Uncategorized

للعشــ,,ـق وجوة كثيرة نورهان العشري 4

قالتها بخوف، فضحك يوسف على ملامحها التي انتابها الذعر وقال:
هو ينفع تبقي مرات يوسف الحسيني وتخافي كده؟
كاميليا بعدم تصديق:
هو ده بجد؟ أنا بقيت مراتك فعلًا؟
يوسف بحنو:
طبعًا بجد يا حبيبتي… وجد الجد كمان.
خايفة أصدق يا يوسف.
يوسف بطمأنينة:
قولتلك متخافيش، طول ما أنا معاكِ. مش واثقة فيا ولا إيه؟
طبعًا واثقة فيك، بس إنت مشوفتش ردود أفعال الناس حوالينا كانت عاملة إزاي؟ تقريبا محدش باركلنا خالص غير روفــ,,ـان، وبعد ما أخدت وقت عشان تستوعب الصدمة.
يوسف بخشونة:
إنتِ قولتيها… صدمة. يبقى لازم نديهم وقت يستوعبوها.

كاميليا بتيه:
حاسة إني متلخبطة…
يعرف الطريق إلى قلبها جيدًا، ويعرف كيف يهذب ثورتها ويطمئن خوفها، فهمس بعذوبة:
بحبك.
أخفضت رأسها خجلًا، أضفى روعته على نظيرتها حين قالت:
إنت قاصد تلخبطني أكتر…
تابع هجومه على ثباتها قائلًا:
بمــ,,ـوت فيكِ.
يوووسف…
قالتها بدلال.
عيوني.
قالها بحب، ولكن سرعان ما برقت عينيها وكأنها تذكرت شيئًا، فصاحت بغضــ,,ـب:
صيييح! تعالالي هنا. حضرتك فتحت الباب وشدّيتني كده، افرض بقى كان في حد تاني غيري… كان هيبقى إيه الوضع دلوقتي؟
كانت غيرتها تتحكم بها وهي تمسكه من أعلى قميصه، فأجابها بوعيد يُبطنه المزاح:

عارفة يا كاميليا لو حد من الناس اللي بره دول شافك وإنتِ ماسكاني كده… هيبقى شكلي عامل إزاي؟
شاطرته المزاح قائلة:
هبقى أنا دخلت التاريخ من أوسع أبوابه يا روحي. المهم دلوقتي جاوب عليا يا يوسف: لو حد تاني دخل… كان زمانه مكاني، صح؟
باغتتها روعة كلمــ,,ـاته ونبرته المشبعة بالصدق:
مفيش حد ينفع يبقى مكانك يا كاميليا.
صمت لثوانٍ، ثم أكمل ليجعل عشــ,,ـقها له يتضاعف داخل قلبها:
وبعدين، لو أي حد تاني غيرك… مكنش قلبي هيدق أوي كده. قلبي بيعرف صوت خطوتك.
كاميليا بعشــ,,ـق:
قلبك ده أغلى حاجة في حياتي.

يوسف بلهجته الخشنة التي تدغدغ حواسها:
قلبي ده مفيش حد سكنه غيرك، ولا حد قدر يوصله قبلك. إنتِ عشــ,,ـقي يا كاميليا… عشــ,,ـق يوسف.
ذابت من حلاوة كلمــ,,ـاته، وارتمت بين ضفاف جنتها وحصنها المنيع، غير مصدقة أن هذه السعادة لها وحدها. فهطلت دموعها من فرط التأثر، وتسلّل بعض الخوف إلى داخلها من أن يحدث ما يعكّر صفوها، فشعرت به يتصلب وزادت وتيرة أنفاسه، فعلمت أنه غاضب. فغزا قلبها الخوف، فهي تعلم كم غضــ,,ـبه مرعب، فشدّد من احتوائه لها وقال بخشونة:
عارفة يا كاميليا كام واحد هنا بيمشي رافع راسه وعارف إن محدش هيقدر يرفع عينه فيه…

عشان هو تحت حمايتي؟
ضيقت عينيها بعدم فهم؛ فهذا الرجل بالرغم من عشــ,,ـقه لها وهيامها به، إلا أنه مليء بالغموض والأسرار. فهو كـ اللوغاريتمــ,,ـات بالنسبة لها… لا تقدر على ترجمتها.
تخيلي يا كاميليا إن في آفات من الناس هنا، وفي العزبة، وفي كل مكان أنا بملكه… كلهم حاسين بالأمان عشان تحت حمايتي. والإنسانة الوحيدة اللي بعشــ,,ـقها، واللي ممكن أهدّ الدنيا لو اتمسّت شعرة واحدة منها… خايفة وهي معايا!
أنا مش خا…
أوقف استرسالها في الحديث بوضع إصبعه أمامها وقال بحزم:
متكذبيش يا كاميليا عشان أنا ما بحبش الكذب، وعشان إنتِ مش مضطرة لدا.

أنا بفهمك من عنيكِ، إنتِ مرعوبة يا كاميليا، مش خايفة بس.
تنهيدة قوية خرجت من أعماقها، وتحركت في أنحاء الغرفة بحركة عشوائية تحت شعاع نظراته المسلَّطة على كل حركة بسيطة تخرج منها، فقالت بخفوت:
أنا مش مكتوبلي السعادة يا يوسف. مفيش مرة كملت فرحتي.
شعرت به يقترب منها فأدفأ قلبها الذي أثلجته برودة الحياة القاسية التي عاشتها، فأردفت بعدما أسكرها عشــ,,ـقًا:
إنت الحاجة الوحيدة الكاملة في حياتي. الحاجة الوحيدة الحلوة اللي بمتلكها. لو حصلت حاجة خلتني أخسرك يبقى مفيش حاجة اسمها عوض في الدنيا بالنسبالي.
خسارتها تعني الحياة، وأي حياة خالية منها تعني هلاكه.

ولأنه رجل لا يعرف معنى المستحيل ولا يعطي لتلك الكلمة ولو حيزًا بسيطًا في قاموسه، اختار أن يبثها الأمان على طريقته:
عارفة يا كاميليا، الحب دا درجات، أول درجة فيه الإعجاب وآخر درجة فيه العشــ,,ـق. الإعجاب دا ما يعتبرش حب عشان بيبقى بالعين وبس. لكن لو اتكتب له عمر بيمر بمراحل كتير زي التعلّق، اللهفة، التعود، لحد ما يوصل لآخر مرحلة اللي هي العشــ,,ـق.
قال كلمته الأخيرة وهو يديرها لينظر داخل عينيها بقوة وهو يكمل:
اللي بيعشــ,,ـق دا بيبقى لا شايف ولا سامع ولا حاسس بأي حاجة غير باللي ساكن ومعشِّش في قلبه.

روعة كلمــ,,ـاته جعلت العبرات تترقرق في مقلتيها، فتابع بخشونة أذابتها:
العشــ,,ـق دا يجري في الدم. يعني ما تعرفيش تتخلصي منه ولا تعيشي من غيره. وأنا عشــ,,ـقتك.
أوشكت على الحديث ولكنه تابع بصدق أثلج جروحها وأجلى الخوف الساكن بأعماق عينيها:
عشــ,,ـقتك لدرجة مخلياني مش عايز حياتي دي لو مش هتكوني فيها. أوعي تخافي ولو للحظة وأنا موجود.
لو حد فكر بس مجرد تفكير إنه يؤذيكي أو يبعدنا عن بعض أنا همحيه من على وش الدنيا حتى لو كان مين.
بس يا يوسف…
قاطعها يريد أن يمحي ذيول الخوف بقلبها:

لو حطوكي في كفة، والعالم دا كله في كفة، كفتك تربح. أنا مش عايز من دنيتي غيرك.
ذابت عشــ,,ـقًا من روعة كلمــ,,ـاته ودفئها، فهمست بحب:
ولا أنا عايزة غيرك.
ضاعف من جرعات عشــ,,ـقه قاصدًا تعزيز ثقتها به وبنفسها أكثر بقليل، بخشونة:
عايزك بس تحطي إيدك في إيدي وتنسي أي حاجة في الدنيا غيري. مش عايز حد يكسرني بيكِ أبدًا، وأنا هدوس على كل حاجة في الدنيا ممكن تبعدني عنك.
أطلقت العنان لقلبها الذي همس بعذوبة:
بعشــ,,ـقك يا يوسف.
بادلها العشــ,,ـق، عشــ,,ـقها بأضعافه حين همس:
بعشــ,,ـقك يا قلب يوسف.
تدللت برقة:

ممكن أقعد معاك هنا؟ مش عايزة أشوف حد غيرك.
دا ممكن، وممكن، وممكن… تعالي.
جذبها لتستقر فوق المكتب بجواره، وأخذ ينظر إلى عينيها بعشــ,,ـق، فشعرت بالخجل منه وقالت:
هتفضل تبصلي كدا كتير ومش هتشتغل؟
مازحها قائلًا:
يعني بذمتك حد يكون قدامه القمر دا ويبص على حاجة تانية!
ابتسمت بخجل قبل أن تجيبه برقة:
بسيطة، هقوم من قدامك عشان تعرف تشتغل.
تسلل المكر من بين أمواج بحره الأزرق وتخلل لهجته حين قال:
عايزاني أعرف أشتغل ..؟
أكيد.
أسكنها بين جنبات قلبه مشددًا على احتوائه، مستمتعًا بدفء وجودها بجانبه:

خليكِ جنب قلبي كدا، وإنتِ هتشوفي مني أحلى شغل.
أردف كلامه بغمزة أربكتها، فأخفضت رأسها بخجل قائلة:
إنت بتستهبل يا يوسف؟
فقهقه بشدة قائلًا:
والله يا قلبي كان نفسي أوريكِ الاستهبال اللي على حق، بس للأسف مضطر أستنى أسبوعين لحد ميعاد الفرح.
لكزته في كتفه قائلة ووجهها يتوهج من فرط الحب والخجل معًا:
لو ما بطلتش هقوم وأسيبك.
أجابها بثقة:
آخرك هتمشي خطوتين وهترجعي تاني يا حبيبتي.
ودا ليه بقى؟
تحمحم بخشونة قبل أن يجيبها بثقة:
حاجة من الاتنين:

يا قلبك هيرجعك بما يرضي الله، يا إما هقوم أجيبك أنا من شعرك وأرجعك بما لا يرضي الله. ها يا روحي تختاري إيه؟
أضاءت وجهها ابتسامة مرحة وهي تقول باستسلام:
لا، أنا أخليني هنا أحسن بكرامتي.
أنا بقول كدا برضو.
قالها بمرح، فهمست بتساؤل:
يوسف، إنت ممكن تضــ,,ـربني بجد لو زعلتك؟
أجابها بسلاسة:
اللي يضــ,,ـرب واحدة ست دا يبقى غبي ومش راجل يا كامي.. بس في أنواع عقاب كتير ممكن يعاقبها بيها، وتقريبًا الضــ,,ـرب دا أهون حاجة فيهم.
همست بتوجس:
ما تخوفنيش منك يا يوسف.
أجابها بابتسامة هادئة:

ليه بس يا قلب يوسف؟
أجابته بخفوت:
عشان إنت صعب مع الناس كلها، وكلهم بيخافوا منك وبيعملولك ألف حساب، وأكيد دا مش من فراغ.
تفنن في سكب رخات عشــ,,ـقه بتمهُّل حين أجابها:
إنتِ غير الناس كلها يا كاميليا. أنا ما قدرش أذيكي أبدًا، حتى لو اضطريت إني أعاقبك في يوم، تأكدي إني عمري ما هأذيكِ برضو.
حاوطت خوفها بذراعيها، وقد طمأنتها كلمــ,,ـاته وبثتها الأمان الذي لا تشعر به مطلقًا سوى معه، وقالت بحب:
ربنا يخليك ليا يا حبيبي وما يحرمنيش منك أبدًا.
شدّد من قربهما، وطبع شهد عشــ,,ـقه فوق معالمها وقال بحنو:

ويخليكِ ليا يا حبيبتي.
وبعد وقت قليل وجدها قد غفت بين جنبات عشــ,,ـقه، فابتسم بداخله على هذا الملاك الجميل الذي هبط من السماء لينير حياته ويجعلها جنة.
عودة للوقت الحالي
تنهد يوسف بحزن وهو ينظر إلى تلك النائمة بسلام، ويتمنى لو أن الحياة توقفت عند تلك اللحظة، عندما غفَت بقربه. ليتَه لم يتركها أبدًا… لو يعلم أنها ستغادره بعدها، ما توانى عن البقاء بجانبها باقي عمره. لكن ما حدث قد حدث، وهي الآن معه، حتى ولو لوقت قصير، فيكفيه أن تكون أمام عينيه.

ارتسمت ابتسامة مريرة ساخرة على شفتيه من حلمه الجميل الذي تبدل في لمح البصر، ولأول مرة في حياته يخاف مما يخبئه له القدر…
بدأ النوم يداعب جفونه، وسرعان ما استسلم له، يســ,,ـرق من الزمن لحظات ينعم فيها بجنّة أنفاسها…
وما حيلة قلبٍ قد أوقعه القدر في حيرة، بين الحنين لحلمه الجميل والسخــ,,ـرية من واقعه الأليم.
—
غرام، حبيبتي، مالك؟ فيكِ إيه؟
كان ذلك صوت كارما التي دخلت مندفعة نحو غرام المستلقية على سريرها، وكل شيء مبعثر حولها.
كارما…
قالتها غرام ببكاء وهي تتشبث بذراعي شقيقتها تنشد السكيــ,,ـنة والراحة.
فهمست كارما بخوف:

مالك يا قلبي؟ حصلك إيه؟
ارتبكت غرام كثيرًا… ماذا تقول؟ وكيف تستطيع أن تقص عليها تلك الكارثة التي وقعت فيها جراء غبائها وتهورها وثقتها في ذلك الذئب؟ وعندما لمحت مازن أمام الباب، خفضت رأسها بحزن قائلة:
عملت حــ,,ـادثة.
دخل مازن الذي تفاجأ كثيرًا من حال غرام، فشعر بأن الأمر يتخطى كثيرًا مجرد حــ,,ـادث. اقترب منها يربت على ظهرها، فهو لطالما أحبها مثل أخته الصغيرة، فقد تربّت أيضًا على يديه.
غرام… حصل إيه يا حبيبتي؟ عرفيني، وما تخافيش، أنا جنبك. مفيش حد ولا حاجة هتقدر تأذيكي أبدًا وأنا موجود.
في إيه بيحصل هنا؟

كان هذا صوت أدهم الذي تفاجأ من وجود كلٍّ من مازن وكارما في الداخل، وقد غضــ,,ـب عندما رأى مازن قريبًا منها هكذا.
أدهم، إنت إيه اللي جابك هنا؟
قالتها كارما باندهاش، ثم ما لبثت أن نظرت لغرام بشك وأردفت:
هو حصل إيه يا غرام؟
قالتها بنبرة حادة، فتحدث أدهم بهدوء:
كارما، كلميني أنا وأنا هفهمك.
التفتت كارما تناظره شذرًا قبل أن تقول بحدة:
بصفتك إيه هتفهمني؟
أدهم بغلظة:
ما انتي لو تديني نفسك فرصة تسكتي، هتفهمي.
تمام، اتفضل، فهمني.
ممكن نتكلم برّه.

انت في الصفحة 5 من 7 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى