Uncategorized

للعشــ,,ـق وجوة كثيرة نورهان العشري 7

لتكمل بانهيار، بكل ما يعتمل في صـ,,ـدرها من وجع:
سامحني… غصب عني والله. والله غصب عني. مكنتش أقدر أعيش معاهم في مكان واحد. كنت خايفة أوي. أنا كنت بمــ,,ـوت من غيرك. ما عشتش يوم واحد حلو وإنت بعيد، بس مكنش قدامي حل تاني يا يوسف، والله ما كان قدامي أي حل تاني.
اخترقت قذائف كلمــ,,ـاتها مسامعه، فتصلّب جسده كلّه، وهو يحاول أن يترجم ما سمعه.
هل يمكن أن تكون محبوبته قد تعرّضت للتهديد أو الابتزاز على يد أحدهم دون علمه؟
هل يمكن أن يكون أحدهم استغلّ طيبتها وبراءتها وأجبرها على الرحيل؟

فأبعدها عنه ناظرًا بقوة في عينيها، وقال بترقّب:
إنتِ بتقولي إيه؟ ومين اللي إنتِ خايفة منهم؟
لم تستطع أن تجيبه على تساؤلاته، فازدادت عبراتها هطولًا دون توقف، وخفضت رأسها بقلة حيلة، فهي لا تقدر على إخباره بأكثر من ذلك. فامتدت يده ترفع رأسها إليه، وتلاقت أعينهما للحظات قبل أن يقول بألم:
كاميليا، كفاية عذاب بقى وقوليلي حصل إيه؟
أنا مبقتش قادر أتحمّل أكتر من كده. مبقتش قادر أتحمّل الحيرة والنــ,,ـار اللي أنا عايش فيها من وقت هروبك. أنا خلاص قربت أتجنن…
امتد كفّاه ليحتويها بحنان لامس قلبها، خاصةً عندما قال بهسيسٍ خشن:

اتكلمي يا روح قلبي، وأنا أوعدك مش هسمح لحد في الدنيا كلها يمس شعرة منك.
حاضر… هحكيلك.
أخيرًا أخذت قرارها بالحديث، فماذا ستخسر أثمن منه؟ فإن كانت كل الطرق لا تؤدي إليه، فلتصنع هي طريقها الخاص بنفسها.
طنط سميرة هددتني إني لازم أبعد عنك، وإلّا هتقول للناس كلها إن ماما كانت بتخون بابا مع عمو مراد، وإن معاها الدليل اللي هتثبت بيه كلامها. وأنا مقدرتش أسيبها تشوّه سمعة ماما يا يوسف… مقدرتش.
هبت من مكانها، فلم تعد تستطيع التحمل أكثر، لتجهش ببكاءٍ مرير، إلى أن شعرت به خلفها يحتوي ألمها ويهدهدها وهو يقول بخفوت:
هششش…

اهدي وبطّلي عياط.
انتزعت نفسها من بين يديه وقد تذكرت حديثه عن والدتها الذي شطر قلبها نصفين، فقالت بصراخ:
ماما عمرها ما كانت خايْنة! حتى لو كلكوا قولتوا كده، أنا مش هصدّق أبدًا!
وهنا صدح قلبه هاتفًا: ألم أقل لك؟
من البداية صدق حدسي؛ فهي لم تتركنا كما ظننت، بل إنها أُجبرت على الرحيل.
عند هذه الفكرة احتواها بكل ما يكنّه لها من عشــ,,ـق، فقد كان احتواءً كاسحًا يحمل من الحب ما تعجز الكلمــ,,ـات عن وصفه، عشــ,,ـقًا سرعان ما انتقل إليها، فانخرطت في دوامة حبّه غير عابئة بألمها الناتج عن قوته.

غرسها بين جنبات صـ,,ـدره برفق كما لو كانت أثمن أشيائه في هذه الحياة، ثم جلس وهي قابعة عند موضع جنونه بها، يهدهدها كطفل صغير ناثرًا عشــ,,ـقه على خصلاتها وهو يهمس لها ببضع كلمــ,,ـاتٍ مطمئنة حتى هدأت شهقاتها.
رفع رأسها ونظر إلى أعماق عينيها قائلًا بحب:
آخر مرة أشوف الحزن ده كله في عينيكي، وآخر مرة أشوفك بتعيطي كده… فاهمة؟
يوسف…
قاطعها بوضع إصبعه أمام شفتيها الشهية وقال بأمر:
فاهمة؟
تلقت إيماءة من رأسها؛

فهو يعلم أنّها ما زالت خائفة من المجهول ومن ما قد يصيبها من تلك الأفعى، ولا تعلم أنّه ينتوي أن يُريها الجحيم على الأرض. لكن صبرًا، فلكل مقامٍ مقال…
يعني إنت خلاص سامحتني؟
قالتها كاميليا بعدما طال صمته وهو ينظر إليها بتلك النظرات الغامضة التي أربكتها وقذفت الحيرة داخلها: أيسامحها أم لم يصدقها من الأساس؟
كان يتأمل ملامحها وكأنه يتشرّبها شوقًا، لكنه قال معاندًا صرخات قلبه التي تطالبه بها:
لسّه…
مطّت شفتيها بعبوس وقالت بغضــ,,ـبٍ طفولي، فقد أرهقها كل شيء ولم تعد تطيق الفراق، فقالت بحزن:
طب هتسامحني إمتى بقى؟

بعدما تحدثت بكل هذا اللطف، لم يستطع أن يقاوم قلبه أكثر، فهَمَس أمام منبع ارتوائه وعذابه في آنٍ واحد:
لما أشبع منك الأول… وأروي قلبي اللي بقاله عشرين سنة محروم من جنتك.
وما إن أنهى جملته حتى أخذ ينهل من عشــ,,ـقها بلا هوادة، فغابت هي عن كل ما يحيط بها، وغاب معها قلبٌ اكتفى بها عن العالم أجمع.
كـينبوع ماء في وسط صحراء قاحلة… هكذا هو حبكِ
*************
أؤمن أنّ الحبّ والغيرة وجهان لعملةٍ واحدة؛
فلا حبّ بلا غيرة، ولا غيرة بلا حب.
فكلُّ مُحبٍّ غيور، وكلُّ غيورٍ مُحب.

ولأنّ القلب حين يعشــ,,ـق يختبئ خلف ستار اللامبالاة،
قد يُخفي سنواتٍ من الشوق بين أضلعه،
إلى أن تأتي لحظةُ غيرةٍ واحدة،
فتُسقط كلّ الأقنعة، وتُطيح بذلك الثبات الهشّ،
كاشفةً عن عشــ,,ـقٍ جامحٍ
يعترف به النبض قبل الشفاة
نورهان العشري
كانت غرام تتحدث على الهاتف مع إحدى صديقاتها بالجامعة منتظرة أن يجهز طلبها في كافيتريا المشفى، لتلاحظ ذلك الذي كان يتلفّت حوله كطفلٍ ضائعٍ من والدته، وأخيرًا وجدها عندما التقت عيناه بتلك الفاتنة التي كانت تتحدث على الهاتف وتمسك بإحدى خصلات شعرها بدلال، غير عابئة بنظرات الإعجاب التي تحاوطها من كل جانب، فتشعل في قلبه

فتيل النيران التي لم تهدأ لثوانٍ معدودة بعد ما فعله ذلك الطبيب الأحمق الذي تجرأ ونبض قلبه لأجلها.
لتضفي وقود أفعالها الجنونية نيران غيرته من جديد، عندما اقترب منها وسمعها تتحدث إلى صديقتها قائلة بهيام:
طول إيه وعرض إيه! قمر قمر يخربيته، لا وإيه كمان! دوك قد الدنيا، مش صايع من اللي مولودين وفي بقهم معلقة دهب ورايح جاي على شركة بابي وجدي، وهو ولا له أي لازمة في الدنيا…
صعقته كلمــ,,ـاتها وتغزّلها بذلك الأحمق الذي حوّله إلى كومة من العظام المحطّمة، فغلت الدماء في عروقه وقال متوعّدًا:
ماشي يا غرام، الكلب بقي؟!

أنا صايع وما ليش لازمة؟! أما وريتك…
خطا خطوتين تجاهها، وما كاد أن يخطو الثالثة حتى تفاجأ بذلك الغبي يتقدم منها، وتنبعث من عينيه نظرات إعجاب صريحة وهو يقول:
هيكون فيها قلة ذوق مني لو قلت لك إني معجب بيكِ جدًا وعايز أتعرف عليكِ؟
التفتت له غرام متفاجئة وهمّت بأن تلقّنه درسًا لا ينساه ذلك الوقح، لكن رائحة عذبة تخللت أنفها لتخبرها بأن هناك من يحترق في الخلف، فاشتعل المكر بداخلها لترسم ابتسامة خجل متقنة جعلت ذلك الشاب يتجرأ أكثر، مقتربًا منها خطوة أخرى وهو يمد يده مصافحًا.

لكنّ المفاجأة كانت لكمة قوية أطاحت به، تلقاها من ذلك الذي انفجرت كل خلية فيه غضــ,,ـبًا وغيرة، فلم يعد يهتم بما يدور حوله، وامتدت يده ممسكةً بمعصمها، يجذبها خلفه دون أن يهتم بتعثّرها أو بصراخها الغاضب، حتى وصل إلى سيارته ففتحها وألقاها في المقعد الأمامي وهو يزفر نيرانًا من أنفه.
لم تعبأ غرام بمظهره المرعب وقالت صارخة بغضــ,,ـب:
إنت اتجننت؟! إيه اللي إنت عملته دا؟!
لم يستطع الالتفات إليها، فقد كان يحاول أن يهدأ من ذلك الغضــ,,ـب المريع الذي يتملّك كل خلية فيه، وهي لا تساعده أبدًا، بل تزيد من نيران غضــ,,ـبه التي لن تحــ,,ـرق سواها.

وفجأة تفاجأ بصراخها ويدها تمتد لتلكمه في كتفه وهي تقول بانفعال:
أنا بكلمك يا حيوان إنت…
لم تستطع أن تُكمل باقي جملتها، فامتدت يده تطحن خاصرتها حتى كادت عظامها تتكسر، وهو يقربها منه حتى أصبحت أنفاسه الغاضبة تحــ,,ـرق المكان حولهما، فشعرت بالرعب من ذلك الجحيم المُرتسم في نظراته ونبرته الخطرة وهو يقول من بين أسنانه:
إياكِ صوتك يعلى عليّ تاني، أو تفكّري تقلّي أدبك وتطوّلي لسانك اللي عايز أقطعه دا، فاهمة؟!
لم يُطاوعها لسانها على الإجابة، فجاءت كلمــ,,ـاته التالية توحي بسوء حالته:
وبعدين… أنا عارف إن اللي إنتِ بتعمليه دا مقصود عشان تجنّنيني، صح؟

اندهشت من حديثه، لكنها سرعان ما أجابت بمكر:
وهو إيه اللي حصل بقى وأنا قصده؟
حوار الدكتور الغبي دا، وكلامك مع صاحبتك، والمتخلّف اللي كان في الكافيه!
تراقصت دقات قلبها من حديثه الذي يقطر غضــ,,ـبًا وهي تراه يتلوّى بنيران الغيرة، وذلك الشرر ينبعث من عينيه، لتقرر هي أن تزيد من معاناته قائلة بغنج أصــ,,ـابه بالجنون:
تقصد الدكتور رامي؟
قاطعها بغضــ,,ـبٍ أعمى، بفعل غيرته التي كانت تأكل كل ذرة فيه:
قصدك دكتور زفت! ما تنطقيش اسمه قدّامي!
كتمت ضحكة شمــ,,ـاتة بداخلها وهي تتعمد أن تقول ببراءة:

بصراحة مش فاهماك… إيه اللي مش طبيعي في الحوار؟ واحد شاف واحدة أعجب بيها، وواحدة بتحكي لصاحبتها عن واحد أعجبت بيه، إنت إيه اللي مضايقك؟
كانت كلمــ,,ـاتها كالبنزين الذي صُبّ على نيرانه، ليضحك كمن مسّه الجنون، ويحرك رأسه يمينًا ويسارًا متمتمًا دون وعي:
معجب بيها… وهي معجبة بيه!
ثم بحركة مفاجئة قــ,,ـبض على مؤخرة رأسها، لتجد نفسها في مواجهة مباشرة مع ظلام عينيه وغضــ,,ـبه الأسود، حين قال من بين أسنانه:
يمين بالله يا غرام، لو جبتي سيرة راجل تاني قدّامي، أو حتى فكرتي فيه بينك وبين نفسك، لهكون دافنك مكانك… سامعة؟

*************
ها يا حبيبتي، عاملة إيه دلوقتي؟
كان هذا صوت صفية الحاني، تطمئن على نيفين التي أصــ,,ـابت قلبها الحُمّى ما إن عرفت بحقيقة أن سميرة ليست والدتها؛ فلم تتحمّل فكرة أنها مجرد بيدق في لعبتها، فتجسّد ألم قلبها على هيئة حُمّى أصــ,,ـابتها وجعلتها طريحة الفراش. وكالعادة لم تهتم سميرة بها، لكنها الآن باتت تعرف السبب.
الحمد لله يا طنط، حاسة إني بقيت أحسن.
طب يلا قومي بقى عشان تاكلي وتاخدي دواكي.
مش قادرة يا طنط، حاسة إني ما ليش نفس للأكل.
مش عايزة دلع بنات! قومي يلا، ويكون في علمك:

هتخلصي الأكل دا كله، ومش عايزة نقاش. عايزاكِ تخفّي بسرعة وتبقي زي الحصان، وترجعي إنتِ وروفــ,,ـان القردة تناكشوا في بعض.
تنهدت نيفين بحزن وقالت:
روفــ,,ـان ما بتطقّنيش أصلًا، وكل كلامنا مع بعض خناق وبس.
رقّ قلب صفية لحال تلك المسكيــ,,ـنة التي كانت ضحية حقد وطمع والدتها، فجلست بجانبها وأخذت تربت على شعرها بحنان قائلة:
أوعي تقولي كدا تاني. روفــ,,ـان بتحبك عشان إنتِ أختها، هي بس بتكره تصرفاتك. في فرق بين إنك تكرهي حد وبين إنك تكرهي تصرفاته، وانتِ تصرفاتك كانت بتضايقنا كلنا، وخصوصًا تصرفاتك مع كاميليا.

هبت نيفين نافية تلك التهم في محاولة لتحسين صورتها أمام صفية:
أبدًا والله يا طنط، هي اللي كانت بتبتدي الأول وتضايقني.
ما تكذبيش يا نيفين، أنا مش صغيرة وعارفة إيه كان بيحصل كويس أوي. وعايزاكِ تفتكري إنها يتيمة يا بنتي، وإنتِ ما شاء الله باباكي ومامتك الاتنين جنبك، إنما هي ما فيش جنبها حد.
قاطعتها نيفين بقهر صارخة:
جنبها يوسف يا طنط!
رزقها يا نيفين إن ربنا يسخّر لها واحد زي يوسف يحبها بعد ما اتحرمت من حب وحنان أبوها وأمها من وهي لسه طفلة.

ما أنا بابا وماما الاتنين موجودين، بس عمري ما حسيت بحنانهم ولا حبهم. بابا على طول بعيد ومسافر، وماما…
غصّ قلبها لذكر تلك الكلمة البعيدة تمامًا عن وصف سميرة، لكنها تجاهلت وجعها وأكملت:
وجودها زي عدمه، برضه لا بحس بحبها ولا بحنانها. أهو نايمة تعبانة وما هي حتى مش في دماغها. قولي لي يا طنط صفية، مش أنا أولى بحب يوسف دا؟! مش أنا اللي محتاجاه أكتر من كاميليا؟
صُدمت صفية من مدى حقدها وأنانيتها، لكنها تعلم حقيقة معاناتها مع أبويها، وهذا ما جعلها تتمالك نفسها وتقول بهدوء:

ربنا مقسّم الأرزاق يا بنتي، وكل واحد منّا له أربعة وعشرين قيراط واخدهم كاملين، بس بيكونوا متوزعين ومش كل واحد زي التاني. وإنتِ عندك جدّك بيحبك أكتر واحدة في أحفاده وما بيتحمّلش عليكِ الهوا، وعندك أب بيحبك، بس غصب عنه ظروف شغله بتجبره يكون بعيد عنك.

انت في الصفحة 5 من 7 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى