طاوع عقله وعاند قلبه مؤكدًا على حديثه:
قلبي اللي بيتكلم يا كارما، مش لساني.
لا يمكن للأنثى إلا أن تنصاع خلف شعورها، فواصلت حديثها قائلة:
طب أصدّق مين فيهم؟
صدّقي قلبك وشوفي هيقولك إيه.
لم تكن الأمور عادلة معها، لذا قالت بتنهيدة حارقة:
قلبي هييجي عليّا معاك يا مازن.
قلبك حاسس بقلبي وعارف إيه جواه.
أرادت أن تقطع بذور الشك من جذورها، فقالت بإصرار:
في حاجة معرفهاش؟
راوغ سؤالها بقنبلة تتفجر داخلها كلما ألقى تلك الكلمة على مسامعها:
بحبك أوي.
تجاهلت ضجيج قلبها إثر سماع كلمته، وواصلت تريد العبور إلى أبعد مما يمكنه السماح لها:
في حد دخل حياتك في غيابي؟
محدِش دخل قلبي غيرك.
ماعرفتش حد بعدي؟
ضاق ذرعًا من إصرارها، فهتف بعناد:
محبتش حد غيرك… ليه مش قادرة تصدّقي؟
لا تتنحى الأنثى حين يتعلّق الأمر بالغيرة، وكانت تتألم بداخلها لسبب لا تعلمه، لذا تابعت بقوة:
اقنعني.
تتجوزيني؟
أدارت وجهها عنه وأغمضت عينيها بشدة، فهي تعشــ,,ـقه حتى النخاع، لكن هناك شيء يخبرها بأن لكل جنة شيطانًا، وهي تخشى أن يظهر هذا الشيطان على هيئة امرأة قد استوطنت قلبه في غيابها، فتحرمها من جنّته التي لطالما حلمت بها معه.
متخبيش عينيك مني، كفاية اتحرمت منهم كل دا.
هكذا تحدّث بخفوت ولهجة معاتبة، فأجابته بجفاء يوحي بمدى لوعتها وما يعتريها من تخبّط:
خايفة أعرف أترجم اللي في عينيك يا مازن ويوجعني…
أجابها بصدق:
عمري ما هوجعك أبدًا.
يبقى متخبيش عني حاجة.
زفر بتعب من عنادها:
عايزة تعرفي إيه؟
كل اللي ماعرفهوش.
أجابها بخشونة تتنافى مع عذوبة كلمــ,,ـاته:
اللي ما تعرفهوش إني مكنش ليا حد قبلك، ولا هيكون ليّا حد بعدك.
تفاقم الغضــ,,ـب وطغى على كل شيء، فحاولت كبحه باستفهام جاف وصريح، فلا طاقة لها بالمراوغة وهو لا يستجيب:
وأنا مش موجودة، مكنش في حد بيعوّض غيابي؟
شدّدت على كلمــ,,ـاتها بكل ما يعتمل بداخلها من خوف.
لم تتلقَّ من شفتيه أي إجابة، لكن تولّت عيناه مهمة الردّ عليها، فقد أخذت ترسل إليها شرارات من العشــ,,ـق الذي فاض به قلبه، وارتوت به روحها، فشعرت بالدفء يتسرب إلى داخلها. لكنها أبت أن تسلّم رايتها، فقالت:
ساكت ليه؟
سيبت عيوني ترد عليكِ… سيبتِ تشوفي فيهم إنتِ بالنسبالي إيه.
لم تستطع الصمود أمام عينيه أكثر، فأدارت وجهها قائلة بتململ:
إنت بتلجأ لطرق غير مشروعة على فكرة.
ابتسم قبل أن يقول بخشونة:
في الحب والحرب كل شيء مباح.
هتفت بحنق:
بس دي حرب غير متكافئة.
استنكر حديثها قائلًا:
حرب مش حب! طب ليه مش متكافئة من وجهة نظرك؟
أجابته بتذمر:
عشان كل حاجة ضدي فيها. كل حاجة فيّا بتحاربني معاك يا مازن.
لم يهتم لأي شيء وقال بعذوبة:
وكل حاجة فيّا بتعشــ,,ـقِك يا كارما.
ليه راميه نفسك في الحيرة دي كلها، وسايبة الظنون تاخدك وتوديكي؟
أخرجت مكنوناتها في تنهيدة قوية، اتبعتها بكلمــ,,ـات أقوى نابعة من خوف كبير يستوطن داخلها:
عشان مش هقدر أترفع معاك لسابع سما، وتيجي حاجة تخسف بيا سابع أرض. مش هقدر يا مازن… لو وقعت مش هقوم تاني.
للدرجة دي ما عندكيش ثقة فيّا يا كارما؟
قالها بحزن، فأجابته بتعقّل:
مش قِلّة ثقة، بس أنا وإنت مش لسه متقابلين امبارح… إحنا متقابلين من زمان أوي، وكان بينا وعد حافظت عليه بروحي.
وأنا مُحصّنة نفسي بريحتك اللي كانت ساكنة فيا من يوم فراقك، وفضلت مُصبّرة قلبي بصورة قديمة لينا زمان، كانت بتواسيني في بُعدك. فمش هقدر أُسامح على حاجة حصلت في غيابي، ومش هقبل أسكن مكان لمست جدرانه واحدة غيري… حتى لو كان وضع مؤقّت.
كانت كلمــ,,ـاتها وكأنها ضــ,,ـربات سوط تجلد قلبه العاشق لها، وكان يصبّ عليها النــ,,ـار لتشتعل أكثر نــ,,ـار ضميره، الذي كان يُعنّفه بشدة على ما يُخفيه عنها ويأمره بالإفصاح عمّا يُخبّئه في أعماق نفسه. لكن ما يُخفف من عذابه ولو قليلًا، أنه لم يكذب بشأن قلبه الذي لم تَمَسّه امرأة سواها.
وأخيرًا قرر إنهاء معاناته ومعاناتها؛
فلا طاقة له بالعيش دونها، ولن يترك الحياة تتلاعب به مرة أخرى وتُرغمه على التخلي عنها، فقال بلهجة لا تقبل الشك:
محدش سكن قلبي غيرك إنتِ. قلبي كان مختوم بحبك، اللي كان مخليه مش شايف أي بنت تانية. محدش لمس جدرانه غيرك… ومفيش حد هيقبل يسكن مكان كل ركن فيه مكتوب عليه اسمك.
كلمــ,,ـاته حملت من الروعة ما جعل عينيها تتعلقان به رغمًا عنها، وخاصةً حين تابع بصدق:
إنتِ حبيبتي الأولى والأخيرة، وقلبي محدش سكنه إلا إنتِ… اطمني.
عودة للوقت الحالي…
كدّاااب… أكتر إنسان كدّاب في الدنيا.
قالتها بحــ,,ـرقة من بين دموعها، وأخذت تلعن غباءها؛
فهو كان يراوغها، وهي بكل سذاجة صدّقته. خدعها، ولم يكن صريحًا معها، وهي لن تلومه وحده، بل تلوم قلبها الذي أوقعها في شِراك رجل لا يعرف معنى الوفــ,,ـاء.
صدح رنين هاتفها برسالة منه، فهي تتجاهل مكالمــ,,ـاته التي تخطّت المائة مكالمة فائتة…
أمسكت بهاتفها تقرأ، وداخلها يتمزق:
“ردّي عليّا يا كارما، متحكميش عليّا بالإعدام من غير حتى ما تسمعيني ولو لمرة واحدة… أرجوكِ ردّي عليّا.”
أخذت شهقاتها تعلو شيئًا فشيئًا، فكتمتها بالوسادة خوفًا من أن تستيقظ والدتها؛ فهي تخشى عليها من أن تراها في تلك الحالة المزرية، مفطورة القلب، مكسورة الخاطر.
وما هي إلا دقائق معدودة حتى سمعت جرس الباب. تعجبت، فالوقت يشير إلى الحادية عشرة… فمن سيأتيهم في هذا الوقت؟
حاولت إصلاح هيئتها المزرية تلك، وهمّت بفتح الباب، فصُدمت مما رأته.
أنت…؟
★★★★★★★★
بكل ما أُوتيت من عشــ,,ـق، أتمنّى لو أنّني لم ألتقِ بك أبدًا.
بدأت غرام باسترداد وعيها شيئًا فشيئًا، وأخذ رأسها يتحرّك في جميع الاتجاهات تحاول معرفة أين هي. شعرت بيد تحتوي كفّها بحنان لامس قلبها، فالتفتت لتتفاجأ به يبتسم لها بوهن، فبدأت تستعيد ذكرياتها المريرة معه، فشعرت بألم حادّ في صـ,,ـدرها بات يمنع عنها التنفّس.
وعلى الفور انتزعت كفّها من تلك المتشبّثة بها، ووضعتها فوق قلبها وأغمضت عينيها بشدّة، بينما دموعها تنهمر على وجنتيها وكأنّها جمرات مشتعلة تسقط على قلبه فتحــ,,ـرقه.
أخذ الندم يقرضه من الداخل كونه المتسبّب في ذلك العذاب الذي تعيشه الآن، فودّ لو يرجع به الزمن بضع ساعات لكان الآن معها يخبرها أنّه يعشــ,,ـقها وأنّها امرأة حياته، ولكن سبق السيف العزل، ولم يعد بيده شيء. لقد أخطأ، والآن يجب عليه تحمّل نتيجة أفعاله النكراء.
حتى المــ,,ـوت استخسرته فيَّ!
قالتها بوجع انحفر في ملامح وجهها، فباتت كعجوز نجح الزمن في امتصاص الحياة منها وطبع خيباته عليها.
وقعت كلمــ,,ـاتها عليه كضــ,,ـربات السيف الذي شطر قلبه نصفين. فيا ليتها تعلم أنّه لا حياة لقلبه دونها، وأنّه لو كان بإمكانه أن يدفع عمره مقابل أن يعيد الزمن إلى الوراء بضع ساعات فقط، لوضعها بين طيّات قلبه وحماها من ذلك الشيطان اللعين الذي كان يتملّكه. ولكن هيهات أن يستطيع إنسان أن يُعيد الزمن للحظة واحدة.
فالندم كان ولا يزال لعنة البشريّة التي لا يمكن التحرّر منها، فهو أشبه بابتلاع الإنسان جمرة من النــ,,ـار تحــ,,ـرقه من الداخل، ولا يملك سلطة إرجاعها، ليظل يكتوي بنــ,,ـارها الحارقة. فرَفاهيّة إرجاع الزمن إلى الوراء لم تُخلق بعد.
متقوليش كده… إنتِ لو كان جرى لك حاجة مكنتش هسامح نفسي طول حياتي.
تحدّث أدهم بعد أن جاهد كثيرًا ليلملم شتات نفسه التي بعثرتها امرأة أصبح يعشــ,,ـق الهواء الذي تتنفّسه، وأكثر ما كان يــ,,ـه أنّه لم يكن يكتشف مقدار عشــ,,ـقه لها سوى في تلك اللحظة التي أوشكت فيها على التخلّي عن حياتها.
ودلوقتي مسامح نفسك؟!
قالتها بوجع، فلم تتلقَّ منه أي إجابة، فباتت صورته في عينيها كمسخ مجرّد من كلّ معالم الإنسانيّة. وواصلت تحطيم ما تبقّى من ثباته المصطنع:
ياااه… هو السؤال صعب أوي كده؟
“لا يليق بك الضعف والانحناء، حتى وإن أخطأت، فهي من دفعتك لذلك…”
هكذا أخبره عقله، فنصَب عوده وحاول رسم جدار من اللامبالاة التي تجلّت في كفّيه اللذين أخفاهما في جيوب بنطاله، وقال بصوت جاهد أن يكون ثابتًا:
مقدرش أشوف حد بيحاول يمــ,,ـوت نفسه وأقف أتفرّج عليه.
خرجت منها ضحكة ساخرة تحمل كلّ معاني الخذلان الذي يعتمل بداخلها، وسرعان ما تحوّلت لبكاء يقطع نياط قلبه. نصبت عودها المحتّي بخزي لتقترب منه قائلة بسخــ,,ـرية سرعان ما تحوّلت لوجع:
متقدرش تشوف حد بيمــ,,ـوت، لكن تقدر تموّته صح؟! أنا عملت فيك إيه عشان تعمل فيَّ كده؟
بلاش السؤال ده… قولي شفت مني إيه يخليك تفكر فيَّ التفكير القذر ده؟
شوفت…
قالها أدهم بصراخ اهتزّت له أرجاء الغرفة، ودبّ الرعب في أوصالها عندما وجدته يقترب منها بإحدى يديه، ويده الأخرى تلكم الحائط خلفها، وهو يقول بغضــ,,ـب مميت ونبرة مرعبة:
شوفتك وإنتِ مع واحد في الكافيه، وضحكتك مسمّعة إسكندريّة كلها! وشوفتك وإنتِ مع واحد تاني قدام باب المستشفى بعد ما كنتي معايا بدقايق. وسمعتك وإنتِ بتكلّمي واحد تالت في التليفون وبتوصفيله قد إيه مشتاقاله… وبتتكلمي عني معاه على إني مجرّد واحد صاحب أخوكي! عايزاني أشوف إيه تاني عشان أفكّر فيكي كده؟ ردّي عليّاااااا!
قالها بصراخ أرعبها، فصار جسدها يرتعش وأخذت تردّد دون وعي:
إنت مجنون… أكيد مجنون… استحالة تكون إنسان طبيعي.
احمدي ربنا إن المجنون ده مــ,,ـكيش في ساعتها، لإن النــ,,ـار اللي كانت جواه كفيلة إنها تحــ,,ـرق إسكندريّة باللي فيها.
صرخت بكلّ ما تحمله من وجع وخزي:
ابعد عني… مبقتش عايزة أشوفك! إنت إنسان ظالم وكدّاب، وملكش أي حق تحاسبني على أي حاجة. إنت بتدور على أي شمّاعة تعلّق عليها جريمتك!
تمكّن منه شيطانه الذي حوّله لمسخ بنظرها حين هدر بعنــ,,ـف:
جريمتي دي كانت النهاية لأي واحدة تفكّر ترخّص نفسها وتتنقّل بين كل واحد شوية.
دوّت صفعة مدوّية على خدّه، بثّت فيها كل ما تشعر به من قهر وألم، حتى أخذ يتردّد صداها في أرجاء الغرفة.
أغمضت عينيها بشدّة تتوقّع منه أن يحطّم رأسها في أي وقت، وهي حتى لن تعترض؛ فقد كانت تتمنّى لو تنتهي حياتها في تلك اللحظة وينتهي كلّ ذلك الألم. ولكنّها فوجئت بذلك المجنون يحطّم كلّ ما يحيط بهم ويزأر كأسد جريح. فارتعبت من مظهره واتّخذت ركنًا في آخر الغرفة، وانزوت به محاوطة جسدها بذراعيها ترتجف بشدّة، حتى هدأ تمامًا من نوبة الجنون التي انتابته.
فهو إن لم يفعل ذلك ويُخرج شحنة الغضــ,,ـب التي ولّدتها فعلتها الخرقاء، لكانت الآن في عداد الأموات.
أخذت خطواته تقترب منها، فشعرت بثقلها على قلبها. أمّا هو فقد كان يودّ لو فصل رأسها عن جسدها لتلك الفعلة الشنيعة، والتي لم يجرؤ أحد على الإقدام عليها طوال حياته. ولكن تلك النظرة التي رآها في عينيها ما أن رفعت رأسها لتنظر إليه، شلّت تفكيره تمامًا. فلم يشعر إلا وهو يقترب منها ويقارب جبهته من خاصّتها حتى امتزجت عبراتهما، ليقول بنبرة متحشرجة:
كان نفسي تطلعي غيرهم… كان نفسي تبقي الملاك اللي هينقذني من الجحيم اللي عايش فيه… ليه طلعتي خاينة زيهم؟
حتى وإن مستها دموعه وانتفض لها قلبها، فلن تسامحه على غدره بها، وأيضًا ظلــ,,ـمه لها. إذن فليتجرّع جزءًا من عذابها، فانتفضت من جانبه قائلة بغضــ,,ـب:
عشان إنت متستهلش غير واحدة خاينة وغدّارة زيك… عارف؟ أتمنّى تفضل عايش في الجحيم ده طول عمرك، وتفضل متعذّب، ومتشوفش يوم حلو أبدًا في حياتك… هو ده اللي تستاهله.
شعر أدهم بسريان النــ,,ـار بين أوردته، فقد كان يودّ لو تخبره بأنّه أخطأ بحقّها وأنّها الملاك الذي جاء لينتشله من عذابه. فهو بعد أن رأى انهيارها ومحاولة انتــ,,ـحارها يكاد يجزم بأنّها أطهر مخلوق على وجه الأرض. ولكن لِمَ تتفوّه بهذه الترهات؟! ألتزيد من عذابه؟!
ألا يكفيه ما يعانيه من ألم ولوعة؟ فلم يشعر بنفسه وهو يقول بجمود:
عشان كده أنا مش ندمان على اللي عملته معاكِ، ولو رجع بيا الزمن هعمل كده تاني.
ألقى بقنبلته وغادر دون أن يلتفت ليرى مدى الخسائر التي تسبّب بها، ولا ذلك القلب الذي تفتّت حزنًا ووجعًا. ولكن ماذا كانت تنتظر من شخص مثله لا يمتلك قلبًا من الأساس؟!
ألم يكن هذا ما تمنّته؟ أن يُشبه حبيبها مصّاص الدماء! فهو بالفعل يشبهه قولًا وفعلًا، ولكن الاختلاف هنا أنّه امتصّ روحها وتركها مثل خرقة بالية لا تصلح للحياة. ليته امتصّ دماءها أيضًا وأنهى حياتها التي أصبحت كالجحيم.
—
دخل يوسف إلى شقّته وهو يشعر بأنّه يحمل همومًا بثقل الجبال فوق كتفيه، فنظر إلى أثاثها المبعثر والمهشّم، تمامًا كما هو حال قلبه. فأخذته قدماه تلقائيًا إلى حيث الغرفة التي كانت تمكث بها، يتلمّس رائحتها التي يعشــ,,ـقها.
فتقدّم وجلس على فراشها، واحتضن وسادتها، وانفلتت دمعة حارّة منه تحكي مقدار الوجع الذي يشعر به. فأخذ يتذكّر كيف حطّمه غيابها وما تحمّله من عذاب فقدها، فبهروبها كأنّها منعت عنه الهواء الذي يتنفّس.
فتلك هي المرّة الأولى التي يشعر بها بمثل هذا الضعف في حياته. لطالما كان قويًّا صلبًا لا يستطيع أيّ شيء أن يحرّك ساكنًا فيه.
فهو مثال الرجل القوي الذي اعتاد أن يقف في مواجهة الحياة بكلّ عنــ,,ـفوان، لم يأبه لأحد قط. فقد كان بمثابة الصخرة التي يحتمي بها الجميع، والجدار الذي يتكئ عليه كلّ من حوله. لم يعتد يومًا على الانحناء للحياة.
فكان يناطحها، ولم يجعلها يومًا تُخضعه لإرادتها. بل لم يستطع شيء أو شخص في هذه الحياة أن يهزمه… سواها!
هي، وفقط هي، من استطاعت أن تحطّمه. غيابها أفقده عقله، وأشعره بالعجز لأوّل مرّة في حياته. تلك المرأة فعلت به ما لم يستطع أعداؤه كلّهم فعله. حتى أنّها جعلته يتخلّى عن الكثير من مبادئه لأجلها.
ولكن لم يعد يستطيع أن يتحدّى كبرياءه أكثر، فلتتحمّل نتيجة خياراتها.
أخيرًا، قرّر ألّا يستسلم لأحزانه أكثر من ذلك، وقرّر أنّه لن يتراجع عمّا انتواه لها. فقام بالبحث عن حقيبتها ليجدها مخبّأة في الخزانة. فراوده الشك حول هذا الأمر، فقرّر معرفة ما تحتويه. قام بفتحها، ولكنّه صُدم ممّا رآه…
*************
إنت إيه اللي جابك؟ ليك عين تيجي هنا؟
أرجوكِ يا كارما، لازم تسمعيني.
قالها مازن بقهر، فصاحت بألم:
كدّاب… كدّاب! من قبل ما أسمعك يا مازن، ولو قعدت تتكلم من هنا لبكرة مش هصدّقك.
تابع يحاول جعلها تستمع إليه:
أرجوكِ، إديني فرصة أدافع بيها عن نفسي.
صاحت بغضــ,,ـب:
فرصتك خلصت خلاص، ومعدش ليك جوايا اللي يخليني أقدر حتى أسمعلك.
قال مازن بقهر:
يعني إيه؟
يعني رصيدك جوايا خلص يا مازن. إنساني وابعِد عني. أنا حتى مبقتش طايقة أشوفك قدامي.
همّت بإغلاق الباب في وجهه، فوضع قدمه مانعًا إغلاقه وقال بغضــ,,ـب:
بلاش تعنّدي. أنا عارف إن لسه جواكِ اللي خلاكِ تستنّيني السنين دي كلها، مش هيخليكِ تقدري تشيليني من قلبك بالسّهولة دي.
قالت صارخة من بين دموعها:
وإنت قدرت، صح؟!
قدرت واحدة حبتك واستنّتك كل السنين دي، وما سمحتش لحد يقرب من حاجة تخصّك. كتبت قلبها على اسمك وماخلّت حد يقرب منه. قضت طفولتها ومراهقتها وشبابها بتحلم بيك، وإنت في المقابل عملت إيه؟ روّحت رميت نفسك في حب واحدة تانية! لا وكمان كانت هتبقى مراتك. يعني أنا أصلًا مليش وجود… امشي يا مازن، مش عايزة أشوفك تاني!
سردت أخطاءه ووجعها بكل ما تحمل من ألم، وكان أضعافه في قلبه الذي يشتهي فرصة واحدة فقط ليخبرها بحقيقة جريمته تلك، لذا تحدّث بإصرار:
والله إنتِ فاهمة غلط. البنت دي ما تهمّنيش أبدًا، والخطوبة دي ليها قصة… لو سمعتيها هتعذريني.
كارما بقهر:
كان ممكن أصدّقك لو ماكنتش شفتها بعيني وهي جنبك ومعاك، وكأنها متعوّدة على كده، وكأن ده مكانها.
أرجوكِ…
قاطعته بغضــ,,ـب:
اسكت!… أوعى تترجّاني، عشان لو عملت المستحيل عمري ما هرجعلك تاني. أنا بقيت بقرف منك.
ألقت جملتها في وجهه وأغلقت الباب وهي تبكي بلوعة. فكم تود أن ترتمي بقربه تشكو له عذابها معه، تشكو ضعفها، تشكو خيبتها، تشكو كل ما يجعلها تتألّم بهذا الشكل المريع.
صدح هاتفها معلنًا عن اتصال من مجهول، فلم تلقِ بالًا، فيكفيها ما تعانيه. لكن تكرر الاتصال عدّة مرات، فأجابت.
ليتها صوت غرام الباكي:
كارما، أنا في المستشفى… تعالي خديني.
انتفض قلبها ذُعرًا على شقيقتها:
مستشفى إيه؟! إنتِ كويسة؟
متقلقيش، أنا كويسة… بس تعالي من غير ما تقولي لماما حاجة. أنا بكلمِك من رقم ممرضة هنا، تليفوني ضاع مني.
حاضر يا قلبي، مسافة السكة وهكون عندك.
لملمت أشياءها سريعًا، وقامت بالاطمئنان على والدتها خوفًا من أن تستيقظ، فوجدتها تغط في نوم عميق بفعل الأدوية التي تناولتها، فخرجت سريعًا. وما أن فتحت باب المنزل حتى تفاجأت به يجلس على الأرض، يضع رأسه بين قدميه في حالة يُرثى لها.
فخفق قلبها بشدّة، وودّت لو اقتربت لتخفّف عنه وعن قلبها، وتزيل كل هذا الألم الذي يشعران به…
انتفض مازن عندما وجدها تخرج من باب الشقّة. تُرى هل رأفت بحاله وقررت أن تمنحه فرصة أخيرة للحياة بإنصاتها إليه؟ فاقترب منها قائلًا بلهفة:
كنت عارف إني مش ههون عليكِ.
عاجلته قائلة:
غرام في المستشفى! معرفش حصلها إيه!… كلمتني بتعيط وأنا رايحة لها.
اقترب منها قائلًا بحنان بالغ:
إن شاء الله خير يا حبيبتي، متقلقيش.
نسيت كل شيء للحظة، وبثّته قلقها ولوعتها:
خايفة عليها أوي يا مازن.
فما كان منه إلا أن لبّى دعوة قلبها المنفطر ألمًا، وأخذها يطمئنها ويطمئن قلبه بها…
أشعر بأن هناك خيطًا خفيًا يربط قلوبنا ببعضها البعض، فكلما هممنا بالابتعاد أجده يعيدنا مرة ثانية… فبالرغم من عذابي ومعاناتي معك، إلا أنني لا أشعر بالاطمئنان والأمان سوى بين يديك. وأشعر بقلبك أيضًا ينتفض عشــ,,ـقًا عندما أكون معك. فلا أدري ماذا تُخبئ لنا الحياة، ولكن حقًا أشعر بصوت في أعماق قلبي يتوسّل لي ألّا أفلت يدك مجددًا…!
نورهان العشري
بع الجزء الثاني للوجه الثاني عشر للعشــ,,ـق
فتح يوسف باب غرفتها بعدما تحدث مع الطبيب الذي أخبره بأنه يجب عرضها على طبيب نفسي لمتابعة حالتها حتى لا تسوء أكثر، وبأنها نامت بفعل المنوّم ولن تستيقظ حتى الصباح. فسبقه قلبه بلهفة إلى مكانها، واقترب منها بخطوات بطيئة، وأخذ ينظر إلى ملامحها الجميلة وشَعرها المنثور حولها كأشعة الشمس، يمنحها جمالًا فوق جمالها. فقد كانت نائمة كملاك بريء، فتمدد بقربها ليجعلها في مكانها الصحيح بجانبه، وأخذ يتذكر لقطات من سعادته معها.
فلاش باك
كان منهمكًا في عمله كثيرًا، إلى أن سمع طرقة رقيقة على الباب تردّد صداها في قلبه على الفور، فعرف صاحبتها قبل أن تشرق بنورها عليه. ابتسم ابتسامة خافتة وأغلق الملف الذي بيده، واقترب من الباب وفتحه بسرعة ساحِبًا إياها لتصبح أمامه بعد أن أغلقه خلفها، فأصبحت محاصرة بينه وبين باب الغرفة. فشهقت بصدمة وقالت بخفوت:
يوسف، خوّفتني!
لم تتلقَّ منه ردًا، فقد كان مشغولًا بأن يُملي عينيه منها، ويملأ داخله من عبيرها الفاتن، ويروي ظمأ عشــ,,ـقه منها. فقد أسكره وجودها ظلًا على هذه الحالة وقتًا ليس بالقليل، إلى أن شعر بها تتململ بخجل فقال بهمس:
قلب وروح يوسف.
توترت من كلمــ,,ـاته وزاد خجلها، ففعلت تلك الحركة المعتادة وقامت بأسر كريزيتها بتوتر، فكانت فعلتها هذه كافية لإشعال براكين عشــ,,ـقه الممزوج برغبة كبيرة من قلبه في قربها. فأخذ يحرّر أسرها وهو يقول بخشونة:
قولتلك مليون مرة متقسيش عليهم… أنا بس اللي مسموحلي أعمل كده.
وعلى الفور أثبت ملكيته لها؛ فهي حبيبته، منبع عشــ,,ـقه وارتواؤه الذي لا يمل منه أبدًا. فقد كان وجودها بجانبه هو الجنة بعينها التي دائمًا ما تجذبه بقوة. ولكن هذه المرة كانت مختلفة، فهذه المرة أصبحت ملكه، فبات اسمها مقرونًا باسمه مدى الحياة… فاليوم أصبحت زوجته.
تركها على مضض وهو يشعر بأنها لم تعد قادرة على التنفس، وكان صـ,,ـدره يعلو ويهبط من فرط المشاعر التي عصفت به، فكان يلهث كما لو أنه في سباق عدو.
ماذا تمتلك تلك المرأة لتجعله يشعر بكل تلك المشاعر التي تجتاحه كفيضان وهو غير قادر على السيطرة عليها؟ هكذا حدّثه عقله.
قام برفع رأسها ليجعلها تنظر إليه، فقال بعشــ,,ـق وهو يتأمل خجلها المحبب إلى قلبه:
هو أنا لو كلتك دلوقتي هيجري إيه؟
يوسف، ابعد… أنا همشي.
يوسف بمكر:
هو دخول الحمّام زي خروجه ولا إيه؟
تقصد إيه؟