Uncategorized

نوسين1

هزت “نوسين” رأسها بنفاذ صبر، اليائس سيظل يائس مهما مرغت أنفه في وحل من التفاؤل!
ثم أردفت بنبرة ذات مغزى وهي تحرك يدها في محاولة لتهوية وجهها:
-أنا هتمشى خطوتين هنا أشم شوية هوا عشان كلامك طبق على نَفَسي جابلي ضيق تنفس. لم يُعلق بشيء وشرد يحاول تنظيم كم الأفكار المهتاجة التي جعلت من رأسه ساحة لتتطاحن فيها، وكذلك هي.. رفعت هاتفها لتتصل بأحدهم كأول خطوة أوحى لها عقلها أن تسير نحوها. بعد فترة صغيرة..

عادت له بملامح منتفخة منتشية بنصر لم يستطع عمر تخميين ماهيته، ثم سألته مباشرةً:
-لاقيت حل ؟ هز رأسه نافيًا بهدوء:
-لا للأسف. تابعت بنفس ذات النظرة التي شابهت الطاووس حين ينتفخ ريشه:
-أنا بقا لاقيت، تعالى ورايا.
-استني هنا، هو إيه اللي تعالى ورايا، هو أنتي سايقة جاموسة، ولا مديرتي في الشغل ولا حاجة؟ ضيقت عيناها وكأنها تقيمه ثم نفت برأسها:
-لا أنت ماتنفعش. سألها ببلاهه لحظية دون استيعاب:
-مانفعش لإيه؟ أبقى جاموسة؟

-لا دي سهلة أي حد ينفع فيها، ماينفعش تشتغل عندي، أنت نايتي خالص، بونيتين نيموك ساعتين، دا أنت لو خبطت في مفتاح من اللي بنصلح بيهم بالغلط احتمال يجيلك ارتجاج في المخ. كاد يخرج عن طور التحضر والرقي الذي يحاول أن يسلكه معها منذ رآها، وشيطانه يوسوس له أن يتركها وسط هذا الظلام ربما يأكلها ذئب ويرتاح منها ومن لسانها. ولكنه حجم شياطين غ.ضبه بسيطرة تُحسب له:
-هي الأخت شغالة إيه معلش؟ وكالعادة لم يسلم من سلاطة لسانها حين اجابته بفخر تطرف بالمرح:
-شغلانة لو اشتغلتوها تبقوا عُمد.

وقبل أن يتحدث قاطعته بصرامة زائفة:
-هنقعد نرغي كتير لحد ما يجي قاطع طريق يجيب أجلنا احنا الاتنين ونخلص؟! زمجر بنفاذ صبر:
-ياريت، يااارب سارت أمامه وهي تشير له بإصبعها مُحذرة بصوتٍ حازم وكأنها إندمجت في “فيلم الأكشن” و تحاول إتقان دور زعيمة العصابة:
-اسمعني كويس في اللي هقوله بقا عشان مش عايزه غلطة. إلى هنا ولم يحتمل، إنفجر غ.ضبه وبحركة مباغتة قبض على إصبعها بقوة وهو يهدر فيها بغل:
-بت، أنا ساكت وعاصر على نفسي شوال لمون من ساعة ما جمعتنا أقذر ساعة في تاريخ البشرية، فـ اقفي معووج واتكلمي عدل، ماتختبريش صبري أكتر من كدا.

سحبت إصبعها مسرعة وكأنه سيلتهمه في التو، ورددت بنبرة بريئة منخفضة بعيدة كل البعد عن سابقتها:
-مالك بس يا أستاذ، خلي خُلقك استرتش شوية. رفع حاجبه الأيسر يتابع البراءة التي سارعت لتطفو على ملامحها وحروفها:
-دلوقتي بقيت أستاذ، ناس ماتجيش غير بالعين الحمرا صحيح، قولي يلا الحل يا ست العاقلين. غمغمت بصوت مكتوم:
-اللهي تحمر لحد ما تبقى أكبر حمار. سألها بتحذير خفي:
-بتقولي إيه؟ عادت لذات البراءة المُستفزة:
-أنا؟ خالص مابقولش، أنا بس عندي سؤال بسيط خالص، ليه العين الحمرا؟ ليه مش الخضرا مثلًا او الصفرا؟ دا الأحمر لون كيوت.

احمرت عيناه بغ.ضب شابه بركان على وشك الانفجار، فتمتمت مسرعة:
-غيرت رأيي، الاحمر لون زي الزفت. اخذ شهيق بصوتٍ عالٍ، قبل أن يهتف فيها بأخر ذرة صبر:
-قولي الحل. تشدقت على مضض:
-أنا ليا خالة عايشة في اسكندرية، لوحدها وعندها زهايمر، هنروح أنا وأنت نقعد عندها كام يوم، وهنقول إنك آآ…. سألها مترقبًا:
-إني إيه؟
فأجابت مسرعة وكأنها تخشى فرار حروفها الجريئة من حافة لسانها:
-إنك جوزي.
-نعم ياختي!
صاح بها مذهولًا، فراحت تبرر له:

-مفيش حل غير كدا، هي أصلًا بتنسى كتير ولو قولتلها إنك جوزي هتصدقني، وهنقول إن بيتنا حصل فيه حريقة فـ هنقعد عندها كام يوم لحد ما يتجدد، وأنت بليل هتبات في اوضة فوق على السطوح، كأنك في شغل، وطول النهار هتبقى معانا عادي، أصل احنا مش عايشين في امريكا عشان ادخل عليها وفـ إيدي واحد زي القمر واقولها هاي يا أنطي دا واحد صاحبي لسه عرفاه أمبارح، ولا الجيران يشوفوا واحدة شابة جميلة زيي جايه مع واحد غريب وحالي يتوقف، اينعم أنت كدا كدا هتوقفه بس مش مشكلة هبقى اقولهم اتطلقت.

كان متسع الحدقتين، والدهشة تغرق فيهما، متعجبًا من قدرتها على نسج الكذبات بمنتهى السهولة والذكاء! ثم لم يمنع نفسه من القول بتهكم:
-كاااات، هايل يا فنانة، أنتي موهبة مدفونة في الإخراج. كانت ملامحها منعقدة في غ.ضب طفولي بعض الشيء لأنه لم يقدر أفكارها العبقرية، فيما استطرد عمر بجدية وملل هذه المرة:
-هو دا اللي ناقص، إنك تورطيني في جوازة! -إيه يا عم توم كروز حد قالك إني هم.وت وأتجوزك بجد، دي كذبة بيضة عشان مضطرين!
صاحت فيه مغتاظة، فض.رب كف فوق كفٍ وأضاف بحسم:
-لا بيضة ولا سوده، أنا مش هعمل الهبل دا طبعًا.

هنا استخدمت المسكنة الانثوية كأخر سلاح في يديها لمجابهته، وهو يتابعها بغير تصديق، يكتشف فيها مواهب متعددة اخرهم التمثيل البارع :

انت في الصفحة 3 من 13 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى