يوسف بسلاسة أثارت جنون روفــ,,ـان:
لا، ما خلاص، أنا لقيته هنا. يالا اتفضلي قدامي إنتِ وهي عشان تلحقوا تروحوا مشواركوا.
تحركت روفــ,,ـان أمامه وتبعتها كاميليا، التي شعرت به يهمس بالقرب منها:
هستناكي تيجي توريني جبتي إيه.
أرفق حديثه بنفحة عشــ,,ـق خاطفة فوق عنقها وغمزة أربكتها كثيرًا، ثم تقدمهم صاعدًا إلى غرفته مختطفًا معه قلبها الذي كان ينتفض عشــ,,ـقًا له.
—
عودة للوقت الحالي
ابتسمت كاميليا بوهن، فهي قد أضاعت من يدها أثمن وأغلى ما يمكن أن تمتلك في حياتها، ولكن ليس باليد حيلة. أخيرًا تنبهت لحديثهم إثر صوت روفــ,,ـان المندهش:
وإيه المشكلة يا أبيه؟
اهتزت نبرة صوته قليلًا، وحاول إخفاء حرجه من سؤالها وقال:
مش فاضي أنا لدلع البنات دا.
أجابته روفــ,,ـان بعفوية أثارت حنقه:
طب ما تمشي! إحنا كدا كدا قاعدين مع كاميليا عشان وحشتنا، روح شوف إنت وراك إيه.
اغتاظ يوسف كثيرًا من حديثها الذي أحرجه، خاصةً عندما شاهد تلك الابتسامة الخبيثة تزين وجه والدته، فقال بغضــ,,ـب موجهًا حديثه لروفــ,,ـان:
لسانك دا هقطعهولك قريب إن شاء الله.
ثم وجه حديثه لوالدته متجاهلًا تلك التي تســ,,ـرق النوم من عينيه وتتحكم في الهواء الذي يتنفسه:
أنا هروح الشركة يا أمي، في شغل كتير متعطل. لو احتاجتي أي حاجة، عم عبده بره ابعتي له هيجيبلك اللي عايزاه.
أولاهم ظهره سريعًا، خوفًا من أن يستجيب لنداء عينيها الذي يُحطِّم إرادته وثباته أمامها.
يوسف…
أوقفه نداؤها المتلهف باسمه، واستفهامها الذي جاء في أكثر توقيت خاطئ:
هو إنت مش هتيجي تاني؟
لم تستطع إخفاء تلك اللهفة في صوتها التي لامست قلبه، ولكنه أبى أن يسمح لتيار عشــ,,ـقها أن يجرفه من جديد، فاستخدم سلاح التجاهل القاتل الذي فتك بقلبها وخرج دون أن يتفوه بكلمة واحدة…
إيه يا ست كاميليا، مش وحشناكِ ولا إيه؟
هكذا تحدثت روفــ,,ـان بعد أن شاهدت ما حدث، وقد آلمها قلبها كثيرًا على ما يحدث لأقرب اثنين إلى قلبها، فحاولت إضفاء جو من المرح علّها تخفف ولو قليلًا من ذلك العذاب المرتسم في عيون صديقتها.
أمّا عن صفية، والتي كانت تُشاهد بصمت، فقد علمت من مظهره أن القادم سيئ. وعلى الرغم من غضــ,,ـبها الكبير من كاميليا، إلا أنها أشفقت عليها مما هي مقبلة عليه. وأخيرًا تحدثت عندما رأت الدموع تقطر من عينيها، فتقدمت منها، تربّت على ظهرها قائلة بحنو:
تعالي يا كاميليا، يا حبيبتي، اقعدي وارتاحي.
التفتت لها كاميليا، وودّت لو ترتمي بين ذراعيها لتبكي كل ما يُرهقها، ولكن خوفها من خذلان قد تتلقاه من قلب أمٍّ انفطر على فلذة كبده، ومما فعلته بهروبها من كل من يحيطون بها، كبّلها بالصمت.
نظرت إليها بحزن شديد، ولم تقدر على التفوّه بحرف واحد…
شعرت صفية بما يعتمل بداخلها، فهي من قامت بتربيتها وتحبها مثل أولادها، فتحدثت بعتب:
ياه يا كاميليا… عشتي معانا كل دا ولسه ما عرّفتيناش! طب محستيش إننا بنحبك قد إيه؟
أنا آسفة…
قالتها بخفوت، والشعور بالذنب يقرضها من الداخل، متحالفًا مع نيران الصمت التي تمزقها.
مش بقولك كدا عشان تقوليلي إنك آسفة، لأنه باين في عينيك… أنا بقولك كدا عشان مينفعش تترددي لحظة قبل ما تترمي في حضـ,,ـني يا كاميليا.
وما إن تفوّهت بآخر حرف، حتى ارتمت كاميليا بين أحضانها تبكي وتنتــ,,ـحب، وقد أدمى صوت بكائها ذلك العاشق الذي لم يطاوعه قلبه على تركها خوفًا من أن يجرحها أيٌّ منهما. وعلى الرغم من أنه شدّد على والدته ألّا تتحدث معها بشيء، إلا أنّ هيهات أن يستمع له قلبه؛ فعندما يتعلق الأمر بها تتمرّد عليه جميع حواسه، ولا يعود قادرًا على السيطرة على شيء…
أنا تعبانة أوي يا ماما صفية… أنا بمــ,,ـوت من الوجع.
قالتها بانهيار أحدث صدوعًا بمنتصف قلبه، فاشتدت قــ,,ـبضته على مقــ,,ـبض الباب حتى كاد أن يخلعه من مكانه. وكم كان يودّ لو يدخل ليمحو ذلك الوجع الذي يقطر من بين كلمــ,,ـاتها، ويمتص منها كل شعور قد يؤذيها ويسبب لها هذا الألم. لكن كبرياءه الجريح منعه من الإقدام على هذه الخطوة، ويكفيه مرارة ما جعلته يعيشه بسبب هجرها له. فأخبره عقله بأن هذا ما اقترفته يداها، فاندفع إلى خارج المشفى تاركًا خلفه قلبها المحطم، وقلبه الذي تعلّق بمعذبته وآبى أن يتركها…
العشــ,,ـقُ كالموج الذي لا يستطيع أحد التنبوء بانفعالاته، فتارة يجعلنا في أقصى درجات القوة ويُهشِّمنا في أخرى حتى نغدو فتاتًا من الوهن
ومع ذلك، لم تستطع قلوبنا يومًا أن تتمرّد عليه، ولا أن ترفض حضوره. بل تظل تهيم في نبحث عنه بين ثنايا الأيام، حتى لو كلّفها البحثُ عمرًا من المعاناة، وقطراتٍ لا تنضب من الألم.
نورهان العشري
*********
توقفت كارما بسيارتها أمام الجامعة، وأخذت تنظر أمامها مطوّلًا، تشعر بألم شديد ينهش قلبها، وهي غير قادرة على البوح به. حتى دموعها أبت أن تريحها وتسقط، بل جمدت، وكأن أنهار دموعها قد جفّت.
كانت تشعر بها كأحجار مدبّبة تقف على أعتاب جفونها، فكلما حاولت أن تبكي انغرست أكثر في قلبها لتزيد من عذابها…
أخيرًا قررت أنها لن تنحني أو تضعف أبدًا، وأنها ستواجه الحياة بمفردها مرة أخرى، كما اعتادت دائمًا.
ترجّلت من سيارتها بوجه يحمل جميع خيبات العالم، خاصة ذلك الثقل الرهيب في قلبها، لكنها حاولت التماسك. التقت بأصدقائها، وأخذوا يتبادلون الحديث، حتى تفاجأت بذلك الذي يقف خلفها ويتحدث بلهجة آمرة:
آنسة كارما، لازم نتكلم.
التفتت كارما بسخط، فلم يكن ينقصها سوى ذلك المعتوه، فقالت بملل:
دكتور ماجد، أنا ماعنديش كلام أقوله لحضرتك، فلو سمحت سيبني في حالي.
أرجوكِ يا كارما، إحنا محتاجين نتكلم.
قالها ماجد باستعطاف، فبادلته بنفاد صبر:
وأنا صدّقني حالتي دلوقتي ما تسمحليش إني أتكلم مع حد.
كارما، إنتِ عارفة إني بحبك ومحتاج منك فرصة واحدة، ما تبخليش عليّا بيها.
ضاق صـ,,ـدرها من إصراره، فقالت بغضــ,,ـب وبصوت عالٍ نسبيًّا:
وأنا ماعنديش فرص أديها لحد، أرجوك سيبني في حالي.
همّت بالمغادرة، فوجدته يوقفها قائلًا بشرّ:
وأنا مش زي البيه اللي كنتي بتتسرمح…
لم يُنهِ جملته حتى فوجئ بلكمة قوية سقطت على فكه فألقته أرضًا، وذلك الوحش الهائج الذي انقضّ عليه يضــ,,ـربه بكل عنــ,,ـف وشراسة، وهو يقول بغضــ,,ـب جحيمي:
هو أنا ماقولتش تبعد عنها وما تقرّبش منها تاني يا حيوان؟!
ثم أخذ يضــ,,ـربه ويركله في أماكن متفرقة من جسده، حتى تدخّل من حولهم محاولين إنقاذ ماجد من بين براثنه، إلى أن نجحوا أخيرًا. فأخذ يلتفت حوله وهو يلهث باحثًا عنها، فوجدها تركض إلى خارج الحرم الجامعي. فهرول خلفها دافعًا كل من يقف في طريقه، فلم يكن يهمّه سواها. لكنه صُدم عندما وجدها تقطع الطريق غير عابئة بتلك السيارة التي كادت أن تدهسها، لولا أن أنقذتها ذراعاه في اللحظة الأخيرة.
حاوطها بشدّة، وكأنه غير مصدّق أنها آمنة بين جنبات صـ,,ـدره، فقد كان قاب قوسين أو أدنى من خسارتها.
أما هي فكانت ترتجف، غير مستوعبة لما حدث في ثوانٍ معدودة، فقد كانت على وشك المــ,,ـوت وهو أنقذها.
مرّت لحظات لم تتحرك من جانبه، وكأنها تخشى الانسلاخ عنه، تودّ لو تظل هكذا إلى الأبد. وهو كان أكثر من مُرحّب بقربها الذي يعشــ,,ـقه، فصار يضمها أكثر حتى تهدأ، ويهدأ هو بعطر أنفاسها التي تُثلج صـ,,ـدره.
أخيرًا استطاعت أن ترفع رأسها وتنظر إلى عينيه اللتين كانتا تحكيان مقدار الوجع الذي خلّفه غيابها، فقال لها برجاء:
أنا بحبك قوي يا كارما، أرجوكِ تسمعيني.
همست بلوعة:
لو وعدتني إن اللي هتقوله مش هيجرحني يا مازن، هسمعك.
أجابها بنبرة محشوّة بالوجع:
لو سمعتيني للآخر هتعرفي إني عمري ما أقدر أجرحك أبدًا. إنتِ حبيبتي وروح قلبي، وعمري ما حبيت ولا هحب حد غيرك.
لانت ملامحها، ورقّ قلبها الذي استشعر الصدق في حديثه. همّت بالرد عليه، لكن سبقها ذلك الصوت المليء بالحقد وهو يقول:
متصدّقيهووووش… ده بيكذب عليكي!
*********
هلاكِ…!
كانت هذه آخر كلمة انطبعت في مذكّراتها عنه، بل كانت هذه الكلمة هي إجابة سؤالها الذي لطالما أرهقها…
فالآن أصبحت الرؤيا واضحة، وتبيّنت معالم صورته المشوشة بداخلها، وتفسّرت جميع كوابيسها التي طالما أيقظتها في منتصف نومها، ليصحّ حدسها بأنها كانت رسائل ربّانية، ولكن قلبها الغبي أبى أن يستمع لها.
جلست غرام في منتصف مخدعها، ودموعها تجري كأنهار على خديها، تبكي خيبتها، وتبكي وجعها، وتبكي قلبها الذي أعطته بملء إرادتها لرجل لم يعرف الحب يومًا، بل لم تمسّ الشفقة والرحمة جدار قلبه…
فبالرغم من اعترافه بأنه لم يمسّ جسدها بسوء، إلا أنه مسّ قلبها، بل قام بإذلالها والتحقير من مشاعرها نحوه. فقد كان منذ البدء يراها ساقطة يريد الانتقام منها…
حقًا، لا تعرف على ماذا تبكي؟ أتبكي على خيبتها منه، أم إذلاله لها؟ أم تبكي على وصفه لها بكل ذلك السوء؟
أخذت تتذكر آخر اللقطات التي جمعتها به…
—
عودة إلى وقت سابق
هربت من سيارته ركضًا، وألقت بنفسها داخل أحضان شقيقتها، تبكي ذلك الألم الناجم عما فعله بها، وتبكي ذلك الوجع الذي لا يُطاق في قلبها. فسمعت صراخه وهو يتوسلها بأن تسمعه.
وفجأة شعرت بشيء ارتطم بالأرض بشدّة، فالتفتت، وصُدمت من مظهره وهو ملقى على الأرض بفعل تلك اللكمة التي تلقّاها من مازن، الذي فهم بعضًا من صراخهم في السيارة، وتخيّل ما قد فعله معها.
فكَوَّر يده ولكمه بكل قوته لفعلته الحمقاء، فجنّ جنونه مما فعله به، وبادله بلكمة أخرى لم تكن أقل قوة من سابقتها، والتي تركت علامــ,,ـاتها على وجهه. وظلا يتبادلان اللكمــ,,ـات، وكأن كلًّا منهما كان ينفث عن غضــ,,ـبه الداخلي بالآخر، فكان الموقف أشبه بحرب شوارع قطعتها كارما صارخة:
بطلوا بقى! إيه اللي بتعملوه دا؟! إنتوا اتجننتوا؟!
فنظر إليها هذان الوحشان، وكلاهما يلهث من جراء تلك المعركة الدامية التي دارت بينهما، فألقت عليهما نظرة محتدمة، وقالت بحزم:
مش عايزين نشوف حد فيكوا تاني، لا أنا ولا أختي!
آلمته كلمــ,,ـاتها وكأنها خنجر انغرز في قلبه، فاقترب منها خطوتين، لكن ما لبثت أن أوقفته كارما بيدها، قائلة بغضــ,,ـب:
خليك مكانك، ما تقرّبش مني!
فتحرك الآخر، الذي لم تفارق عيناه حبيبته، قائلًا بلوعة:
غرام…
فنهرته كارما بغضــ,,ـب:
وإنت كمان ابعد عنها!
وأكملت بقهر:
من يوم ما دخلتوا حياتنا وإنتوا دمّرتوها. أنا وغرام، وحتى كاميليا اللي ابن خالتك وأخوه خطفوها ومش عارفين ودوها فين!
أوقفته كلمــ,,ـاتها التي آلمت كبرياءه المريض، فقال ببرود:
أنا كده كده كنت هبعد.
أنا بس كنت حابب أقول لغرام تنسى كل اللي حصل بينا وتعتبر إني ما دخلتش حياتها أصلًا، وأنا عن نفسي نسيته.
إن كانت الكلمــ,,ـات تــ,,ـ، لكانت الآن في عداد الأموات بفعل كلمــ,,ـات رجل قد أعمتْه القسوة للحد الذي يجعله يــ,,ـ دون أن يرفّ له جفن من الرحمة.
—
عودة إلى الوقت الحالي
شعرت بيد قوية تعتصر قلبها، فقد وصل الألم بها إلى الحد الذي لا يُحتمل، فأخذت شهقاتها تعلو شيئًا فشيئًا غير قادرة على منعها.
فانفتح باب الغرفة، ودخلت كارما مهرولة، تحتضنها بلهفة، حتى إنها أخذت تبكي معها وهي تبثها العبارات المطمئنة، إلى أن هدأت قليلًا، فقالت من بين دموعها:
أنا بمــ,,ـوت يا كارما… حاسة بروحي بتتسحب مني… في ألم فظيع هنا.
وأشارت إلى قلبها، فشدّت كارما من احتضانها وحاولت أن تخفف عنها قائلة:
اهدي يا حبيبتي، دا ما يستاهلكيش والله.
ياريتني ما قابلته ولا حتى شُفته…
قالتها بلوعة وألم.
مفيش حاجة اسمها “ياريتني” يا غرام. كل حاجة في حياتنا بتحصل عشان ربنا رايد لها تحصل، وبيكون ليها سبب. ربنا عمره ما بيعمل لنا حاجة وحشة.
هتفت مستنكرة:
وبرضه ربنا ما بيرضاش بالظلــ,,ـم يا كارما!
يا حبيبتي، ربنا عادل، وهيجبلك حقك من اللي ظلــ,,ـمك… بس قوليلي، الحيوان دا عمل فيكِ إيه؟
ذرفت أوجاعها على هيئة عبرات وكلمــ,,ـات ممزّقة كحال قلبها:
كسر قلبي يا كارما… وجعني قوي بالرغم إني حبيته قوي، والله.
قالت جملتها الأخيرة بحــ,,ـرقة، فانتفض لها قلب كارما التي هدرت بعنــ,,ـف:
دا حيوان، وما يستاهلش دمعة واحدة من دموعك دي…
أنا أول مرة أشوفك ضعيفة كده. إنتِ طول عمرك قوية يا غرام… إنتِ اللي كنتي بتقوّيني يوم مــ,,ـوت بابا، الله يرحمه.
يمكن عشان عمري ما حبيت حد قده في الدنيا!
كان اعترافها مريرًا له وقع السوط على كرامتها، لكنها لم تستطع الصمت، فآزرتها شقيقتها قائلة بحزن:
وهو ما يستاهلش حبك ده، وما يستاهلش تعملي في نفسك كده عشانه… دا أول قلم الحياة تديهولك، لازم تبقي أقوى من كده، عشان لسه ياما هتقابلي في حياتك. وخليكي فاكرة إن الضــ,,ـربة اللي ما بتمــ,,ـوتش بتقوّي، وإنتِ لازم تبقي قوية… عشان إنتِ مش أي حد. إنتِ غرام سالم هاشم الرفاعي.
صمتت، تستشعر وقع حديثها على ملامح غرام، ثم تابعت باعتزاز:
بابا ربّانا طول عمرنا وراسنا مرفوعة، ومافيش حاجة تقدر تهزمنا.
كان واثق إن كل واحدة فينا بميت راجل، وحتى لو وقعت، تقدر تقف تاني.
نجحت في غرس بذور الحياة في قلبها وتذكيرها بماهيّة طبيعتها، فتجاوزت حزنها قائلة بقوة:
عندك حق… أنا مش لازم أبقى ضعيفة أبدًا. هو ما يستاهلش مني ولا ذرة حزن واحدة.
تحدثت غرام بتصميم على لملمة شتات قلبها، الذي بعثره عشــ,,ـق ذلك القاسي، الذي لم يحرّك دفؤها ساكنًا في برودة قلبه…
كانت كارما تتحدث، ولم تكن تدري أكانت تواسي شقيقتها، أم تواسي نفسها. فهي في أمسّ الحاجة لكتفين يضمانها، ويد تربت على كتفها، وتخبرها بأن كل شيء سيكون على ما يُرام.
فهي الأخرى تعاني آلام الفقد والخذلان معًا…
والحقيقة أن كُلًّا منهما كان يعاني بطريقته؛ فلا يوجد قلب في هذه الحياة لم يكتوِ بنيران العشــ,,ـق، ولم تُصبْه مرارة الخذلان. لكن هذا هو العشــ,,ـق؛ مزيجٌ مُر وحُلو، يجرحنا بسكيــ,,ـنه ثم يضمّد جراحنا بلمسته. نذرف لأجله دموع الألم، ونرسم به أعذب الابتسامــ,,ـات، فنحن لا نملك منه مهربًا ولا خلاصًا.
إنّ جمال الأشياء يكمن دائمًا في صعوبتها؛ فكلّما اشتدّت المشقة، ازداد بريق الوصول، وصارت اللذّة أبهى وأشهى.
فالعشــ,,ـق اختبار تُصقَل به الأرواح، وزادٌ يملأ القلوب حياةً مهما أثقلها الوجع.
نورهان العشري
تفاجأ أدهم النائم بانهمار زجاجة من المياه المثلجة فوقه، فاستيقظ مفزوعًا وهبّ غاضبًا:
إنت غبي يا مازن؟! في حد يصحي حد كدا؟
صاح به مازن بغضــ,,ـب مُريع:
ولسه هتشوف غباء! وكمان ليك عين تنام؟ تصدق إنك بجح؟
تململ أدهم بضيق تجلّى في نبرته حين قال:
وانت مالك؟ جاي عايز إيه عالصبح كدا؟
مازن بسخــ,,ـرية:
صبح إيه؟ إنت مش عايش في الدنيا! إحنا داخلين على المغرب يا بيه.
أدهم بنفاد صبر:
وانت مالك؟ أصحى وقت ما أصحى! إنت جاي تحاسبني؟
زجره مازن بعنــ,,ـف:
قصدك جاي أطلّع عين أهلك!
متفكرش إني عشان سيبتك امبارح بمزاجي يبقى الموضوع انتهى… لا. أنا عايز أعرف دلوقتي عملت إيه في غرام خلاها منهارة بالشكل دا؟
فاجأه أدهم حين أجاب بجمود:
ماعملتش حاجة!
أيقظ جموده نيرانًا حارقة في أحشاء مازن فصاح موبخًا:
إنت هتستهبل؟! أمال هي كانت منهارة كدا من نفسها؟!
صاح أدهم غاضبًا يحاول التملص من نيران ذنبه:
قولتلك ماعملتش حاجة! اتسلينا مع بعض شوية وكل واحد راح لحاله… عشان كدا هي زعلت.
اقترب منه مازن وأمسك به من تلابيبه وقال بغضــ,,ـب:
أوعى تكون قلّيت معاها يا أدهم… هدبحك فاهم؟!
قولتلك محصلش حاجة… خلاص بقى!
قالها أدهم صارخًا قبل أن يتابع بخسة:
هي كانت راسمة على حب وغرام… ودي مش سكتي. عشان كدا انهارت لما قولتلها إني مش بتاع كدا.
شيّعه مازن بنظرات الخِسّة قبل أن يقول باحتقار:
تصدق؟ أول مرة أشوفك واطي كدا يا أدهم!
صمت لثوانٍ قبل أن يتابع ليجلد ما تبقّى من كبريائه مردفًا:
أنا كنت قاصد أخليك تشوف غرام… عشان أنا أكتر واحد كان حاسس بيك وشاف معاناتك مع الزبالة اللي كنت تعرفها قبل كدا، حتى لو كنت بتداري. قولت: دي اللي هتنور حياتك تاني وهترجعك أدهم بتاع زمان.
بس إنت دلوقتي أثبتلي إنك ما تستاهلش غير واحدة زي مرام… هي دي اللي تليق بيك.
أنا مبقتش عايز أعرفك تاني.
خرج مازن بعدما ألقى رصاصات كلمــ,,ـاته، وأردفها بنظرة احتقار زادت من معاناة أدهم، الذي يقرضه الندم حتى أفقده صوابه، فصار يدمّر كل ما تقع عيناه عليه وهو يصرخ ودموعه تتساقط من فرط الألم.
بعد وقت ليس بقليل أنهكه التعب وخانه جسده، فسقط على الأرضية يلهث من شدّة العذاب الذي يعتمل بداخله، وصار يبكي كطفل صغير فقد أبويه.
فها هو خسر صديقه وأخيه الأكبر، وخسر أيضًا حبيبته الوحيدة، والأصعب من ذلك كلّه أنه خسر إنسانيته التي فقدها عند أول صفعة تلقتها منه ملامح ملاكه البريء في ذلك اليوم المشؤوم.
أخرجه من معاناته صوت هاتفه الذي ظلّ يرن قرابة الساعة، فالتقطه وهو ينوي إغلاقه، لكنه تفاجأ بأن الاتصال من أخيه الأكبر والأب الروحي له. فأجاب على الفور قائلًا بلهفة:
يوسف…
عايزك في ظرف ساعة تكون قدامي.
كان يوسف يتحدث بغضــ,,ـب شديد، فأجابه أدهم بلهفة:
حاضر… مسافة الطريق وهكون عندك.
قالها بصوت معذّب على الفور لامس قلب يوسف، الذي تحدث باهتمام وقد نسي ما كان يغضــ,,ـبه منه قبل قليل:
إنت كويس؟
متقلقش عليا… أنا كويس.
صوتك مش عاجبني. إنت فين؟ أنا جايلك.
هكذا تحدث يوسف بحزم، فقاطعه أدهم مؤكدًا على حديثه:
متقلقش عليا يا يوسف… أنا لسه في إسكندرية وهلم حاجتي وهاجي النهارده.
طب بما إنك في إسكندرية، عايزك تعدي على فاطمة خالة كاميليا، أم علي، وتطمن عليها… عشان سمعت إنها تعبانة وفي المستشفى.
كانت كلمــ,,ـات يوسف أسوأ ما يُقال في هذا التوقيت، لذا سارع أدهم بالتملص من الأمر:
متقلقش…
بقت كويسة الحمد لله، وخرجت من المستشفى امبارح. بس قلقة وهتتجنن على كاميليا… صحيح هو حصل بينكوا إيه؟
أجابه يوسف باختصار:
بعدين هبقى أحكيلك.
أدهم بتنبيه:
أوعى تكون أذيتها يا يوسف… كاميليا ما تستاهلش منك حاجة وحشة. أكيد هروبها دا له سبب… افهم منها واعرف ليه عملت كدا، ما تعملش حاجة تندم عليها. لو ضاعت منك… هتندم ندم عمرك صدقني.
كانت كلمــ,,ـاته تخرج من جوفه المُحترق، فشعر يوسف بشيء خاطئ، فاستفهم قائلًا:
أدهم… إنت بتكلّمني أنا؟
كانت لهجته تحمل ما يعانيه مع قلبه، وأيضًا فهو شقيقه الأكبر وأكثر من يعلم خباياه.
حتمًا يوجد خطب ما ليتحدث أدهم بتلك الطريقة… وقد صدق حدسه، فهو كان يوجّه الحديث لنفسه، التي لو طاوعت قلبه ما كان وقع أبدًا في هذا العذاب.
لم يستطع أدهم الإجابة على أخيه، فما كان من الآخر إلا أن أغلق الخط ولملم أشياؤه سريعًا ليؤازر شقيقه، فقد تأكد تمامًا أنه يحتاجه، لكنه يأبى التصريح بذلك.
ومع ذلك لبّى نداء قلبه الذي طالبه بالاطمئنان على معذبته أولًا، فانصاع له وتوجّه إلى المستشفى في الحال.
بعد وقت قليل، وصل يوسف وقلبه يسبقه إلى غرفة كاميليا…
لكنه صُدم مما سمعه ورآه ووووووو
يتبع….الوجه الرابع عشر للعشــ,,ـق
النسيان لا يأتي كاملا أبداً.
فثمّة جُرحٌ يتخفّى في أغوار الروح، يُفصح عن نفسه في لحظة ضيقٍ مباغتة.
والوَحشة التي تباغت القلب بلا إنذار، ليست سوى بكاءٍ مختنق في الحنجرة لم يجد سبيله للخروج.
وتلك الغصّة العالقة في الحلق ما هي إلّا سَهمٌ مسموم غرسه أحدهم في صميم القلب، وظلّ أثره باقيًا مهما مرّ الزمان.
ففي أعماق الفؤاد بقايا جروحٍ نظنّ أننا نسيناها،
ولكن هيهات أن ينسى الإنسان خيباته، هو فقط يُتقن فنّ التناسي.
نورهان العشري
-عاملة إيه دلوقتي يا حبيبتي؟
كان هذا صوت صفية الحاني وهي تُربّت على ظهر كاميليا بعدما أفرغت بين ذراعيها كل تلك الأوجاع التي تحملها بقلبها، فهزّت كاميليا رأسها بإيماءة بسيطة قائلة بصوت مبحوح من كثرة البكاء:
أحسن، الحمد لله… ميرسي أوي يا ماما.
ميرسي إيه يا ست كامي؟ هو إحنا بينا الكلام ده ولا تحبي أشدلك شعرك زي ما كنت بشدهولِك قبل كده لما كنتي بتضايقيني؟
هُنا صاحت روفــ,,ـان مازحة في محاولة منها للتخفيف من وطأة الموقف وإضفاء جو من المرح:
لسه مفتَرية زي ما إنتِ.
قالتها كاميليا بابتسامة واهنة، فأجابتها روفــ,,ـان بضحك:
لا، ده أنا بقيت مفتَرية أكتر من الأول! ولا عشان بقيتي مرات أخويا الكبير هخاف وأكش؟ لا، شغل الوسايط ده ما يِكلش معايا.
كانت روفــ,,ـان تتحدث بمرح دون أن تدري أن كلمــ,,ـاتها كالرصاص تستقر في منتصف قلب كاميليا، مُذكِّرة إياها بحلمها الضائع وحياتها التي انهارت فوق رأسها دون أن تستمتع بها سوى لدقائق معدودة. فقالت بوجع من بين دموعها:
مرات مين؟ ما خلاص بقى يا روفــ,,ـان… كل حاجة انتهت!
نهرتها صفية بغضــ,,ـب:
بِتّ! إنتِ هو إيه اللي انتهى؟ أنا ساكتالك من الصبح وبقول نفسيتها تعبانة، لكن دلع بنات مش عايزة يوسف! جوزِك، عارفة يعني إيه جوزك؟!
قالت كاميليا بوهن يعانقه الألم:
بعد اللي حصل يا ماما، خلاص يوسف ما عادش عايزني.
صفية بتعقّل:
كرامته وجعاه يا كاميليا، وأي حد في مكانه كان هيطربق الدنيا على دماغك. اللي إنتِ عملتيه مش سهل، وبالذات بالنسبة لحد زي يوسف. ومع ذلك مقدرش يقسى عليكِ. لو ما كانش بيحبك فعلًا، كان زمانه طلّقك وما سألش فيكِ. فاعقلي كده وخلينا نصلّح الهباب اللي إنتِ عملتيه ده.
لكن هناك جرح يئنّ بداخل قلبها يأبى الإصغاء لأي حديث، لذا قالت بنبرة مُتشجبة:
ما عادش هينفع يا ماما… صدقيني.
عاندتها صفية قائلة:
بطّلي جنان يا كاميليا!
يوسف مش هيتجوز حد غيرك، ولا هيسمح إنك تبقي لحد غيره. وإنتِ فاهمة ده كويس. ولا نسيتي مقابلات الجنينة في نص الليل؟ ولا لما كنا نصحيك تروحي المدرسة تفضلي تعيطي وتقولِي: “لا والنبي ما بحبش أصحى بدري”، وألاقيك قايمة من ستة الصبح تعمليلُه قهوة؟! ولا البيتزا اللي كانت بتتعمل نص الليل في الخباثة كده وتطلعيهاله فوق! قال إيه: “أصلُّه ملحقش يتعشى معانا” وهو طالع عينه طول النهار في الشغل. هو إنتِ فكراني نايمة على وداني؟! لا يا حبيبتي، أنا قافشاكو… بس كنت بعمل نفسي مش واخدة بالي.
خجلت كاميليا كثيرًا من حديث صفية الذي أخذها لعالم ملىء بالسحر معه، فأخذت تتذكر ذكرياتها الجميلة برفقته.
عودة لوقت سابق
كاميليا، بقولك إيه… ما شفتيش كوكي؟ عمالة أدور عليها في البيت مش لاقياها.
هكذا تحدثت روفــ,,ـان، فأجابتها كاميليا:
ما شفتهاش والله يا روفي. دورتي عليها في أوضة جدو؟ دايمًا بتستخبى هناك.
آه، دورت وما لقيتهاش. طب بقولك إيه… شوفيها في الجنينة اللي ورا كده، على ما أنا أدور عند البوابة.
أطاعتها كاميليا بعفوية:
حاضر، هروح أدور هناك. وانتِ ما تقلقيش، أكيد هنلاقيها، ماهي كل مرة بتغلبنا كده.
بس الأول هروح أغيّر الفستان ده، لأحسن أوفر أوي وكمان لونه فاقع، وخايفة أبيه يوسف يشوفه يزعقلي.
قالت روفــ,,ـان باندفاع:
لا… لا! ما هو أبيه يوسف مش هنا ومش هيشوفه. وعلى ما تطلعي تغيّري وتنزلي، ممكن يكون كوكي جرالها حاجة وحشة. يلا روحي كده، إنتِ كده مُزة! وبعدين ما فيش حد هنا عشان يشوفك. ما تقلقيش… يلا.
كانت تدفعها وسط ذهول كاميليا التي انصاعت لها وهي تقول:
طيب بالراحة… ما تزوقيش. ربنا يستر.
ذهبت كاميليا إلى الحديقة الخلفية، وما إن خطت خطوتين داخلها حتى تفاجأت بتلك الرابطة القماشية تُغطي عينيها ويد حانية تُحيط بها.
فهَمّت بالصراخ فأوقفها همسه الخافت:
هششش… ده أنا.
يعرف صوته طريقه إلى قلبها الذي كان يدق بعنــ,,ـف.
يو… يوسف! هو… هو في إيه؟
تحدث بنبرته العاشقة التي لها وقع السحر على سائر كيانها:
يا عيون يوسف، ما تقلقيش… تعالي معايا.
ثم أخذ يتقدّم بها إلى أن وصلا إلى المكان المنشود، وقام برفع العصبة عن عينيها، فتفاجأت بذلك المنظر الذي أقل ما يُقال عنه إنه رائع.
الحديقة مغطاة بجميع أنواع الورود الجميلة، والشموع على الأرضية على شكل قلب كبير يتوسطه طاولة مستديرة فوقها قالب حلوى جميل منقوش عليه اسمها بجانب صورة لهما.
كان ذلك الجمال تُزيّنه ضيّ النجوم في السماء، فكان المكان تحفة تُسرّ الناظرين. شعرت بالفرح يغمرها، وخاصةً حينما قام بتمرير أنامله على طول ذراعها حتى وصل إلى كتفيها يستنشق عبير وجودها بالقرب منه، ناثرًا عشــ,,ـقه فوق قسمــ,,ـاتها قبل أن يقول بشغف:
كل سنة وإنتِ طيبة يا حبيبتي.
هاااه…
تاهت من هول المشاعر التي عصفت بها جراء تلك المفاجأة الرائعة وتلك الكلمــ,,ـات الجميلة التي يهمس بها، وذلك القرب المهلك لقلبها. فأدارها إليه وأعطاها واحدة من ابتسامــ,,ـاته الساحرة التي دائمًا ما تجعل قلبها ينتفض عشــ,,ـقًا له، وقال بحب:
كل سنة وإنتِ طيبة يا روح قلبي.
وقع بارود كلمــ,,ـاته على قلبها مُفجّرًا ألغام عاشقة غيّبتها عن الواقع، فهمست مُستفهِمة:
هي… هي مين روح قلبك دي؟
راقه تخبطها كثيرًا، فقال بخشونة:
إنتِ روح قلبي.
استفهمت بلهفة:
ده بجد؟
أجابها بصوت أجش:
طبعًا بجد… كل ده وما حسّيتيش يا كاميليا؟
تحدث ويداه تعزفان معزوفة رائعة على قسمــ,,ـات وجهها، مما جعلها تهيم في عشــ,,ـقه أكثر، فهمست بخفوت:
ما حسّتش بإيه؟
إني بحبك…
كأعمى أبصر النور حديثًا، كان هذا حالها عندما نطق تلك الكلمة التي لطالما تمنت أن تسمعها كثيرًا، ولطالما حلمت بهذه اللحظة في المنام واليقظة.
لكن روعة حدوثها في الحقيقة تفوق ما حلمت به كثيرًا.
إنتَ إيه؟
تُريد أن تؤكد لقلبها أن ما تسمعه ليس حلمًا طالما تمنته، بل واقعًا تحياه وتتلمّسه بكل جوارحها. فلم يبخل عليها بما تتلهف إليه، فأغدقها به دون تحفظ:
بحبك… وبعشــ,,ـقك… وبمــ,,ـوت فيكِ.
كان همسه القاتل له مفعول ساحر، إضافة إلى كلمــ,,ـاته العاشقة، مما جعلها تشعر بالأرض تدور بها فترنحت. لكنه لم يدع لها المجال للابتعاد عنه، حيث التقطها قبل أن تقع، وأسندت رأسها إلى موضع جنونه بها، فشعرت بضــ,,ـربات قلبه المتلاحقة التي كانت تخبرها بمدى عشــ,,ـقه وولهه بها.
وظلت أنامله تلهو بخصلاتها بحنو، إلى أن قام بالجلوس حول الطاولة دون أن يُفلتها، بل كانت في وضعها الصحيح بين جنبات صـ,,ـدره، فشعرت بأنها تُحلّق فوق الغيوم من فرط السعادة.
ظلّت على هذه الحال وقتًا ليس بقليل، إلى أن أدارها ناظرًا إلى عينيها بعشــ,,ـق تجلّى في نبرته حين قال:
عارف قعدت أحلم باللحظة دي قد إيه؟