Uncategorized

للعشــ,,ـق وجوة كثيرة نورهان العشري 5

ابتسمت بخجل تجلّى في نبرتها وهي تقول:
قد إيه؟
تحدث يرسف بعد ما حاول السيطرة على بركان المشاعر الثائرة التي أيقظتها حورية فاتنة بقلب طفلة بريئة جعلت قلبه ينتفض عشــ,,ـقًا لها:
من وإنتِ لسه بضفاير وبتلعبي إنتِ وروفــ,,ـان بالعرايس…
صمت لثوانٍ قبل أن يُضيف بخشونة:
كنت عارف إنك بتحبيها، عشان كده في كل عيد، وفي الكريسماس، وفي عيد ميلادك، كنت بجيبها لك وأحطها في أوضتك هي والشوكولاتة من غير ما حد يحس أو ياخد باله.
ابتسمت كاميليا برِقّة، وقد كانت كلمــ,,ـاته بلسمًا لكل الجروح العالقة بقلبها، فقالت بحب:

وأنا صغيرة كنت مفكّرة إن بابا نويل هو اللي بيجبلي العرايس دي، وبعدين لما كبرت شوية عرفت إن بابا نويل ما بييجيش غير في رأس السنة. بس فِكرتك الجني اللي في مصباح علاء الدين… ولما كبرت شوية كمان قلت: ده فارس الأحلام اللي هييجي يخطفني على حصانه. وأتمنّيت من كل قلبي يكون الفارس ده انت يا يوسف.
أذابته براءتها وعفويتها في الحديث، فقال بحنو:
بس انتِ ما غلطتيش يا قلب يوسف… أنا كل دول فعلًا.
كاميليا بخفوت:
إزاي؟
ابتسم قائلًا:

أنا بابا نويل اللي في كل رأس سنة هيجيلك بأحلى هدية في الدنيا، وأنا الجني اللي في مصباح علاء الدين اللي هيحققلك كل اللي تتمنيه… إنتِ بس تأمري.
صمت قبل أن تتبدل لهجته إلى أخرى شغوفة:
وأنا فارس أحلامك اللي هييجي يخطفك على حصانه ويخبيكِ عن عيون الناس.
ابتهج قلبها وانشرح جراء كلمــ,,ـاته العذبة، فتحدثت بخفوت:
عارف يا يوسف؟
يريد منها كل ما يمكن أخذه وأكثر، لذا أجابها بلهجة مُلحة:
عايز أعرف يا قلب يوسف… قولي كل اللي جواكِ.
تعانقت سعادتها بالحاضر مع ألم الماضي، فقالت بشجن:

أنا حياتي ابتدت من أول ما قلتلي “بحبك”. اللي فات ده كله ما كانش حياة أصلًا. أنا عشت عمري كله يتيمة… بس النهارده لأ. ربنا عوضني بيك.
كم آلمته تلك الكلمة! فهو يود لو يجلب لها الأرض والسماء مقابل أن تكون سعيدة ولا تشعر بذلك الشعور البغيض أبدًا. لذا قال بلهجة حاسمة بقدر حنانها:
إنتِ عمرك ما كنتِ يتيمة يا كاميليا. كلنا هنا بنحبك: ماما صفية أمّك، وأدهم وروفــ,,ـان إخواتك، وعمو مراد بالرغم إنه مش دايم التواجد هنا بس بيحبك أوي، وجدي.
قاطعته بحزن:
جدي عمره ما حبني يا يوسف بالرغم إني والله بحبه. تَصوَّر!

ده حتى ما بيخلينيش أعمله فنجان القهوة بتاعه، وبيطلب من نيفين أو روفــ,,ـان، وعمره ما طلب مني.
كان الغضــ,,ـب داخله لا يُوصف وهو يتذكر أفعال جده معها، لكنه قال محاولًا تخفيف وطأة الأمر عليها:
جدي صعب شوية، لكن هو بيحبك أوي. أوعي تفكري التفكير ده تاني. وعلى فكرة بقى… إياكِ تعملي قهوة لحد غيري… أنا وبس.
قال جملته الأخيرة بلهجة قوية، فأجابته بحبور:
عيوني.
همس بلهجة أذابتها:
تسلم عيونك الحلوة دي… مش عايز أشوف فيهم الحزن أبدًا يا كاميليا. إنتِ أغلى حد عندي في الدنيا، ما اقدرش أبدًا تكوني زعلانة أو حزينة.

تبدلت ملامحه فجأة، وقال بلهجة حادة:
وبعدين تعالي هنا! إنتِ إيه يا هانم اللي منزلك بالفستان ده كده؟
كان يحاول تغيير الموضوع لينتشلها من بحر أحزانها الذي يؤلم قلبه كثيرًا، وبالفعل قد نجح في ذلك، فقالت بخوف:
والله يا يوسف أنا كنت هغيّره… روفــ,,ـان شدتني وطلعتني بره الجنينة وأكدتلي إن ما فيش حد هنا.
يوسف بمزاح:
الصراحة الواحد أول مرة يستفيد من روفــ,,ـان أختي دي في حاجة.
كاميليا بعدم فهم:
إيه ده؟ مش فاهمة… تقصد إيه؟
ابتسم يوسف على براءتها التي تزيدها جمالًا على جمالها، فقال بحب:

يعني أنا اللي اشتريت الفستان ده وقلت لها تخليكي تلبسيه بأي طريقة وتنزلك الجنينة هنا… وطردت مازن وأدهم عشان تعرفي تلبسيه براحتك.
شعرت بالفرح يغمرها من فعلته، لكنها تنبّهت لجلستهما وهما بهذا القرب، فقالت بخوف:
طب هو مش ممكن حد يشوفنا كده؟
إنتِ لسه واخدة بالك إننا كده؟
قالها يوسف بمكر أخجلها كثيرًا، فلم تعرف بماذا تجيبه. فهي في حضرته تنسى كل شيء، وتتلاشى جميع الأفكار بداخلها، ولا تراودها سوى فكرة وجودها معه.
لاحظ يوسف خجلها الذي يعشــ,,ـقه كثيرًا، فقال يمازحها:
وبعدين، بصراحة بقى، أنا نفسي يشوفونا كده.
شهقت بصَدمة:
يوسف!

إنت بتتكلم بجد؟
طبعًا بتكلم بجد… يا ريت حد يشوفنا ويقول لجدي… ويخلّيني أصلح غلطتي.
لكزته في كتفه، وقالت بخجل من تلميحاته التي تعبث بدقات قلبها:
بطل قلة أدب! والله هقوم أمشي.
مازحها قائلًا:
طب ينفع أكون صارف ومكلّف كده وتسيبيني وتمشي؟
أجابته بخجل وامتنان:
ميرسي أوي إنك افتكرت عيد ميلادي.
يوسف بتصحيح:
وأنا من إمتى نسيته؟
كاميليا بحزن:
السنة دي الناس كلها نسيته، حتى روفــ,,ـان وماما صفية نسيوه. ما فيش غير أدهم اللي قالّي الصبح “كل سنة وإنتِ طيبة” قبل ما يروح الشركة.
يوسف بجفاء:

طب فكريني ألطشهم أول ما يرجعوا، عشان أنا منبّه عليهم محدش يقولك حاجة عشان أجهز لك المفاجأة دي.
كاميليا بلهفة:
حرام عليك، ما تقولش كده! ده دافع عني قدام طنط سميرة النهارده وخلاها كانت تاكل في نفسها من الغيظ.
استفهم قائلًا:
ليه؟ حصل إيه؟ هي حاولت تضايقك تاني؟
كاميليا باستسلام:
العادي بتاعها يعني… كنا بنتكلم عن النتيجة وإن إحنا خايفين وكدا، لقيتها بتقول إني أصلًا فاشلة ومش هجيب تقدير. أدهم قال لها: بكرة النتيجة هتظهر وكاميليا هتجيب أعلى تقدير فيهم، وهتشوفي… دي تلميذة يوسف الحسيني، عمرها ما هتبقى فاشلة.

وهي اتضايقت بقى لما قال كدا وقعدت تبرطم وقامت وسابتنا.
تجاهل غضــ,,ـبه لحديث تلك الشمطاء وقال بجدية:
فكريني أصرف له شهر مكافأة عالحركة دي، وبعدين اللي بتتكلم عن الفشل دي أساسًا ساقطة إعدادية.
أطلقت ضحكة صاخبة خطفت قلبه، فقرّبها إليه أكثر قائلًا بعشــ,,ـق:
ضحكتك دي أجمل نغمة سمعتها في حياتي… متحرمنيش منها أبدًا، وأوعي أشوفك زعلانة، ولا تخافي من حد خلقه ربنا على وش الدنيا دي.
أوشكت على مقاطعته فجاءت كلمــ,,ـاته محذّرة:
اللي يقولك كلمة، قولي له عشرة، وأنا هاجي أكمل عليه بعدك حتى لو كان هو مين.

عايزك دايمًا قوية، وأوعي تسمحي لأي حاجة تكسرك…
أومأت قبل أن تستفهم بخفوت:
حتى لو مجبتش تقدير كويس السنة دي، برغم تعبك معايا، هتفضل تحبني كدا بردو ولا…؟
قاطعها يوسف بوضع إصبعه أمام شفتيها قائلًا بقوة:
حتى لو ما بتعرفيش تقري وتكتبي، قلبي مش هيعشــ,,ـق غيرك بردو.
عودة للوقت الحالي
سرحتي في إيه كدا يا كاميليا؟
هكذا تحدثت صفية، فأجابتها كاميليا بحزن:
أبدًا… افتكرت مواقف لينا مع بعض، وقد إيه كنت طايرة من الفرحة وأنا معاه، وكنت حاسة بأمان الدنيا جنبه… لكن للأسف.

أخفضت رأسها محاولة ألّا يلاحظوا تجمع العبرات داخل عينيها، فجاءت كلمــ,,ـات صفية مطمئنة:
مفيش للأسف يا كاميليا. كلنا بنغلط، المهم نتعلم من غلطنا ومنكرروش تاني.
همست بتعب:
غصب عني يا ماما… أنا خايفة أوي.
خايفة من إيه بس؟
خايفة من يوسف… وعارفة إنه عمره ما هيسامحني قبل ما يعرف أنا هربت ليه.
انخرطت في سرد مخاوفها، فجاء سؤال صفية مباغتًا لها:
طب وإنتِ هربتي ليه يا كاميليا؟
أخفضت رأسها بحزن شديد وهي تشعر بأنها ممزقة من الداخل، لا تستطيع التحدث بما تخفيه، ولا تستطيع كتمانه أيضًا.

شعرت بالحيرة التي تمزقها إربًا، لكنها حسمت قرارها أخيرًا وألقت نظرة على روفــ,,ـان، ففهمتها صفية على الفور وتحدثت إليها قائلة:
روفي، ما تروحي تجيبيلنا حاجة نشربها من الكافيتيريا، وهاتي لكامي ليمون يهديها شوية.
اممممم… حسي الأمني بيقول إني بتوزّع صح.
جعدت روفــ,,ـان أنفها فكانت أشبه بطفلة جميلة متذمرة، فجاءها توبيخ صفية:
بما إن البعيدة ما بتحسش، فأه… بتتوزّعي. ويلا هوينا بقى.
اعتدلت روفــ,,ـان واقفة وهي تقول بتذمّر:
ماشي يا ست ماما، خليكِ فاكرها… ابقي شوفي مين اللي هيفتنلك على إخواتي تاني.
صفية بتقريع:

طب يلا من هنا بقى، عشان مفتنش أنا عليكِ يا أم لسان عايز قطعه.
هبت روفــ,,ـان من مقعدها قائلة بلهفة:
أحلى كوباية ليمون لكامي، وفنجان قهوة لليدي صفية… دانتِ لو عايزاني أسقيلك المستشفى دي كلها، اعتبريه حصل.
طب يلا ياختي… يا اللي مش باينة من الأرض وبقيتي تعرفي تخبّي وتداري. اتفضلي من هنا.
خرجت روفــ,,ـان على الفور وهي مغتاظة من حديث والدتها، فقد كانت تمــ,,ـوت لتعرف السبب الذي جعل كاميليا تهرب من أخيها…
فظلت تزرع الممر ذهابًا وإيابًا، وأخيرًا لم تقدر على الصمود أكثر، فرفعت رأسها للأعلى وقالت:
سامحني والنبي يا رب عاللي هعمله…

بس فضول الأنثى اللي جوايا هيمــ,,ـوتني. لازم أعرف كاميليا عملت كدا ليه.
لم تكد تنهي جملتها حتى أتاها ذلك الصوت الرجولي الجذاب من خلفها، فخفق قلبها بعنــ,,ـف وزادت وتيرة أنفاسها ما إن سمعته يقول:
ويا ترى إيه بقى اللي شاغل بال القمر أوي كدا وعايز يعرفه؟
التفتت روفــ,,ـان بخجل، وتلاقت العيون للحظات كانت كفيلة بجعل قلبيهما يطيرا من فرط السعادة، فقد كانت هناك نقطة التقاء تجمعهما دائمًا. …
دائمًا ما تُخبرنا النظرات ما تعجز الألسنه عن البوح به. فهي لُغة العيون؛ أخطر اللغات وأصدقها على الإطلاق.

لا يقرأها إلا عاشقٌ مُتيّم، يُجيد ترويض بريقها حتى تخضع له، وتبوح بأسرارٍ لم يُخلق كلمــ,,ـات لوصفها…
نورهان العشري
-مش هتقولي بقى يا كاميليا إيه اللي خلاكِ تهربي بالشكل دا؟
احتارت كاميليا ماذا تقول أو من أين تبدأ… تمــ,,ـوت الكلمــ,,ـات عند شفتيها وهي عاجزة عن إخراجها.
تشعر بغصّة في حنجرتها تمنع الكلمــ,,ـات من التدفق، ويغمرها الشعور بالضياع الكامل، فهي غير قادرة على الوقوف على أرض ثابتة…
أدركت صفية معاناتها، فشعرت بأن هناك خطبًا كبيرًا، وبأن وراء هروبها سرًا خطــ,,ـيرًا، فأخذت تطمئنها قائلة:
كاميليا، ليه العذاب والضياع اللي إنتِ فيه دا يا بنتي؟

متعمليش في نفسك كدا. كلنا حواليكِ وبنحبك ومش هنسمح لحد أو لحاجة تأذيكِ… اتكلمي وريحيني، خليني أقف جنبك وأقدر أساعدك. أظن أنا مش يوسف، هتخافي مني؟
ممكن أسألك سؤال؟
تحدثت كاميليا بنبرة مهزوزة وصوتٍ يرتجف من هول ما تخبئه بداخلها، فأجابتها صفية على الفور:
طبعًا ممكن.
هي ماما كانت وحشة زي ما هما بيقولوا عليها؟
كان سؤالًا يُمزق جوفها وهو في طريق الخروج من شفتيها، فهبت صفية قائلة بلهفة:
لا طبعًا! إيه اللي بتقوليه دا؟
أجابتها بلوعة:
أمال ليه بيقولوا عليها كدا؟
هما مين يا كاميليا اللي بيقولوا؟

تقصدي سميرة وبنتها ولا حد تاني؟
كان استفهام صفية مؤلمًا بقدر ما تحمله بجوفها من عذاب، تجلى في نبرتها حين قالت كاميليا:
أقصد يوسف يا ماما صفية…
قالتها ثم انخرطت في بكاءٍ مُنهار، مرتمية في أحضان صفية تنشد الأمان من كل ذلك الخوف والقهر الذي يعصف بداخلها…
—

انت في الصفحة 3 من 8 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى