما نرجع. و مش محتاج أقولك هعمل فيكي اي لو خالفتي أوامري ؟”
اغتاظت من وقاحته و علي الفور قامت بإرسال رد لازع يشبه وقاحته
” مابخدش أوامر من حد و لو هعمل كدا فدا عشان الحاجة أمينه متتعبش و ياريت تطمني علي حلا عاملة إيه دلوقتي ” لم يجبها فقد كان غاضبا للحد الذي يجعله يريد قطع المسافه الي منزلهم و كسر عنقها جراء أفعالها الحمقاء التي دائما ما يدفع ثمنها.
رنين هاتفه أخرجه من شروده فأجاب حين وجد المتصل مؤمن
” اذيك يا مؤمن ؟”
” اذيك يا سليم بيه عامل ايه ؟”
سليم مجيبًا
” تمام الحمد لله . طمني عليكوا ؟”
اختار بما يخبره فأجاب بتوتر
” بصراحه دا الي اتصلت بيك عشانه . يعني عدي وانا كنا عايزين نتكلم معاك شويه لو ينفع تيجي ل عدي المستشفى هو كان عايزك!” سليم بإنتباه
” مستشفي ايه ماله عدي ؟”
مؤمن بإرتباك
” هو كويس . يعني بقي كويس بس عايز يقابلك ضروري . لو ينفع ؟ ”
سليم مقاطعا إياه
” ابعتلي اسم المستشفي يا مؤمن و أنا مسافة السكة و هكون عندك ”
بالفعل أعطاه مؤمن العنوان و التفت سليم واضعا قبلة دافئة فوق جبين شقيقته التي كانت تغط في نوم عميق بفعل المهدئات و المنومات التي تحد من ألمها وقد طمأنه الطبيب على حالها و أنها ستنام للصباح و قد شعر بأن حديث عدي معه حتما سيكون له صلة بها و قد كان يتأمل أن يكون حديثه هذا بداية طريق الراحه لذاته التي سئمت العذاب بكل انواعه
كان في طريقه الي سيارته حين تقابل مع مروان الذي اتي في الحال حتي يطمئن علي حلا فاوقفه سليم الذي قال بخشونة
” تطلع تقعد جمبها لحد ما اجيلك و اياك تسبها و لو
لحظة واحده .” أوشك مروان علي الحديث فاوقفته كلمات سليم المتوعدة حين قال
” و لا كلمه. أنا اساسا مش طايقك و أمنية حياتي دلوقتي اكسر رقبتك فأحسنلك متضايقنيش اكتر من كدا ”
ابتلع مروان كلماته بداخله و رسم ضحكه بلهاء مستفزة علي ملامحه و هو يومئ برأسه مما جعل سليم يناظره بحنق قبل أن ينطلق في وجهته . ***************
كانت تجلس أمام المرآة تناظر مظهرها الرائع و الجديد كليا عليها فقد أصر علي شراء اغلي ثوب بالمحل بل إنه لم يكتفي بثوب واحد انما اشتري العديد من الأشياء التي يعلم بأنها ستعجبها و قد اندهشت كثيرا من كونه يعلم ذوقها الي هذا الحد و بالرغم من أن جميع الأشياء لائمتها إلا أنها كانت تشعر بأنها غريبة عليها. لم تعتد الترف و لا دفع كل تلك الأموال في تلك الخرق البالية .
لم تعتد البزخ في العيش و لم تشعر بأنه يناسبها و لكن حين حاولت الرفض أتاها رده الذي كان بلهجة ناعمة كثيرًا لا تشبهه
” عشان خاطري يا فرح اقبلي مني الحاجات دي . المرادي انا مش بأمرك انا بطلب منك. و بتمني انك متكسفنيش ” بالفعل كان هناك رجاء صامت في عيناه لم تلمحه من قبل! جعل كل مقاومتها تتلاشى و صلابتها تضعُف و قد كان هذا الضعف هو أكثر شئ تبغضه في هذه الحياة و اصبح داءها الذي يلازمها منذ أن عرفته و لكنها الآن اختارت الضعف بملئ إرادتها لمجرد توسل لعين لامسته بعيناه!
من المؤكد أنها تمثيلية إخراجه و تأليفه و تظنه الآن أنه يسهر منها وومن غبائها . تلك الساذجة التي يسيطر عليها ببضع نظرات حانيه متوسلة!
ذلك الرجل أصبح خطرا عليها ينبغي منها الهرب منه و من كل شئ يحمل رائحته . فلا طاقة لها بجرح آخر و لا خذلان آخر فصفعه واحدة في الحياة تكفي !
زفرت بتعب قبل أن تحس قدماها علي الحركة و إرتداء ذلك الوشاح الأنيق من الفراء الثمين الذي لم يمانع صاحبه في دفع الكثير من النقود حتى تتلفح به لليلة واحدة فارتسمت ابتسامة ساخرة علي ملامحها قاطعتها دقات على باب الغرفة كان لها صدى قوي بداخلها وكأن كل قراراتها التي اتخذتها منذ قليل بدأت بالتلاشي حين استشعر قلبها وجوده لذا حاولت أخذ عدة أنفاس متتاليه علها تهدئ من ضجيجها قبل أن تقول بتحفيز
” اهدي يا فرح . الي انتي هتعمليه دا هو الصح . انتي مفكيش حيل لجرح جديد. و المرادي هتكون فيها نهايتك !”
أخذت عدة ثوان للسيطرة علي نفسها قبل أن تتوجه بخطي ثابته الي باب الغرفة و قامت بفتحه لتجد نفسها تقف وجها لوجه مع أوسم رجل قابلته بحياتها . تلك الجملة التي دائما ما تخطر ببالها حالما تقع عيناها عليه و لكنها نفضت عن رأسها كل تلك الترهات و رسمت ابتسامة متحفظة لتتفاجئ من كلمته المازحه مع رفعة من حاجبه الكثيف
” أنسة فرح عمران !”
رغمًا عنها اتسعت ابتسامتها من مزحته و طار تحفظها كالهباء المنثور و لكنها سرعان ما تجمدت علي شفتيها حين سمعت كلماته التي تحوي الكثير و الكثير
“تعرفي ان ضحكتك حلوة و الأحلي منها عنيكِ. خصوصًا لما بيبقوا عاملين كدا ” تاهت بين كلماته و معانيها و ملامحه و نظراته التي كانت تحاوطها بشكل لم تعهده مسبقا و لكنها توقفت عند آخر جملته و قالت بعدم قهم
” عاملين ازاي ؟ ”
أجاب بكلمة بسيطة كانت كفيلة بزعزعة كل شي بداخلها
” صافيين.”
لم تستطع فهم ما يرمي إليه فتابع قائلًا بصوت أجش
” لما بيكونوا صافيين بيضحكوا ضحكه حلوة اوي . وده مبيحصلش غير في حالة واحدة بس”
” اللي هي ؟” كانت تتلهف لإجابه تروي ظمأ قلبها و لكن كالعادة لا يعطيها الجرعة المطلوبه كامله بل نظر إلي ساعته و امتدت يداه تمسك برسغها و هو يقودها في طريقهم الي الحفل قائلًا بفظاظة
” مكنتش مفكرك بتاخدي وقت قدام المرايا زي باقي الستات.”
اغتاظت من وقاحته فعضت علي شفتيها بحنق تمنع سيل من السباب و الشتائم تود لو تمطره بها .
وصلوا إلي الحفل فشعرت بالرهبه لا تعلم السبب لذا قالت بخفوت
” سالم بيه ؟”
أجابها مصححًا بينما عيناه مسلطه علي عيناها بقوة
” سالم بس يا فرح” اومأت برأسها دون حديث فتابع قائلًا بخشونة
” تفضلي جنبي طول الفرح و لو اي حد طلب منك ترقصي معاه ترفضي رفض قاطع و تقوليلي عشان اكسر دماغه. اتفقنا ”
لم تستطيع منع الإبتسامة من الوصول إلي شفتيها و قد كان هذا ما يريده فقد لمس رهبتها من تلك الأجواء و أراد تخفيف وطاة ذلك عليها و لكن ما أن رأى ابتسامتها حتى قال بغزل مبطن
” بلاش عنيكِ يضحكوا الضحكة دي قدام حد ”
نجح في ازاله رهبتها و لكنه زلزل ثباتها فتنهدت بعمق قبل أن يدخلوا الي الحفل الذي لم يكن صاخبًا و لكنه كان ملئ بأناس من المجتمع المخملي يرتدون اغلي و افخر الثياب و الحلي و يدخنون اغلي انواع التبغ الذي كانت رائحته تشعرها برغبة في القيء و لكنها جاهدت حتى تظل بمظهرها اللامبالي و ظلت بجواره حتي انتصف الحفل و لكنها لم تعد قادرة على التحمل فقد شعرت بالإختناق لذا حين وجدته انخرط في الحديث مع مجموعة من رجال الأعمال تسللت خفية إلى الشرفة تريد استنشاق الهواء الطلق الخال من رائحة النفاق الممزوجة بعطور ثقيلة لم يستطيع أنفها تقبلها فتلك الأجواء
تصيبها بالغثيان دائما. كان الهواء عذب يتلاعب بخصلات شعرها الحريرية و ردائها الأسود اللامع الذي يتناسب مع كحلها الفاحم الذي حاوط غاباتها الزيتونية اللامعه و التي انعكس عليها ضوء القمر فجعلها في ابهي صورها أمام عينيه التي تابعت خطواتها للخارج و أرغمته على اللحاق بها فقد كان يتبع وجهة قلبه التي اهتدت أمام عيناها و أسلمت بأنها بره الآمن في هذه الحياة و التي سيحارب بكل قوته حتى يحصل عليها .
” مش خايفه تاخدي برد ؟”