Uncategorized

ذنوب على طاولة الغفران نورهان العشري ٥

صاح خالد بغضب
_ و بتاخدي حاجه غيرك ليه؟ ارتعبت الفتاة من نبرته و شعرت بألم حاد في أسفل بطنها ليتساقط الدمع من مقلتيها، فشعر بالقلق حيالها لينتفض من مجلسه، و يذهب إليها وهو يقول بخوف
_ رنا حبيبتي أنتِ كويسة؟ هزت رأسها وهي تقول بألم
_ بطني بتوجعني اوي. جذبها خالد برفق ليُمددها على الأريكة وهو يقول بلهفة
_ طب نامي هنا يا حبيبتي وانا هبعت اجيب الدكتورة تكشف عليكِ بالفعل جاءت الطبيبة وقامت بالكشف عليها، وما أن انتهت حتى استفهم خالد قائلًا
_ مالها يا دكتورة؟

الطبيبة بحرج
_ أبدًا بقت أنسة كبيرة، وفي شويه تغيرات كدا هي اللي سببت لها المغص دا. و كأن دلوًا من الماء انسكب فوقه، فطفلته الصغيرة كبُرت إلى هذا الحد، وهو لم يُدرِك ذلك، وهنا فطن إلى ما حدث، ولما كانت ترتدي معطف تلك المرأة.
خرجت الطبيبة و كانت الفتاة تخفي وجهها بين يديها وتبكي بصمت ليقترب منها خالد قائلًا بحنو
_ حبيبتي الجميلة بتعيط ليه؟ رنا ببراءه
_ مكسوفة منك.

يعلم بأنه أكثر من مُقصر بحق ابنته، ولكنه من وفاة والدتها يشعُر بأن الحياة توقفت بالنسبة إليه فقط مجرد وقت يمُر إلى أن تحين اللحظة و يجتمع بها بحبيته التي فارقته بغتة لتتركه يعاني في غيابها. حتى طفلته لا يعرف كيف يتعامل معها
ربت بحنو على خصلات شعرها وهو يقول بخفوت
_ حد يكسف من بابي بردو؟ رنا بحزن
_ و زعلانه منك اوي. خالد بحنو
_ ليه بس؟

لم تُجيبه فقام برفع كفوفها من فوق وجهها و جذبها لتستقر في أحضانه وهو يقول بحنو
_ احكيلي بقى زعلانه مني ليه؟
_ انا واحشني اوي يا بابي انت ومامي. انت بقيت غايب زيها على طول، ولا بشوفك ولا بتيجي تقعد معايا، ولا بتتكلم معايا. انا على طول قاعدة لوحدي. حتى عمتو ميريهان مبترضاش تقعدني معاها، ولا تخرجني معاها. انا زهقت بقى و عايزة اروح لمامي.

كلماتها تراشقت بصدره كالرصاص، فطفلته البريئة تبغي الم*وت حتى تتخلص من وحدتها، و كل هذا بسببه.
احتواها بقوة بين ذراعيه يبُثها اعتذارًا لم يخرُج من بين شفاهه، فهو لا يعلم كيف يتعامل مع فتاة في مثل عمرها، ولا يملك أحد يُمكنه مساعدته في ذلك. لذا شدد من احتوائها كثيرًا وهو يقول بأسى
ـ بعد الشر عنك يا حبيبتي. حقك عليا يا رنا. انا عارف اني مقصر في حقك. بس اوعدك هحاول اعوضك والله، و هعملك وقت ليكي لوحدك.

رفعت رأسها تقول بلهفة
_ بجد يا بابي؟ كمال بابتسامة بسيطة
_ بجد يا حبيبة بابي . رنا بسعادة
_ انا بحبك اوي. ربنا ما يحرمني منك. احتضنها بقوة وهو يقول بحُب
_ وانا بحبك أكتر، وربنا ما يحرمني منك أبدًا.. ★★★★★★★★★ _ أنتِ كدا خدتي فكرة مبدأيه عن الشغل، و بدأتي فيه وشفتي أنه مش صعب دوسي بقى، و أبو*س ايدك بلاش مشاكل، وبلاش قلبك الرهيف دا عشان هيجيبلنا الكافية. هكذا تحدثت آسيا موجهة حديثها إلى أشجان التي قالت بملل
_ ما خلاص بقى. زهقتيني. بنت يتيمة وفي موقف مُحرِج بلاش اساعدها يعني!

آسيا بتهكُم
_ لا ازاي؟ ساعديها يا حبيبتي. اقولك هنفتحلك مكتب صغير كدا و نكتب عليه أشجان المغربية لأي مساعدة إنسانية..
ابتسمت أشجان على حديثها وهي تتناول القهوة في الكافيتريا الخاصة بالشركة، فقد انتصف اليوم وهاهو وقت الغداء ليجتمعوا سويًا حول الطاولة فقالت أشجان بمكر
_ مزاجك حلو النهاردة. طبعًا أصل رؤوف جاي من البلد! أخذت دقات قلبها تقرع كالطبول، ولكنها حاولت أن تبدو طبيعيه حين قالت
_ و أيه يعني؟ أشجان بتخابُث
_ يا بت! معرفتكيش أنا؟ مش دا بردو حب الطفولة!

آسيا بتلعثُم
_ بطلي. هبل. طفولة ايه و كلام فاضي اي؟ أشجان بذهول
_ الحب مش كلام فاضي يا آسيا، و كلنا عارفين إن أنتِ و رؤوف في مشاعر بينكوا لبعض من وانتوا صغيرين. ليه بتنكريها ؟ رغم انها باينه في عينك! كانت تعلم ما الذي تُريده جيدًا ترسم خطوات مستقبلها بخطوت عريضة و بدايتها الخروج من مستنقع الفقر الذي تحيا به لذا قالت بنبرة حاسمة
_ انا مش بنكرها انا بم*وتها. رؤوف مش هينفعني يا أشجان.

أشجان بصدمة
_ ايه الكلام دا يا أسيا؟ ليه رؤوف مش هينفعك عيبه ايه؟
أسيا بنبرة ثابته رغم الألم بداخلها
_ عيبه أنه فقير. زينا بالظبط. جوازي منه هيأخرني مش هيقدمني. دا غير اني هبقى حكمت على نفسي اعيش عمري كله في الحارة، وانا اكتر حاجه بتمناها في حياتي اني أخرج منها. أشجان بذهول من تفكير شقيقتها
_ كلامك غريب اوي يا آسيا. أول مرة اعرف انك بتفكري كدا.

_ لازم افكر كدا. اللي شفته في حياتي لازم يخليني افكر كدا، و بعدين انا مش عماله اذاكر واجتهد و اشتغل واعمل كل دا عشان في الآخر اتجوز واحد زي رؤوف و اتجوز واخلف. لا. انا تطلعاتي اكبر بكتير. أشجان باستنكار لحديثها
_ ومالهم الجواز والخلفة! ما أنتِ في الآخر بردو هتتجوزي و تخلفي ولا هتترهبني! آسيا بنبرة حاسمة
_ هتجوز واحد يعملني ملكة، و يجيبلي اللي تخدمني و اللي تربيلي ولادي، وانا هكون بحقق ذاتي، وهو فخور بدا.

أشجان باستهجان
_ و هتجيبيه منين دا أن شاء الله ؟ اختتمت حديثها مع دلوف كمال إلى الكافيتريا لتقع عيني آسيا عليه، فشردت بأفكارها لثوان قبل أن تهتف بشرود
_ و ليه لا؟ _ بتقولي ايه؟ أخرجها استفهام أشجان من شرودها لتقول بارتباك
_ لا أبدًا بقول ربنا يسهل . أن شاء الله هلاقيه. و أفوض أمري إلى الله والله بصير بالعباد ♥️ ★★★★★★★★★★ _ عندنا ايه بعد الغدا النهاردة ؟

هكذا استفهم كمال فأجابته سلمى بشرح التزاماته لهذا اليوم
_ في ميتينج مع وائل رئيس قسم المحاسبة عشان ميزانية القرية السياحية اللي في مرسى علم ، و ميتينج مع عز الدين بيه لمناقشة مشروع القرية الجديدة، و ميتينج مع صوفيا هانم، و بعد كدا في معاد الجيم، و أخيرًا الساعة تمانية معاد الحفلة الخيرية بتاعت مدام جيهان.

داخليًا هناك رغبة تُلِح عليه برؤيتها حتى أنه لأول مرة ينزل إلى المقهى الخاص بالشركة لمعرفته بأنها ستكون هناك، ولكنه لم يكتفي بمجرد رؤيه يُريد الحديث معها و مشاكستها، و حتى الاستماع لردودها السخيفة أحيانًا والتي تتناقض مع نظراتها الغامضة، ففي بعض الأحيان يشعر بأن عينيها تُريد أن تُخبره الكثير والكثير، ولكنها لا تسمح بذلك. _ طب بقولك ايه؟ قولي لوائل يجمع تيم المتدربين عشان يحضروا معانا الميتينج. يعني فرصة كويسة عشان يستفيدوا. _ بس يا فندم هما معادهم نص يوم لحد الغدا و بيمشوا مفيش منهم غير آسيا هي اللي موجودة بحكم شغلها مع تيم المحاسبة.

كمال مُدعيًا عدم المعرفة
_ والله مشيوا! طب مفيش مشكلة قوليله خليها تيجي معاه. اهو تستفيد بردو. سلمى باحترام
_ حاضر يا فندم اي أوامر تانيه؟ _ لا شكرًا. اتفضلي. نصب عوده وتوجه للنافذة وهو يُفكر في هذه الفتاة التي استأثرت بتفكيره على نحو لم يعهده من قبل. بل و جعلته يفتعل المواقف لكي يجتمع بها. اعتاد طوال حياته أن يكُن شخصًا سلسًا في التعامُل مع المُحيطين به. يحاول الاستمتاع قدر الإمكان، و لا يُعظِم من شأن الأمور. يترُك نفسه على سجيتها ولا يُرهِقها باعتبارات مُعقدة.

يُقدس الحرية كثيرًا، ولا يقبل بأي قيود قد تُحجِم استمتاعه بالحياة، وخاصةً أنه مولع بالتحديات التي هو بارع في الفوز بها لذا لم يُكلف نفسه عناء التفكير في شعوره تجاهها إنما ترك كل شيء يسير وفق ما هو مُخطط له، فهو سعيد بل مُستمتع وهذا هو المهم.

مر بعض الوقت قبل أن يستمع إلى طرق على باب الغرفة، فتراجع إلى الخلف يتمطى بكسل ينتظر رؤيتها بفارغ الصبر و بداخله حماس و سعادة لا يعلم من أين غمرته ولا يهتم إنما يريد أن يستمتع لأقصى درجة.
تجمدت البسمة فوق شفاهه حين وجد وائل يدلف إلى الغرفة وحده وهي ليست معه، فاعتدل في جلسته يرد التحية لوائل الذي قال بمرح
_ حاسس ان القرية دي هتبقى وش السعد يا مستر كمال. على الرغم من أن ميزانيتها ضخمة لكن الموقع ممتاز و الفكرة و التصميم بجد مُبهرين.

اومأ كمال برأسه بابتسامة بسيطة قبل أن يقول بخشونة
_ أن شاء الله تكمل على خير. وائل بحماس
_ أن شاء الله. اتفضل ألقي نظرة و قولي لو في كومنتات عليها. كمال باستفهام
_ مش نستنى لما تيجي البنت المتدربة دي عشان نبدأ. معنديش وقت اعيد من الأول حاجه. وائل بسلاسة
_ اه تقصد آسيا. لا هي مش فاضية انا هكمل الميتينج مع حضرتك، و هبقى اتناقش انا وهي بعد ما نوصل للنتيجة النهائية. أللتمع البرق في نظراته من شدة الغضب. لينصب عوده و هو يتوجه إلى الخارج قائلًا بلهجة آمرة
_ استناني هنا.

وثب بخطٍ تنقش اللهب خلفها أينما سار، فقد تمادت كثيرًا للحد الذي سيجعله أكثر من سعيد وهو يُعيدها إلى المسار الصحيح و يُذكرها بهويته لا اقتحم مكتب المُحاسبة دون أن يطرُق الباب لتتفاجيء حين وجدته أمامها كالمارد المُخيف خاصةً حين قال بحدة
_هو وائل مقالكيش أن في اجتماع دلوقتي ؟ حاولت الثبات وهي تنصب عودها وتقابله بنديه ضاعفت من غضبه
_ لا مقاليش.

انت في الصفحة 4 من 8 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى