-لو يرضيك إنك تسيب أنثى وحيدة مكسورة الجناح للذئاب البشرية دول عشان ينقضوا عليها، وذنبها الوحيد إن مشاعرها الطيبة البريئة غلبتها وصعبت عليها وحاولت تنقذك، ماتعملش الهبل دا وأمشي يا آآ.. ثم ضيقت عيناها متسائلة بجدية وكأنها انتبهت لشيء اهم الان:
-أنت اسمك إيه صحيح؟ اجاب بابتسامة مُظلمة ساخرة:
-عمر، عمر يا فنانة. فأكملت بأداءها الدرامي:
-امشي يا عمر، امشي.
هز رأسه نفيًا في قلة حيلة وداخله مؤيد لما تقول حتى وإن كان في ثوب الس.خرية، ومن ثم أخبرها بتهكم:
-لا أمشي إيه بقا، دا أنا لو مشيت بعد العرض المُبهر دا الفنانة ميرڤت أمين تيجي تقيم عليا الحد انتقامًا لتلميذتها الممتازة. في نفس المكان الذي يُقام فيه مباريات المصارعة.. وقف “سلطان” أمام مكتبه، ويداه ترتفع وتهبط ببطء ضاربة المكتب بحدة تنم عن تفاعل مشاعر الغ.ضب والسخط داخله مع أفكار عقله الوليدة في كل ثانية تمر دون أن يجد “عمر” كـ شرارات نارية كاد ينتج عنها إنفجار وشيك يدمر الأخضر واليابس…
فيما وقف ذراعه الأيمن ورجله المُخلص أمامه، يراقب ض.ربات يده شاعرًا أن الض.ربة التالية ربما تكون على وجهه هو ولكن بطريقة أكثر شراسة وقوة بسبب فشله! قطع سيل أفكاره صوت “سلطان” الذي كان هادئ هدوء ما قبل العاصفة:
-يعني مش بس فشلتوا إنكم تحافظوا على وجوده لحد ما يفوق من الاغماء، لأ كمان فشلتوا ترجعوه. فهز الاخر رأسه نافيًا، وحاول القول بثقة أثبتت حروفه المُلجلجة افتقارها حاليًا:
-كلها مسألة وقت بس يا سلطان بيه وهنلاقيه ونرجعه.
فاستدار “سلطان” نحوه متسائلًا بحروف تحوي بين ثناياها الكثير من المعاني:
-أنت عارف لو ملاقيتوهوش، أحنا هيبقى إيه وضعنا؟ اومأ برأسه مؤكدًا، فهو يحفظ قوانينهم عن ظهر قلب:
-عارف يا باشا، هتبقى مصيبة على الكل، لأنه كان مفروض يخسر ويم.وت او يكسب ومكافأة الفوز هتسكته، لكن دلوقتي ممكن يقول أي تفاصيل لأي حد عن اللي بيحصل هنا. هز سلطان رأسه مؤيدًا ما يقول، ثم أضاف عليه بما تُمليه عليه الاحتمالات:
-وكمان البت اللي خدته احنا منعرفش مين دي، وعرفت منين إنه هنا، أكيد في حاجة وراها خلتها تتصرف بالثقة دي وقتها.
وما أن أنهى كلامه حتى أشار بأصابعه في وجهه آمرًا بجمود:
-عايزه يكون قدامي في أقرب وقت وإلا ماتلوموش إلا نفسكم على استهتاركم وفشلكم. بدأت الشمس تُولد من رحم الظلام شيئًا فشيء، لتبزغ بضوءها الخفيف الذي يعطي الجو مظهر يُسر العين وينثر الس.كينة والراحة في النفس.. وصلا بعد فترة بسلام اخيرًا لمحافظة الاسكندرية، والتي لم تكن بعيدة كثيرًا عن موطن عيشهم، وتوجها نحو منزل “خالة” نوسين..
كان منزل متوسط يوحي بالحالة المتوسطة لأصحابه، بداية من بابه الرئيسي العملاق المكون من الحديد الذي غلب عليها الصدأ حتى دخلا معًا ليقابلا السلم الرخامي فبالرغم من حالته الجيدة إلا أنهما قابلا بعض الدرجات المكسورة فكادت نوسين تتعثر عدة مرات، مدت يدها تستند على العمود الحديدي المائل بجانبها إلا أنها لم ترمي كامل جسدها عليه بسبب تحذيره من خلفها:
-حاسبي عشان مش ثابت كويس. أومأت برأسها ثم تابعت الصعود للطابق الرابع وكانت أنفاسها هي تحديدًا منقطعة، لاحظت ثبات أنفاسه فانتشرت امارات الغيظ فوق وجهها ونطقت بعفوية:
-ماشاء الله مضروب ونَفَسك زي الاسد.
رمقها بامتعاض لتعبيرها الفج ثم تابع نظراته لباب الشقة الخشبي المتهالك بعض الشيء بتفكير فقطعته عليه بثرثتها كعادتها:
-على فكرة هي مش خالتي خالتي، هي بنت خالة أمي، المهم خالتي دي بقا الزهايمر شديد عليها شوية بعيد عنك، لكن رغم كدا أنا الوحيدة اللي عمرها ما تنساني، اصل أنا الغالية امال، دي كانت على طول تقولي آآ…. قاطعها عمر حين جذبها من ذراعها بحركة مباغتة حتى كادت تصطدم بصدره، فارتعدت خلاياها تأثرًا من لمسته العارضة لجسدها العذري، ورفعت بُندقيتاها له التي شابهت قطة مذعورة في تلك اللحظات، ليقول هو غافلًا عما تشعر به:
-أسمك إيه؟
انتفضت مبتعدة عنه وهي تردد بغ.ضب ظاهري تخفي به ارتباكها:
-في إيه! دي مش مسكة واحد بيسأل واحدة عن أسمها، دي مسكة واحدة قفش واحدة مُتلبسة في قضية اداب. عقد ذراعيه وقد شعر لجزء من الثانية بشيء ضئيل داخله مُستمتع بمشاكستها، قبل أن يخنقه الجمود المُظلم الذي عاد يسيطر على كل إنش داخله من جديد :
-معلش أصلي تخيلي معرفش أسم الواحدة اللي هقول عليها مراتي. استطردت بهدوء:
-نوسيـن.