Uncategorized

للعشــ,,ـق وجوة كثيرة نورهان العشري 4

كانت قديمًا حين تراه تركض إليه، لترتمي في بيتها وملاذها. لكن الآن مجبرة على النظر إليه من بعيد، غير قادرة على إطلاق العنان لجناحيها اللذين حتمًا سيأخذانها إليه.
أغمضت عينيها بشدة تمنع نزول دموعها، مرددة في نفسها أن هذا كان اختيارها، ولم يعد للتراجع مجال…
أخرجها من شرودها صوته العميق، بتلك البحة الرجولية التي تجعل قلبها يدق بعنــ,,ـف:
عاملة إيه دلوقتي؟
قالها يوسف ما إن انتهت من تحديقها به، وشعر بها تغمض عينيها وتضم شفتيها كالعادة حتى تمنع نفسها من الحديث معه، فقرر أن يزيل ذلك التوتر اللعين الذي يحيط بهما.
كويسة الحمد لله.

قالتها كاميليا بخفوت وهمّت بالاعتدال، فكانت تشعر بالخجل من استلقائها أمامه هكذا. وما إن رفعت رأسها قليلًا، حتى شعرت بالدوار يهاجمها من جديد…
اقترب منها حتى يساعدها، فقلبه العاشق لا يتحمل ألمها ولو بسبب دوار بسيط. ساعدها بيد، وبالأخرى قرّب الوسادة ليضعها خلف ظهرها. ويا ليته لم يفعل، فقد كان قربهما بهذا الشكل القاتل لثوانٍ معدودة مدمرًا لقلبيهما. كان كل منهما يحارب جيشًا من المشاعر التي اجتاحته كالطوفــ,,ـان…

ظهر ذلك جليًا في يدها التي احتمت به من الخلف بشدة، ويده الممسكة بالوسادة تعتصرها حتى لا تخونه وتقربها…
كان كلاهما يتعذب ويتوسل للآخر أن يأخذ زمام المبادرة، ولكن هيهات أن يتحرك أحدهما، فما إن يصبح الكبرياء الضلع الثالث للعلاقة فالهلاك حتمًا في انتظارها…
تحمحم يوسف وقام بإسنادها على الوسادة وسأل بهدوء:
مرتاحة كده؟
أ.. آه ميرسي يا يو……
صمتت لثوانٍ لا تعرف ماذا تقول، هل تنادي حبيبها بلقبه المُحبب أم تتعامل معه كالجميع؟ فغافلتها الكلمــ,,ـات وقالت باندفاع:
هو أنا دلوقتي مفروض أقولك يا يوسف ولا يا بيه؟

تحدثت كاميليا برقة ممزوجة بالبراءة، فحاول يوسف بصعوبة منع الابتسامة من الوصول إلى شفتيه. فتلك المرأة تقوده للجنون، هل هذا حقًا ما يشغلها الآن؟! وهل عليها أن تكون بمثل هذا الجمال والرقة وهي في أكثر أوقاتها ألمًا؟
جاهد نفسه كثيرًا ألا يختطفها إلى أبعد مكان يمكن أن يصلا إليه ويعاقبها بطريقته الخاصة إلى أن تهدأ براكين الشوق داخله، ولكن مهلاً… فلكل وقت أذان.
أجاب بهدوء مناقض تمامًا لذلك الصخب الذي يدور بداخله:
إنتِ شايفة المفروض تقوليلي إيه؟
يعني مش عارفة..

الأول كنت بقولك يا بيه، وبعدين إنت يعني… قولتلي أقولك يا يوسف بيني وبينك، وبعد… يعني ما بقيت… ما بقيت…
لم تستطع أن تنطقها خوفًا من أن تذوب بحلاوة طعمها وتنسى مرارة ما تخبئه بجوفها، فصمتت وأخفضت نظرها. إلى أن اقترب منها ليرفع رأسها لتناظره وقال بعدما أصبح على مقربة منها:
بعد ما بقيت جوزك بقيتي تقوليلي إيه؟
أكمل هو جملتها ليتذوق جمال كونها تنتمي إليه، لكنها فاجأته بقنبلة سقطت على قلبه فحوّلته لأشلاء وقالت بحزن لم يلحظه لفرط الألم الذي عصف بكيانه:
ما إحنا خلاص هنطلق…
صفعة!

تلك المرأة حتمًا تحتاج إلى صفعة قاسية حتى تعود لرشدها، وهو لن يتوانى عن فعل هذا، ولن ينصاع مجددًا لأي توسلات لعينه من قلبه الغبي الذي يمنعه عنها كل مرة. ولكن يكفي. ابتعد عنها وتحمحم قائلًا بجفاء:
عندك حق.
خلاص يبقى أقولك يا بيه يوسف.
قالتها بحزن، فصاح بقسوة:
قولي أي زفت على دماغك يا كاميليا مش فارق معايا…
أو أقولك، ما تناديش عليا خالص يكون أحسن!
قال جملته الأخيرة بحنق لم يستطع السيطرة عليه، وهمّ بالمغادرة حتى لا يفعل شيئًا قد يندم عليه معها، خاصة وهو الآن في أقصى درجات غضــ,,ـبه.

وعندما وصل إلى باب الغرفة التفت لها قائلًا:
إنتِ هتقعدي هنا كام يوم لحد ما نطمن على حالتك ونشوف الإغماء اللي بيجيلك ده سببه إيه. أنا هروح أجيبلك هدومك والحاجات اللي هتحتاجيها ومش هتأخر.
طب وإنت هتعرف منين أنا محتاجة إيه؟
قالتها حتى تستوقفه ما إن رأته على وشك الرحيل.
بقالي خمستاشر سنة عارف كل احتياجاتك وبجيبلك كل حاجتك. هاجي دلوقتي ومش هعرف؟
عاتبتها عيناه بقسوة توازي قسوة لهجته حين قال:
إيه الست شهور اللي عدّوا وإنتِ بعيدة غيروكي أوي كده؟

أنا ما قصدتش، أنا بس…
أخفضت رأسها من فرط الحزن والخجل معًا، فقد أوشكت دموعها أن تهطل. غضــ,,ـب بشدة من نفسه لأحزانها بهذا الشكل وهو يعلم أنها متعبة، فقال محاولًا تلطيف حدّة كلمــ,,ـاته:
هبعتلك ممرضة تشوف لو محتاجة حاجة خاصة.
صمت لثوانٍ قبل أن يضيف:
هجبلك الشنطة اللي كنتِ هرب… أقصد مسافرة بيها. أظن إنها فيها كل حاجة إنتِ محتاجاها.
الحزن في نبرته وعينيه كاد أن يــ,,ـها، ولكنها فضّلت الصمت قبل أن تقول باختصار:
فعلًا.. فيها كل حاجة أنا محتاجاها.

أولاها ظهره وهرول مسرعًا، هاربًا من ضعفه أمامها الذي كان على وشك أن يجبره أن يضــ,,ـرب بكبريائه عرض الحائط ويبثها ذلك الشوق الكبير الذي يكنّه لها ولم يعد يستطيع قلبه أن يتحمله. ولكن ماذا هو بفاعل؟ فالوداع كان خيارها، وبرغم ذلك يوجد في عينيها توسل يــ,,ـه وخوف كبير…
يرى فيهما العذاب الذي تخفيه بداخلها، فهو لن يخطئ أبدًا في فهم عينيها…
أي عذاب هذا الذي قذفته بداخله؟! فماذا عساه أن يفعل معها؟!

لقد سألها مرارًا وتكرارًا وحاول أن يطمئنها، ولكن لا جدوى، فإصرارها على الفراق يــ,,ـه ولا يترك له أي مجال…
أخيرًا حسم أمره واتخذ قراره بأن ينفذ ما انتوى عليه، فإن كانت قد اختارت فلتتحمل عواقب اختيارها…
“إن أجبرتني الحياة على إفلات يدي منك، فقلبي لم ولن يفعلها أبدًا، فكلما ابتعدتِ خطوة أعادني إليكِ عشرة.

أتمنى أن يظل قلبك على العهد الذي أخذناه يومًا بألا تُفلت قلوبنا بعضها البعض، فربما تُشفق علينا الحياة ذات يوم وتتشابك أيدينا مُجدّدًا…”
نورهان العشري
كان أدهم يراقب ملاكه الحزين الذي يرقد بسلام، وذلك المُقوِّي المغروز بيديها يشعر به مغروزًا في قلبه الذي ينفطر من كثرة الندم على ما تسبب لها به. يلعن نفسه ويلعن تلك المرأة التي جعلت منه ذلك الشيطان المطرود لتوّه من الجنة… جنته!

أخذ يتذكر كيف أجبره قلبه على مراقبتها حتى يطمئن لكونها عادت سالمة إلى بيتها، وهو يعرف حق المعرفة بأنها لن تكون سالمة أبدًا بعد ما فعله بها…
وعندما وجدها لم تركب السيارة التي من المفترض أن تقلّها إلى منزلها، ورآها تتوجه ناحية البحر حتى شعر بالدماء تتجمد في عروقه. ماذا تنوي أن تفعل؟
وهنا أخبره عقله: لن تفعل شيئًا، فإن كانت خائنة مثل باقي النساء، لماذا قد تُقدِم على إنهاء حياتها؟
وما كادت جملته تكتمل بداخله حتى وجدها تتقدم نحو البحر بخطوات ثقيلة من فرط الخذلان الذي يلتصق بها.

وما إن بدأت قدماها تلامسان مياهه حتى شعر بقلبه ينتفض رعبًا على حبه الذي حُكِم عليه بالــ,,ـ في مهده…
وعندما كادت المياه تغمرها اندفع كثور هائج لينقذ ما تبقى من حطام قلب قد كسره دون أن يرفّ له جفن. وقلبه يخبره بأن خسارتها هي ما يستحقه، ليعيش هو وشيطانه الجحيم على الأرض، وهو على حق، فخسارتها كانت الجحيم بالنسبة له… لكنه لم يُدرك ذلك إلا بعد فوات الأوان.
انتشلها من بين أمواج البحر الثائرة عليه، والتي آزرتها السماء، فأرعدت بشدة وأخذت تصبّ جام غضــ,,ـبها عليه بأمطارها الكثيفة. وكأن الطبيعة أيضًا تلعنه كما يلعنه قلبه على غدره بها.

حاول أن يجعلها تستيقظ، ولكن دون جدوى، فأخذ يضغط بقوة حتى يخرج الماء الذي ابتلعته رئتَاها، فلم يجد أي استجابة منها. صار يهزّ رأسه يمينًا ويسارًا رافضًا فكرة أن تكون قد غادرته إلى الأبد، وأخذ يبكي بشدة ويتوسلها بكلمــ,,ـاته:
غرام فوقي… فوقي أرجوكِ، ما تعمليش فيّ كده… أنا اللي أستاهل المــ,,ـوت مش إنتِ… فوقي يا ملاكي!
أخذ صوت شهقاته يعلو كطفل صغير يبكي على قبــ,,ـر أمه، يتوسلها أن تعود وتنتشله من ذلك الضياع الذي أوقعه فيه فراقها.
سعال قوي خرج منها جعله يضحك كمن فقد عقله. هل ضحك له القدر أخيرًا ولم يأخذها منه؟

أم أن قلبه المسكيــ,,ـن يتخيل؟
غرام… إنتِ سامعاني؟ إنتِ كويسة صح؟… افتحي عينيكِ وبصيلي.
نظرت له غرام بضعف شديد وقالت بوهن:
ابعد عني.
زأر بقوة تنافي ضعفه في تلك اللحظة:
مقدرش… مقدرش! يا ريتني كنت أقدر أبعد عنك، ما كانش حصل اللي حصل.
أخذت غرام تنتفض وارتعش جسدها، فقام بتطويقها كمن يحاول حمايتها وبثّها الأمان الذي لم ولن تشعر به مطلقًا بجانبه، ثم توجّه بها إلى المشفى…
يتبع..
سم الله الرحمن الرحيم
الوجه الثاني عشر للعشــ,,ـق
كطيرٍ صغيرٍ كُسِر جناحُه عند أوّلِ محاولةٍ للطيران، ذلك هو الخُذلان.
الخيبة:

انطفاءُ آخرِ ضوءٍ كان يُنير عتمةَ العالم من حولك، فلا يعود هناك فرقٌ بين النهار والليل، إذ أصبح القلب أسيرًا للظلام.
الحنين: زائرٌ غيرُ مرغوبٍ فيه، يأتي غالبًا في الليل ليطرُق أبوابَ قلوبٍ ظنّت أنّها استطاعت لملمة أشلائها، فإذا به يُبعثرها من جديد.
الخيانة: غُصنٌ أزهرت عليه الثقة، فإذا به يُثمر شوكًا في قلبٍ لم يتوقّع إلّا وردًا.
الغدر: أن أكون ملاذَك في جميع أوقاتك الصعبة، وحين يأتيك الفرح لا تتذكّر حتى أن تُخبرني.
فماذا عن قلبٍ يُعاني كلَّ ما سبق؟!
أيبقى حيًّا رغم مــ,,ـوته، أم يمــ,,ـوت وهو ما زال ينبض؟

نورهان العشري
من العبث أن نقف بحياتنا عند نقطة معيّنة ننتظر شخصًا لم يُجبره أحد على الرحيل، بل كان بملء إرادته. فالقلب يميل، ثم يحب، ويتعلّق، وأخيرًا يعشــ,,ـق؛ فإن عَشِق لا يترك أبدًا، حتى لو اجتمعت عليه الأرض والسماء.
أمّا ما دون العشــ,,ـق فلا يستحق أبدًا دقيقة انتظار واحدة!
نورهان العشري
كانت كارما تتوسط سريرها، محاوطةً كتفيها بذراعيها، تحاول احتواء ذلك الألم الرهيب الذي يعصف بكيانها، وتترجمه عيناها على هيئة أنهار من الدموع لا تستطيع إيقافها، فجميع حواسها الآن تتركّز على صورة واحدة: حبيبها مع أخرى…!

لم يكن فقط حبيبها، بل حلم طفولتها الذي انغرس بقلبها منذ أن كانت طفلة صغيرة، وأخذت ترعاه وتسقيه مياه الأمل بأن يعود فارسها ويختطفها مثلما وعدها لتجني ثمار عشــ,,ـقها وتتذوّق حلاوة انتظارها له. ولكن… ماذا حدث؟
أُصيبت زرعة حبها بفيروس الخيانة القاتل، الذي وحتى الآن لا يوجد أي دواء في هذه الحياة يمكنه معالجة قلب أُصيب بذلك الألم الناجم عنه، فهو يــ,,ـ القلب ولكن ببطء…
ترى، هل أخطأت بالانتظار؟ لكن لم يكن لدي حيلة مع قلب خُلِق له وبه! لم أكن أملك من أمري شيئًا سوى انتظاره… وانتظار جزء من روحي قد انشقّ مني ورحل معه.

لقد سألته مرارًا وتكرارًا: هل اقتحمت حصونك أنثى غيري؟ فأقسم لي بأن قلبه لم يحوِ سواي…
كذب! نعم، كذب عليّ وعلى قلبي الغبي، الذي كان يصدّقه حتى قبل أن يتحدث، وكان يلتمس له العذر في كل مرة أذاقني فيها خذلانه. فالغدر لم يأتني منه فقط، بل من قلبي الذي غدر بي أولًا، عندما سامحه مرارًا وتكرارًا، وأخذ يختلق له الأعذار الواهية، وأعطاه الخنجر الذي طعــ,,ـنني به.
أخذت تتذكر لقطات من سعادتها المزعومة معه.
عودة لوقت سابق…
ها، عايزة تعرفي عني إيه بقى يا سكرتي؟

أنا مش سكرتي حد، دا أوّلًا يعني… ثانيًا بقى قول اللي عندك استعداد إنّي أعرفه.
نظر لها مازن بتسلية وأجاب بمرح:
عندك حق، بلاش سكرتي دي… دي لما كنتِ صغيرة بضفاير، إنما دلوقتي كبرتي يا كرملتي وبقيتي فرسـة…
خجلت كارما كثيرًا من غزله المبطن، فقالت بغضــ,,ـب ممزوج بالخجل:
مازن، احترم نفسك وبطّل استهبال، وإن كنت عديتلك اللي عملته في العربية دا، فدا مش معناه إني موافقة عليه، ولو حصل تاني…
قاطعها مازن بعشــ,,ـق، وعيناه تغازلها بما لا يتفوه به اللسان:
هتعملي إيه يا روح قلبي؟
مش هتشوف وشي تاني.

قالتها بارتباك من نظراته التي تغازلها، فابتسم على خجلها المُحبب وقال بهدوء:
موضوع إنّي مش أشوف وشك تاني دا مش هيحصل، عشان دا لا بمزاجك ولا بمزاجي.
ودا إزاي بقى؟
قالتها ساخرة، فأجابها بنبرة تحمل العشــ,,ـق والإصرار معًا:
يعني مثلًا لو قمت الصبح وقلت لنفسي: “يا واد يا مازن، مش عايزين نشوف البت كارما دي تاني”، هلاقي قلبي بيعاندني، وجايبني من قفايا، وجاي يقولك: “وحشتيني”. نفس النظام بينطبق عليكِ، قلبك هيعمل معاكي كدا برضو.
كارما بدلال:
والله لو قلبي عمل معايا كدا هسيبه يتفلق، ومش هسمح له يتحكّم فيّا أصلًا.

ابتسم على طريقتها في الحديث ودلالها، وأجابها بخشونة:
الكلام دا عندك إنتِ… والله يكون في عون قلبك بصراحة. إنما أنا بقى، واحد قلبي دا أغلى حاجة عندي، ومدلّعه عالآخر، ومبقدرش أرفض له طلب.
كارما بتخابث:
أمممم… وياترى بقى كنت بتدلّعه إزاي وأنا مش موجودة؟
أجابها مازحًا:
كارما، الداخلية عندنا خسرتك صدقيني… إنتِ محدش يعرف يحوّر عليكِ أبدًا.
صاحت بانفعال:
أديك اعترفت إنك بتحوّر! في إيه بقى خايف تحكيه وعمّال تلف وتدور عشان تغلوش ع الموضوع؟
قهقه مازن بشدة، وقال من بين ضحكاته:
خايف…! إنتِ متخيلة بطولك دا ممكن تخوفيني؟

كارما بثقة راقت له كثيرًا:
الموضوع مش بالطول يا سيادة الرائد، دا بالعقل. وبعدين أنا طولي مظبوط على فكرة، إنت اللي طويل بزيادة.
مازن بغزل:
إنتِ كل حاجة فيك مظبوطة يا قمر، مش طولك بس.
أردف كلمــ,,ـاته بغمزة أربكتها، فتصنّعت الغضــ,,ـب قائلة:
ما قلنا احترم نفسك بقى…
كانت كل ذرة من كيانها تنتفض طربًا لغزله الصريح بها، وقد كان ذلك الماكر يعلم بذلك، ويتجلّى في عينيه التي كانت تغوص في أعماقها وتكشف جميع أسرارها.
كارمتي، عايزك تعرفي إني في أقصى درجات الاحترام معاكِ والله، ودي حاجة ضد طبيعتي.
نهرته بتهديد:

مازن، هقوم أمشي والله.
أجابها بثقة بعدما تحرك ليجلس براحة أكثر:
وماله يا روحي، امشي لحد آخر مكان في الدنيا، هتلاقيني وراكي. أي مكان هتروحيه يا كارما، هتلاقيني جنبك فيه.
أطلقت العنان لمخاوفها لتظهر على السطح، وأعلنتها ببساطة:
خايفة أصدقك يا مازن.
شاركها صراحتها، وقام بفتح مغاليق قلبه ليعبّر عن مكنوناته:
عارفة يا كارما أنا مكنتش قادر أرجع ليه طول المدة اللي فاتت دي؟
لم يتلقَّ منها إجابة، لكن عيناها كانت تتوسله ألّا يجرحها، فطمأنها بضغطه رقيقة على كفها وأردف:
عشان مكنتش هقدر أشوفك ومقرّبش منك. مكنتش هقدر أشوفك وأبعد عنك تاني.

وقبل ما تسألي، كنت خايف أذيكي وأخنقك معايا بعقدة الذنب اللي كانت ملفوفة حوالين رقبتي طول السنين دي، واللي يمكن بُعدي عن ربنا كان السبب الرئيسي فيها.
تقصد إيه؟
بسط إجابته وأطلق العنان لقلبه ليبثّها ما يحمله من أثقال وما يشوبه من نقوصات:
أقصد إني يوم ما روحت من عندكم حسيت كإني كنت أعمى طول السنين اللي فاتت دي، وفتحت لما شوفتك. لقيت قلبي بيقول لي: “إزاي كنا مختارين نعيش في الضلمة طول حياتنا؟”
صمت لثوانٍ وهو يتذكر تلك الليلة، قبل أن يضيف بتنهيدة تعبّر عن مشاعره حينها:

فضلت طول الليل أتقلّب عالسرير ومش عارف آخد قرار. قلبي بيترجاني أرجعلك ومحرموش من نور حبك، وعقلي بيقول لي اهرب، إحنا مش قد الوداع مرة تانية…
لحد ما ربنا أراد إنه ينور بصيرتي، وهنا سمعت أذان الفجر، وحسيت بصوت بيقول لي: “قوم صلّي، وسيب كل حاجة لربنا”. وفعلاً اتوضيت، ولجأت لربنا اللي كنت بعيد أوي عنه، في حين إن الراحة مبتجيش غير في القرب منه.
أخفض رأسه يتذكر خجله حينما كان يقصّر في حق ربه، ثم تابع يسرد روعة ما حدث معه:
قمت صليت، وقلت: “يا رب”، ومش قادر أوصفلك الراحة اللي حسيت بيها بعدها.

وفي لمح البصر، أول ما حطيت راسي عالمخدة، نمت، وشوفت أبويا وأمي في الحلم، لابسين أبيض، وحواليهم أطفال صغيرين كتير بيضحكولي وبيشاورولي من مكانهم. والمفاجأة بقى إن دي كانت أول مرة يجولي في الحلم من يوم وفــ,,ـاتهم. تقريبًا كدا كانوا بيعاقبوني عاللي كنت بعمله في نفسي.
لاحظ تأثرها من حديثه، فتابع وهو يخاطب عينيها أولًا:
بعدها عرفت إن أهم حاجتين في حياتي هما: قُربي من ربنا، اللي بالرغم من بُعدي عنه، مَبخلش عليّا بيكِ ورَدّك ليا من تاني.
هتف قلبها متسائلًا بلهفة:
والسبب التاني؟

إنتِ يا كارما… إنتِ أغلى حاجة عندي في الدنيا، فرحة قلبي اللي عمره ما ذاق ولا عرف طَعم الفرح غير بيكِ.
لَثَمت كلمــ,,ـاته جروحها، فقد كانت كالبلسم لقلبها الذي ضاق ذرعًا بآلامه، وحلّقت روحها في السماء السابعة، فها هو حلمها قد تحقق به، وعاد لها فارسها الذي انتظرته لأعوام.
ومن فرط الفرح لم تشعر بجريان الدموع على وجنتيها، فاقترب منها محاوِطًا وجهها، قائلًا بعشــ,,ـق:
مفيش حاجة ولا حد في الدنيا يستحق دموعك دي يا قلبي.

دموعك دي غالية عليّا أوي يا كارما… أنا بحبك، وعارف إني جرحتك بُعدي، بس صدقيني، قلبي مَبطلش يوم يحبك… أنا كنت بعاقب نفسي قبلك.
إن تركنا العنان للقلوب، فهي تعلم أكثر مما نظن وتشعر بما يُخفيه اللسان. وقد ألهمها قلبها بأن هناك الكثير ما زال مدفونًا بصفحات عينيه، فقالت بخفوت:
أمال ليه عينيك بتقول كلام كتير لسانك مَقالهوش؟

انت في الصفحة 3 من 7 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى