Uncategorized

للعشــ,,ـق وجوة كثيرة نورهان العشري 4

لا وإيه؟ دي اتفقت معاه يتقابلوا كمان! همــ,,ـوت وأعرف جابت رقمه منين! دي ما خرجتش من يوم ما كان هنا…
زجرتها سميرة بعنــ,,ـف:
قولي لنفسك يا ست هانم! شايفة البنات اللي ما بيضيعوش وقتهم؟ مش خيبتك القوية!
نيفين بتذمر:
وأنا كنت هعمل إيه يعني؟ ما أنا بعمل كل اللي إنتِ بتقوليه لي.
وإنتِ فين عقلك؟ حِتّة بت مش باينة من الأرض علَّقته، وإنتِ حتى ما عرفتيش تطلعي منه بحاجة! عرفتلك مكانه وخليتك تقابليه، وسيادتك عملتِ إيه؟ رجعتي زي ما روحتي! حتى ما لَفِتيش نظره ولا انتباهه ليكي!

ناقصك إيد ولا رجل عشان حد يعجب بيكي أو يفكر يحبك؟
كانت كلمــ,,ـاتها كالرصاص، انطلقت لتخترق روحها، فها هي منذ أن وعَت على هذه الحياة وأمها تُنقِص من قدرها وتُفرغ بها شحنات خيباتها من والدها وإهماله المتعمد لها. وتذكرت لامبالاة علي عند صدفتها المزعومة معه.
عودة إلى وقت سابق
دخلت نيفين بهو الفندق الذي يمكث به علي، بعد أن أخبرتها والدتها بمكانه. فظلت تتلفت حولها باحثة بنظرها عنه، فوجدته يتناول فطوره. أخذت تنظر إلى وسامته المفرطة وهيبته الطاغية فرددت بداخلها:
“قمر!

يخرب بيتك، ليها حق البت روفــ,,ـان تعجب بيك… بس مبقاش نيفين لو خلتها تتهنى بيك يوم واحد!”
سرعان ما حولت أنظارها عنه عندما رأته قد بدأ بلملمة أشيائه، فأخرجت هاتفها وتَصنَّعت النظر فيه وهي تتدلل بمشيتها في طريقها إليه. فارتطمت به، وقبل أن تقع كان علي قد منعها من السقوط، قائلًا:
إنتِ كويسة يا آنسة…؟ إنتِ؟
قالها علي ما إن رفعت أنظارها إليه.
حضرت الظابط؟
قالتها نيفين متصنعة الدهشة.
فاعتدل علي قائلًا بخشونة:
إنتِ كويسة؟ آسف، ماخدتش بالي…
لا ولا يهمك، أنا اللي آسفة، كنت مركزة في الفون وما بصيتش قدامي.

حصل خير… عن إذنك.
هكذا تحدث علي بجفاء وهو ينوي الذهاب، فأوقفته قائلة بلهفة:
إيه دا؟ رايح فين؟ إنت هتمشي؟ يعني أقصد… ممكن نفطر سوا لو ماكانش يضايقك؟
ابتسم علي وقال بسخــ,,ـرية، رافعًا إحدى حاجبيه:
هتقعدي تفطري عادي مع واحد كان بيهدد جدك من كام يوم في نص بيتكم؟ لا، وتحديدًا كان بيتوعد لابن عمك وحبيب القلب! إيه؟ مش خايفة مني؟
فاجأها هجومه الذي توارى خلف نبرته الهازئة، فتلعثمت قائلة:
هاااه… لا، لا! أنا عارفة إنك مش ممكن تعمل حاجة من دي. وكمان إنت عمرك ما هتقدر تأذي يوسف.

إنت متعرفش هو ممكن يعمل فيك إيه. وأنا بصراحة كنت عايزة أحذرك.
قالت جملتها الأخيرة برقة، ناظرة لعينيه، فضيّق علي عينيه وقال بسخــ,,ـرية:
عايزة تحذريني؟ أممم… يعني جدك مش باعتك؟ ولا عايزة تغيظي حد إنك كنتِ قاعدة معايا؟
لا طبعًا! إيه اللي بتقوله دا؟ أغيظ مين وبتاع مين؟ أنا الحق عليّ إني كنت عايزة أحذرك؟
ابتسم علي بخفوت وقال بسخــ,,ـرية:
آل… وأنا اللي كنت فاهمك غلط… أخس عليّا والله!
اغتاظت نيفين من لهجته وشعرت بأنه يسخر منها، فقالت بغيظ حاولت أن تُداريه قدر الإمكان:
وسيادة الرائد بقى خايف على إحساس مين ومش عايزني أغيظه؟

سيادة الرائد ما بيخافش من حد، ولا بيفرق معاه زعل حد. بس ما بيحبش حوارات البنات دي، ولا يحب يدخل فيها. وتبقي عبيطة لو فكرتِ إنك ممكن تضحكي عليّا.
تفاجأت من حديثه ونظراته، وتملكها الحرج، لكنها حاولت التظاهر بأنها لا تفهم شيئًا:
أنا مش فاهمة… حوارات إيه وكلام فارغ إيه؟ إنت فاهمني غلط خالص.
علي بجفاء:
يمكن. عن إذنك.
أوشك على المغادرة، فأوقفته كلمــ,,ـاتها حين قالت:
على فكرة أنا عارفة مين شوّه سمعتي عندك، وقالك الكلام الغلط دا عني.
زفر علي بنفاد صبر، فتقدمت لتقف أمامه وهي تقول برقة:

بس أنا مش كده يا سيادة الرائد. وعلى فكرة أنا زعلت من كلامك.
علي محاولًا الحفاظ على رباطة جأشه:
آنسة نيفين، هو إنتِ كنتِ جاية هنا ليه؟
للحظة لم تعرف كيف تجيبه، ولكنها استخدمت الحيلة لتخرج من هذا المأزق، فقالت بخفوت:
بتسأل ليه؟
عشان بما إنك جاية هنا، يبقى أكيد عندك ميعاد مع حد. فأنا بقول تتفضلي على ميعادك عشان ما تتأخريش. عن إذنك.
عودة للوقت الحالي
طب وأنا ذنبي إيه؟ ما أنا رُحت وعملت كل اللي إنتِ قولتيلي أعمله. هو اللي ما رضييش حتى يتكلم معايا، وما قالش غير كام كلمة ومشي وسابني.

عشان غبية! ما عرفتيش تبلفيه صح.
طب والحل؟
هكذا تحدثت بنفاد صبر، فأجابتها سميرة:
تنزلي بدموعك الحلوة دي على الست صفية هانم، وتقوليلها كل اللي سمعتيه دا. وتاخديها من إيديها وتوريها بنتها المحترمة بتقابل اللي عايز يــ,,ـ أخوها وبيهدد عيلتها كلها.
تصدقي فكرة!
قالتها نيفين بانبهار، ثم لمعت عيناها بخبث وأردفت:
وكده بقى أكسب طنط صفية في صفي، وأبين لها حسن نيتي، وإني الطيبة الغلبانة اللي ما رضيتش تروح تقول لجدها على اللي عملته بنت عمها ودارت عليها.
سميرة بسخــ,,ـرية:
ناصحة ياختي! يلا روحي قوليلها، خلينا نشوف آخرتها معاها.

أما خليت رقبتها تحت جزمتي! بس أخلص من بنت زهرة الأول…
طب يا ماما، وهنعمل إيه في الزفتة دي اللي ما صدقنا غورناها من هنا ورجعتلنا تاني؟
سميرة بتفكير:
ماعتقدش يوسف هيرجعها هنا تاني.
أمال هيوديها فين يعني يا ماما؟
هكذا تحدثت نيفين بنفاد صبر، فزجرتها سميرة قائلة:
بطلي غباوة شوية! إنتِ تايهة عن يوسف؟ دا هيوريها النجوم في عز الضهر عشان فكرت تهرب منه وخلّت شكله زبالة قدامنا!
لم تقتنع بحديث والدتها، فأجابتها ساخرة:
يا سلام! أولًا يوسف بيحبها.

ثانيًا ما هي ممكن تقوله إن إحنا السبب إنها هربت… صحيح يا ماما، هي كاميليا هربت ليه؟ إنتِ ما قولتليش قولتلها إيه خلاها تهرب؟
قهقهت سميرة بشر وقالت بثقة:
ما تشغليش بالك. إنتِ ركزي إزاي تشدي يوسف ليكي وتخليه يحبك. وما تقلقيش، لا هي هتقدر تقوله على سبب هروبها، ولا هو هيفكر فيها تاني أصلًا.
نيفين بتهكم:
همــ,,ـوت وأعرف جايبة الثقة دي منين! ماما، هو إنتِ تعرفي حاجة أنا ماعرفهاش؟
هكذا قالت نيفين جملتها الأخيرة بريبة، فأجابتها سميرة بملل:

كاميليا في المستشفى بعد ما يوسف… بقي الله أعلم إذا كان عذّبها ولا ضــ,,ـربها، وبسببه دخلت هناك. واحتمال كبير تدخل في غيبوبة، ومحدش عارف إذا كانت هتفوق منها ولا لأ.
نيفين بحقد:
يارب ما تفوق أبدًا! بس إنتِ عرفتي منين؟
مش شغلك. ويلا روحي عشان تقولي لليدي صفية على عمايل بنتها المحترمة، ولا هتسبيها تتهنّى بحضرة الظابط؟
ودي تيجي يا ست ماما؟! دا أنا هطربقها على دماغها!
قالتها بغيظ وهي تتذكر حديثها مع علي.
**********
– الله الله يا ست روفــ,,ـان… وإيه كمان؟

لم يكن ذلك الصوت سوى صوت صفية، التي كانت تنظر إلى ابنتها بنظرات يملؤها الغضــ,,ـب والخزي معًا، بينما كانت نيفين تقف بجانبها تنظر لها بشمــ,,ـاتة.
تفاجأ كلٌّ من علي وروفــ,,ـان، لكنّ مفاجأة روفــ,,ـان كانت أكبر عندما رأت والدتها؛ فهبت واقفة وهي تهتف بصدمة ممتزجة بخوف:
ماما!
صفية بعتاب جاف:
أيوة ماما يا روفــ,,ـان هانم، اللي كبرتي وبقيتي تستغفليني.
تدخل علي بهدوء:
يا صفية هانم، حضرتك فاهمة غلط.
وجهت صفية أنظارها الغاضبة نحوه وقالت بجفاء:
لما دخلت بيتنا ووقفت قدام عمي وفي وسط أهله وهددته، بصراحة استفزتني جرأتك ووقاحتك.

مش هنكر إني خفت على ابني زي أي أم، بالرغم من إن يوسف الحسيني محدش يقدر يقرب منه ولا حتى يفكر يأذيه. لكن في جانب جوايا احترمك، لما لقيتك واقف بتدافع عن بنت خالتك اللي إنت تقريبًا متعرفهاش غير من ست شهور بس، وقلت: “فاطمة ربت راجل.” … لكن بمجرد ما جيت وشفت ألاعيبك القذرة دي، كل ذرة احترام جوايا اتحولت لقرف واشمئزاز.
لم تحتمل روفــ,,ـان كلمــ,,ـات والدتها المشبعة بالاحتقار؛ فهو لا يستحق أن يُلقى عليه اللوم دون ذنب، فهذا خطؤها منذ البداية. فاندفعت لتخبرها بحقيقة ما حدث:
ماما أنا اللي…

لكن قاطعها علي بكلمته، ففغرت فاها من شدة الذهول:
أنا آسف لحضرتك… أنا اللي كلمت الآنسة روفــ,,ـان وأجبرتها تنزل تقابلني.
تحدث علي باندفاع بعد أن حاول كبح غضــ,,ـبه بشتى الطرق؛ فرجولته لا تسمح أن تُلام روفــ,,ـان أمامه. ثم استعاد بعض هدوئه وقال:
لو سمحتي، ممكن تتفضلي تقعدي وأنا هشرح لحضرتك.
وما إن همّت صفية بالاعتراض حتى تابع بمسايسة:
أنا عارف إني أخطأت، لكن صدقيني ليا مبرراتي اللي يمكن تخليكِ تغيّري رأيك فيا.
شعرت صفية بالحرج من ذوقه ودماثة أخلاقه، لكنها أبت أن تُظهر شيئًا، فجلست بصمت. تنحنح علي وبدأ حديثه:

والدتي من يوم ما عرفت إن كاميليا اتخطفت وهي في العناية المركزة جالها أزمة قلبية وحالتها كانت سيئة جدًا.
قاطعته صفية بشهقة فزع قائلة:
لا حول ولا قوة إلا بالله! طب هي عاملة إيه دلوقتي يا ابني؟ طمّني.
الحمد لله بقت أحسن شوية، بس نفسيتها سيئة بسبب اختفاء كاميليا. وأول ما فاقت وبدأت تتكلم، طلبت مني مسبش بنت خالتي وأحميها من عيلتها اللي كانت خايفة جدًا يأذوها. وأنا وعدتها بكده، فجيت القاهرة عشان أدور عليها.
أوشكت أن تقاطعه، فاستطرد قائلًا:
وقبل ما تقولي أي حاجة، أنا عارف إنكم متعرفوش عنها حاجة، بس حبيت أتأكد.

وبرضه، عشان ظروف هروب كاميليا المُبهمة، حبيت أعرف مدى علاقتها بيوسف قبل ما آخد أي إجراء ضده. وده اللي كنت عايز أسأل الآنسة روفــ,,ـان عنه. وباعترف إن ده كان غلط، وحضرتك ليكي حق طبعًا تزعلي، بس أنا عندي أختين في نفس عمرها، وعُمري ما فكرت مجرد تفكير إني أأذيها.
أخجلتها كلمــ,,ـاته، فقالت بهدوء:
أنا مقدّرة يا ابني أسبابك ودوافعك، وكمان تعب والدتك. بس صدقني، كاميليا طول عمرها زي روفــ,,ـان عندي بالضبط. وهروبها ده أثّر علينا كلنا، وأولنا يوسف. وإن جينا للحق، يا ابني، هي غلطت. إنت لو حطيت نفسك مكان يوسف، كنت هديت الدنيا.
علي بتفهّم:

كنت على الأقل سمعتها قبل ما أحكم عليها.
ما يمكن سمعها يا علي… إحنا منعرفش إيه اللي حصل بينهم.
علي بتعقّل:
المشكلة إن أي راجل في مكان يوسف، وبشخصيته دي، كبرياؤه هيتحكم فيه وممكن يأذيها غصب عنه. وأكبر دليل اختفاؤهم ده.
تدخلت روفــ,,ـان معارضة:
طب ما يمكن اختفاؤهم ده خير. مادام مسمعناش حاجة وحشة يبقى خير.
اندفعت نيفين، التي كانت تشتعل غيظًا بعدما فشلت خطتها في تدمير أي علاقة بين علي وروفــ,,ـان، فبثّت سمومها قائلة:
المفروض نستنى لما نسمع إنه ــ,,ـها يعني؟ إيه الذكاء بتاعك ده؟

تجاهلها علي للمرة التي لا تُعد، موجهًا أنظاره إلى روفــ,,ـان بابتسامة هادئة:
كلام الآنسة روفــ,,ـان صح. كون إننا مسمعناش حاجة وحشة، ده في حد ذاته كويس. بس لازم برضه أطمن على كاميليا.
تابعت نيفين بغيظ من تجاهله لها، فحاولت أن تسمّم عقل روفــ,,ـان قائلة بمكر:
مش شايف يا سيادة الرائد إن اهتمامك بكاميليا مُبالغ فيه أوي؟ خصوصًا إنك مشوفتهاش غير من ست شهور بس!
لكن علي التقط مقصدها سريعًا، فاغتاظ من دناءتها، وأجابها بمكر أخرسها:
تفتكري يا آنسة نيفين لو كنتِ مكان كاميليا، ويوسف مكاني… كان هيعرف إن أخته وبنت عمه اتخطفت ويسكت؟
طبعًا لا.

أجابته نافيه، والغيظ يأكلها من ذلك الماكر الذي واجهها بهدوء:
تمام. أهو ده بالظبط اللي أنا بعمله. وفكرة “قابلتها من ست شهور بس” دي ملهاش أي قيمة. بالنسبالي كاميليا من يوم ما دخلت بيتنا بقت أختي، زيها زي غرام وكارما. واللي مقبلوش عليهم، مش هقبلوه عليها. أتمنى تكون إجابتي كافية لأي كلام مالوش لازمة ممكن يدور في دماغك.
… آه، وعلى فكرة، كاميليا من أول يوم دخلت عندنا قالتلنا إنها مكتوب كتابها على ابن عمها يوسف.
أخرستها إجابته فلم تقدر سوى أن تُومئ برأسها، فقد شعرت وكأن دلواً من الماء البارد قد انسكب فوقها.

بينما نظرت له روفــ,,ـان بانبهار؛ فهو ألقى بكامل اللوم على نفسه، بل وجعلها ضحية، واستطاع أن يقنع والدتها بحديثه، ويجعلها تتعاطف معه، وأوقف نيفين عند حدها. أي فارس نبيل هذا قد أرسلته السماء لها؟ نعم… لها وفقط.
لكزتها والدتها التي لاحظت نظرات ابنتها المُحدقة به ببلاهة، وهمست بجانب أذنها:
اظبطي نفسك يا زفتة… متنحة للواد ليه كدا؟
الله يا ماما، مقصدش… أنا ببصله عادي يعني.
على ماما يا بت؟ لا تكوني فاكرة إنه كلّني بكلمتين وهَنسي عملتك السودة دي… حسابنا لما نروح.
آه صحيح يا ماما… إنتِ عرفتي منين إن أنا هنا؟

قالتها روفــ,,ـان بصوت عالٍ نسبياً.
—
عودة لوقت سابق
طنط صفية، حضرتك هنا! وأنا بدور عليكي.
نعم يا نيفين يا حبيبتي، عايزة حاجة؟… إيه مال عينك؟ إنتِ معَيّطة ولا إيه؟
مالت نيفين على أذنها وقالت:
عايزاكِ في موضوع ضروري.
طب تعالي نطلع أوضتي.
التفتت للخادمة وأردفت:
كمّلي يا عبير الأكل عشان ورايا حاجات مهمة.
ثم خرجت مع نيفين وصعدتا إلى غرفتها.
ها يا نيفو يا حبيبتي، مالك بقى؟
حصل حاجة مهمة يا طنط ولازم تعرفيها.
خير يا حبيبتي، حاجة إيه دي؟
تصنعت نيفين الحزن وقالت:

حضرتك فاكرة الظابط اللي كان هنا من كام يوم؟ قريب كاميليا… اللي جه وهدد جدي بــ,,ـ يوسف؟
ضغطت نيفين على كلمتها الأخيرة بشدة.
بعد الشر… طبعاً فاكره. ماله الزفت دا؟
تعملي إيه لو في حد من البيت بيقابله وعلى علاقة بيه؟
انتفضت صفية وقالت بغضــ,,ـب:
إنتِ اتجننتي يا نيفين؟ إيه الكلام اللي بتقوليه دا؟ ومين اللي يتجرأ يعمل حاجة زي دي؟
روفــ,,ـان…
نيفين! حاسبي على كلامك. إنتِ عارفة بتقولي إيه وبتتكلمي على مين؟
والله يا طنط ما بكذب عليكي. أنا سمعتها وهي بتكلمه وبتتفق معاه يتقابلوا…
ثم نظرت إلى ساعتها وأردفت:

زمانها دلوقتي خرجت عشان تقابله، ولو مش مصدقة تعالي شوفي بعينيكي.
قوليلي العنوان فين وأنا هروح.
قالتها صفية بعدما تذكرت أن روفــ,,ـان قد استأذنت منها للخروج لمقابلة أصدقائها.
أنا ممكن أجي أودي حضرتك عشان السواق مش برّه.
تمام، اجهزي عشان نخرج… نيفين، حد غيرك يعرف الموضوع دا؟
والله أبدًا يا طنط، محدش خالص يعرف.
نظرت لها صفية بشك، لكن كان عليها اللحاق بتلك الغبية روفــ,,ـان.
—
عودة للوقت الحالي
عرفت وخلاص و…
قاطعها رنين هاتفها فتفاجأت برقم رائد، لكنها أجابت:
آلو؟

برقت عينا صفية وهبّت واقفة من مكانها، ونظرت لعلي بتوتر فهمه على الفور، ثم قالت متلعثمة:
معايا مكالمة مهمة، هخلصها وهرجع.
ثم ولّت هاربة من نظرات علي الثاقبة.
✦✦✦
كان مازن في حالة يُرثى لها؛ من ناحيةٍ سعادته مع كارما التي فقدها قبل أن يروي ظمأ روحه من شهدها، ومن ناحيةٍ أخرى ظهور سيدرا التي ظن أنه تخلص من وجودها في حياته نهائيًا، وأسقط ذلك الحِمل عن عاتقه للأبد. فأحيانًا تصبح مبادئك كحبل ملفوف حول عنقك؛ لا قادر على أن تتجرد منها، ولا قادر على الالتزام بها.

ظل يجوب الطرقات باحثًا عن حل لمعاناته، وأخذ ينظر إلى وجوه الناس حوله لعلّه يجد إجابة لتساؤلاته:
لِمَ الحياة قاسية دومًا مع أولئك الذين لم يعتادوا يومًا على التخلي؟ لِمَ دائمًا تحمل قلوبنا ما لا نطيقه وتضعنا في طرق مظلــ,,ـمة لا نعرف لها نهاية؟ لِمَ لا يكون درب السعادة من ضمن خياراتنا؟
أحيانًا أشعر بأني ناقم بشدة على كل تلك العقبات التي تضعها الحياة في طريقي، وعلى كل تلك الأزمــ,,ـات التي تجبرني على مواجهتها وحدي… فها هي للمرة الثانية تجبرني على الوقوف عاجزًا أمام قلبي الذي يرتعب من فكرة الوداع، الذي حتمًا سيكون أبديًا هذه المرة.

أخذ يتذكر بعضًا من معاناته…
مازن… مازن! مين دي؟
لحقت به سيدرا، وقد اغتاظت كثيرًا عندما رأته يندفع خلف تلك الفتاة. لكن صعقها ما رأته من صفْعها له، فعلمت أنها أطالت غيابها كثيرًا، وعزمت على استعادة ما ظنته ملكًا لها.
إنتِ إيه اللي رجّعك تاني؟
قالها مازن بحنق مما فعلته كارما.
تفاجأت من هجومه المباغت فقالت بخفوت:
كنت فاكرةك هتفرح برجوعي.
مازن بجفاء:
هه… الحاجة الوحيدة اللي تخصك وفرّحتني فعلًا، كانت وأنا بوصلك المطار وإنتِ مسافرة. وفرحتي كانت عشان خلصت منك.
وكأنه غرس سكيــ,,ـنًا مسمومًا في قلبها المتيم بعشــ,,ـقه.

يااه يا مازن، أنا كنت بصبّر نفسي وأنا مسافرة وأقول: أكيد وحشته.
لم يكن أمامه مفرّ من عرض الحقيقة أمام عينيها بتلك الطريقة حتى تتوقف عن تلك الترهات التي تتفوه بها.
إنتِ عمرك ما وحشتيني يا سيدرا، وإنتِ عارفة كده كويس.
واصلت دربها في استعادة علاقة لم يكن لها أساس من البداية سوى في مخيلتها.
بس أنا كنت بوحشك زمان.
مازن بجفاء:
زمان، أيام ما كنتِ أختي… أخت محمود صاحبي الله يرحمه. كنتِ الطفلة الصغيرة اللي بتجري تتشعبط في رقبتي أول ما أروح أزور أخوها الكبير. لكن اللي اتحولتِ ليه بعد كده…

دي واحدة مش عايز أفتكرها.
عاندته بقهر:
قصدك إني بقيت واحدة بتحبك ومستعدة تعمل أي حاجة عشان تفضل معاها.
مازن بتقريع:
والسرمحة مع الزبالة اللي كنتِ تعرفيهم؟ برضه كنتِ بتعملي كده عشان أفضل معاكِ؟
أخجلها ذنبها، ولكن دوافعها بدت عظيمة، فقالت بخفوت:
أنا كنت عايزاك تغيّر عليا، ماكنتش أعرف إن ده كله هيحصل… صدقني.
وبّخها بغضــ,,ـب:
أنا حذرتك مرة واتنين وعشرة من غضــ,,ـبي ومن تهورك، بس إنتِ ما سمعتيش وكملتي في غبائك.
صاحت بانفعال:
تمام!

أنا غبية ومتهورة، بس عايزة أشوف غضــ,,ـبك هيبقى إزاي عالحلوة اللي ضــ,,ـربتك بالقلم على وشك قدام الناس كلها ومشيت!
قالت كلمتها الأخيرة بتشفي، فصاح من بين أسنانه:
سيدرا! ما تختبريش صبري عليكِ… وملكِيش دعوة بكارما خالص، فاهمة؟
واصلت في غبائها، ظنًا منها أنها تدافع عن ما لم تملكه يومًا:
هي اللي ملهاش دعوة باللي يخصني!
قهقه مازن بغضــ,,ـب وقال بدهشة:
أكيد ما تقصدنيش أنا… صح؟!
سيدرا بوقاحة:
لا، أقصدك يا مازن… إنت تخصني أنا! إنت مدين لمحمود أخويا بحياتك اللي كان زمانه عايش دلوقتي لو ماكنش فداك بروحه. وانت عليك دين لازم توفيه…

ده غير الأمانة اللي أمنّك عليها قبل ما يمــ,,ـوت: إنك تحافظ عليا أنا وأمي. يعني إنت مجبر تكون معايا أنا…
—
حقًا، لا أعرف متى ستنتهي معاناتي مع الحياة؟ فتارةً تجمعني بأناس ينطفئ قلبي بوجودهم ولا أتحمل العيش معهم، وتارةً تمنع عني أناسًا لا تحلو الحياة إلا برفقتهم، ولا يضيء قلبي إلا في حضرتهم…
فهل يمكن أن أتصالح معها يومًا وأحتضن جزءًا كانت قد بترته مني فتكتمل به روحي، وأروي به ظمأ قلبي؟
نورهان العشري
أخذ يوسف يتطلع إلى تلك الجميلة النائمة بسلام، لكن تحمل على ملامح وجهها جميع خيبات العالم.

كان قلبه يؤلمه بشدة لألمها الذي تحاول أن تخفيه عنه، ولكن هيهات لقلب يعشــ,,ـق لذلك الحد ألا يشعر بألم نصفه الآخر الذي كان يحميه ويرعاه ويخشى عليه من نسمة الهواء…
أخذ يرسم بأنامله ملامحها الفاتنة التي يعشــ,,ـق كل إنش فيها، محاولًا أن يملأ قلبه من قربها الذي سيشتاقه كثيرًا.
فما المانع من تنفيذ أمنية صغيرة لبريء حُكم عليه بالإعدام؟
هكذا أخذ يقنع عقله الذي كان ينهره بشدة ويطالبه بتركها والثأر لما فعلته به، وخاصةً تلك الكلمــ,,ـات التي كانت تنخر في عظامه من فرط قسوتها.

لكنه تجاهل كل هذا واقترب يسكب عشــ,,ـقه بين عينيها قائلًا بصوت أجش من فرط الوجع يكاد يكون مسموعًا:
“خليكِ فاكرة إني بحبك مهما حصل مني… أوعي تنسي كده أبدًا.”
أخيرًا استطاع أن ينتشل نفسه من جنة حبها المليئة بالأشواك التي كان دائمًا يتجاهل ألمها. فقد كان يكفيه قربه منها، والنظر إلى بحر العسل الذائب في عينيها الذي كان كالمخدر له… ينسيه كل آلامه، ولا يتذكر سوى وجودها معه.

بدأت كاميليا تستعيد وعيها تدريجيًا، على الرغم من رفضها الكبير للعودة إلى تلك الحياة البائسة التي كُتبت عليها، إلا أنها دائمًا ما تجد نفسها تُرغم كالعادة وتستفيق من تلك الغيبوبة التي أصبحت مؤخرًا تلجأ إليها كثيرًا…
أخذت تسترق النظر لذلك المارد الذي يقف أمام النافذة بكل هيبة ووقار، ينظر إلى البعيد ولا يدري شيئًا عن قلبها الذي ينتفض حبًا له…

انت في الصفحة 2 من 7 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى