كان هذا صوت غرام الغاضب من حديثهم، لتخلع ثوب الخجل جانبًا وتندفع الكلمــ,,ـات من حلقها في غضــ,,ـب جميل يليق بها، ليتفاجأ رامي بحديثها وغضــ,,ـبها الذي أضفى على خديها ذلك الاحمرار الشهي، ليتابع معهم المزاح ما إن وجدها ترفع إحدى حاجبيها بغضــ,,ـب وتضع يدها في منتصف خصرها بحركة طفولية جميلة، ليقول بمرح مدعيًا الخوف:
لا، من الواضح فعلًا إنه هيشوف أيام هنا على إيدك، وتقريبًا هتبقى آخر أيام يعيشها على وش الدنيا.
قهقه جميع من في الغرفة على مزاح رامي وغضــ,,ـب غرام، لتعرف الابتسامة طريقها إلى ثغر كاميليا بعد وقت طويل من الأحزان.
قاطع صوت ضحكاتهم عَيْنان بلون زرقة السماء، سرعان ما التهبتا بنيران الجحيم عند رؤيته لمحبوبته تضحك هكذا في وجود ذلك الطبيب الذي أصبح الآن في عِداد المــ,,ـوتى…
—
يعني إيه يا رائد اللي بتقوله ده؟
يعني مش هدخل الحريم في خطتي يا سميرة، ولو هبعد كاميليا عن يوسف فهي هتبقى مراتي لفترة وبعدها أطلّقها، غير كده معنديش. وأظن بكده نبقى كسرنا قلب يوسف برضه ودمرناه.
وبنت زهرة تنفد من تحت إيدي؟!
قال رائد بحنق:
بنت زهرة ماعملتلكيش حاجة عشان تفكري تأذيها الأذية دي كلها.
لا، عملت في بنتي… كسرت قلبها وخدت حبيبها منها.
اهتزت نبرة سميرة بعض الشيء، مما جعل رائد ينظر إليها بسخــ,,ـرية قائلًا:
خدت من بنتك إيه؟ حبيبها…! إنتِ بتتكلمي على أساس إن أنا هندي! يوسف عمره ما بص لنيفِين أصلًا ولا فكر فيها، ولا هيفكر حتى بعد هروب كاميليا منه. ولا نيفين عمرها حبّته، إنتِ اللي كنتِ طول عمرك بترميها عليه، بالرغم من إنها بنت مراد الحسيني يعني ليها حق في ورثه، بس إنتِ الطمع عاميكي، ومش مكفيكي اللي هتورثيه، عايزة تكوشي على كل حاجة.
صححت حديثه بجشع:
قصدك الملاليم اللي هتورثهم من أبوها؟ دي بتسميها ثروة؟ في حين إن بنت زهرة تكوش على كل حاجة!
ده على جــ,,ـثتي!
الملايين دي كلها عملتيها ملاليم! ولنفرض… ما إنتِ ممكن تجوّزيها جوازة كويسة، ومعتقدش إنك هتغلّبي في إنك تلاقي اللي يشيل يعني.
وبنت زهرة تنتصر عليّا زي ما أمها عملت زمان؟! لا يا رائد، على جــ,,ـثتي يحصل الكلام ده!
قال رائد بتهكم:
أمها! قولي كده بقى… طارك كله مع أمها اللي مــ,,ـاتت بقالها يمكن عشرين سنة ولسه برضه بتكرهيها وبتغلي منها.
استمهل نفسه قبل أن يقول بسخــ,,ـرية، قاصدًا إلحاق مزيد من الألم بها:
ألا هي كانت صاروخ زي كاميليا كده لدرجة تخلي أحمد الحسيني يقرر يمشي ويسيب عز أبوه وفلوسه دي كلها؟
أتت محاولته لاستفزازها بثمارها، فهو يكره تلك المرأة بشدة ويعلم بأنها تخفي الكثير والكثير، لترد عليه سميرة بحدة وبكل ما يعتمل بداخلها من كراهية وحقد لزهرة:
إنت أكيد اتجننت! أنا أِغار من واحدة زي دي؟ دي أزبل من إني أقارن نفسي بيها! واحدة رخيصة تبيع نفسها مقابل الفلوس، وبنتها طالعة لها، لفت على يوسف ووقعته في شباكها عشان تكوش على كل حاجة زي ما أمها عملت في أحمد زمان!
لا تصدقي… واطية فعلًا! رمت نفسها عليه عشان فلوسه، بس نيفين إنتِ رمّيتيها عليه عشان سواد عيونه!
تحدث رائد بتهكم، أتبعها بضحكة ساخرة ونظرات احتقار قبل أن يكمل:
بس قوليلي… إنتِ مالك ومال حكاية أحمد وزهرة؟ إنتِ كنتِ بتحبيه ولا إيه؟ شكلك كده كنتِ بتحبيه وادّاكِ الصــ,,ـابونة عشان خاطرها. ما أنا أصلي سامع إنها كانت صاروخ، له حق برضه!
وكأن حديثه اخترق أعماق قلبها كاشفًا عن جرح غائر لم تفلح السنين في مداواته، فهبت واقفة على قدميها بفعل الوجع المعتمل بداخلها وصرخت في وجهه قائلة:
اخرس يا حيوان!
باغتها رائد جاذبًا خصلاتها بعنــ,,ـف، قائلًا بغضــ,,ـب جحيمي:
إياكِ تفكري تطوّلي لسانك عليّا تاني، أحسن أقطعهولِك، فاهمة ولا لأ؟
ظلت تتخبط بين يديه وهو يشد بقوة على خصلاتها حتى تركها بغتة، لتقع على الأرض، وألقى عليها نظرة احتقار ثم تركها وغادر ذلك المقهى المتطرف قليلًا عن المدينة.
أخذت تتوعد له بحقد:
ماشي يا رائد… ودّيني لمــ,,ـوتك هيكون على إيدي، وهتشوف سميرة هتعمل فيك إيه.
وما إن همّت بالتقاط هاتفها لإجراء مكالمة هاتفية حتى تفاجأت برحيم الحسيني يتصل بها، لتحاول لملمة شتات نفسها وترد بنبرة حاولت جاهدًة أن تكون ثابتة:
أيوة يا عمي.
إنتِ فين يا سميرة؟ وإزاي تتجرأي تخرجي من غير إذني؟
أبدًا يا بابا، أنا في السوق بشتري شوية حاجات، وما رضيتش أصحي حضرتك لما عرفت إنك نايم.
إزاي تسيبي نيفين لوحدها وتخرجي، وإنتِ عارفة إنها تعبانة؟!
ما أنا سايباها نايمة يا بابا، واطمنت عليها بنفسي قبل ما أخرج، وبعدين أنا مسافة السكة وجاية أهو.
بسرعة، ما تتأخريش… وحسابنا لما ترجعي.
ألقى كلمــ,,ـاته ثم أغلق الهاتف في وجهها، مما زاد من حنقها، فالجميع يعاملها دون المستوى وكأنها نكرة لا قيمة لها، وهذا ما جعل حقدها يزداد، فتتوعد لهم جميعًا بالهلاك…
****************
دخل يوسف الغرفة بهيبته الطاغية، يسبقه قلبه المتلهِّف لرؤيتها، متجاهلًا سهامها المغروزة في قلبه جراء كلمــ,,ـاتها السامّة التي أخذت تسري في أوردته، مشعلةً بها نيرانًا لا تهدأ.
لكنّه تفاجأ بصوت ضحكاتها التي أطربت آذانه، لتجعله يقتحم الغرفة لرؤية ابتسامتها التي كانت كشروق الشمس بالنسبة له، غير أنّه تجمّد في مكانه عندما شاهد ذلك الطبيب يضحك أيضًا بتلك الطريقة.
والحقيقة أنّ جميعهم كانوا يضحكون، لكن قلبه لم يكن يرى سواها، فتلوّنت عيناه بلهيب الغيرة…
أهلاً يوسف بيه، اتفضّل عشان أشتكي لك من كاميليا هانم.
كان هذا صوت رامي الذي التفت ليجد يوسف واقفًا عند باب الغرفة، لكنه لم يلحظ ظلام عينيه، فقد كانت تلك الجنية الغاضبة تســ,,ـرق كل تفكيره.
اقترب يوسف من كاميليا المرتعبة من نظراته القاتمة وخطواته التي كانت ترسو على قلبها، وتجلى رعبها في ارتعاشة يدها التي تمسّكت بها بشدّة حتى كادت تكسر عظامها. جلس بجانبها على السرير ثم حاوطها بيده كأنّه يعلن ملكيته لها، وهو يرمقها بنظرات متوعّدة، ثم التفت إلى رامي قائلًا بلهجة خطرة فهمتها فاطمة على الفور:
عايز تشتكي لي من كاميليا ليه يا دكتور؟
لحد دلوقتي مفطرتش، وده طبيعي مخدّتش دواها وضغطها واطي. ينفع؟
التفت يوسف وقد شعر بالحزن على حالها، لكنه لم يُظهر شيئًا مما يدور بداخله، وظلت نظراته جامدة، غير أنّ نبرة صوته رقت قليلًا وهو يضغط على كفّها:
مفطرتيش ليه لحد دلوقتي؟
لم تستطع أن تخرج الكلمــ,,ـات من بين شفتيها؛ فهي تعلم أنّه غاضب منها بشدّة. ارتفع صوت أنفاسها، وألقت نظرة استجداء على خالتها التي كانت تعرف أنّ غضــ,,ـبه لن يلين سوى معها، فوجهت نظرها لرامي قائلة:
خلاص يا دكتور، خليهم يجيبوا الأكل والدوا، ويوسف هيأكلها وهيهتم بيها، مش مراته حبيبته؟
قالت الأخيرة وهي توجّه ليوسف نظرة ذات معنى فحواها (كن حنونًا معها).
لتتلقى إيماءة بسيطة منه دلالةً على تفهّمه لما تقصده، ثم أردفت:
يلا يا بنات نستنى برّه على ما كاميليا تفطر وتاخد دواها.
ثم همّت بالخروج، تلاها كارما وغرام، وخرج رامي وهو يقول:
حالًا يا يوسف بيه، الممرضة هتجيب الفطار والدوا لكاميليا هانم، عن إذنك.
زادت ارتجافة جسدها ما إن سمعت الباب يُغلق، فهذا يعني أنّهم جميعًا تركوها لمواجهة غضــ,,ـبه الجحيمي. شعر يوسف برجفتها التي كانت على مقربة منه، فتصاعدت أبخرة الغضــ,,ـب داخله على خوفها غير المبرّر منه، وأخذ يلعن قلبه الذي لم يستطع الابتعاد عنها لساعات معدودة فعاد، متحجّجًا برغبته في رؤية فاطمة لأمرٍ مهم.
ترك يوسف كتفها ونصب قامته متجهًا إلى النافذة محاولًا التنفيس عن ذلك الغضــ,,ـب الهائل الذي يعتمل بداخله.
مرّت عدّة دقائق غلّفها الصمت حتى سمع طرقًا على الباب، ودخلت الممرضة ليأمرها بترك الطعام والدواء على الطاولة قرب سريرها. وأثناء ذلك ألقى نظرة خاطفة عليها ليجدها تعتصر كفيها بشدّة وتضغط على شفتها السفلى حتى كادت تُدميها، ليقول بلهجة مريرة ما إن أغلقت الممرضة الباب خلفها:
كل دا خوف مني؟ ولا متضايقة إنك شوفتيني؟
آلمتها تلك النبرة في صوته وتلك الارتجافة بجانب فمه التي تحكي مقدار الألم الذي يعانيه، فقالت بصوت رقيق ممتلئ بالحزن:
ليه بتقول كده؟
ضحكتِك اللي كانت منوّرة وشِك ومسَمعة المستشفى كلها، واللي اتحوّلت مية وتمانين درجة لما أنا دخلت…
شعرت بالعذاب الذي يقطر من كلمــ,,ـاته؛ فقد ظنّ أنّها حزنت لرؤيته، وهو لا يعلم أنّ أكثر ما يفرحها في هذه الحياة هو وجوده. لكنها ارتعبت من ظلام عينيه الذي واجهها به، فلم تشعر إلا وهي تترجل عن السرير لتقف خلفه قائلةً بنبرة مرتعشة:
يوسف…
شعر باقترابها منه فانتفض قلبه اشتياقًا لها، وازداد جحيمه لعجزه عن الالتفات إليها واحتضانها. كان يشتاق لكل إنش فيها، لكن تبقى كلمــ,,ـاتها وأفعالها حاجزًا بينهما، فطبق شفتيه مانعًا تدفق الكلمــ,,ـات، لتفاجئه بتلك الكلمة التي فجّرت براكين غضــ,,ـبه:
أنا آسفة…
وكأن تلك الكلمة كانت القشّة التي قصمت ظهر البعير، فالتفت إليها بغضــ,,ـب جحيمي قائلًا بصوت غاضب:
آسفة؟!
لكن التفاته بهذا الجنون كادت أن توقعها أرضًا، فشعرت بنفسها تترنح، وكادت ترتطم بأرض الغرفة لولا أنّه حال دون ذلك. رفعت رأسها لتنظر إلى عينين تعشــ,,ـقهما حتى النخاع، لترى فيهما ذلك العذاب الذي كانت هي المتسببة به، فمدّت يديها تحتويه بكل ما تملك من قوة، وانهمرت عبراتها وهي تقول:
أنا بحبك أوي يا يوسف، ومقدرش أعيش من غيرك.
أنت مشيت الصبح من غير ما تفهم معنى كلامي إيه؟
أنا سبب تعبي وحزني في الدنيا دي هو خوفي من إنّي أخسرك.
أنا هربت عشان مخسركش.
أنت أغلى حاجة عندي في الدنيا، أرجوك متسبنيش…
همــ,,ـوت من غيرك.
*************
لا أعرف أيَّ لعنةٍ أصــ,,ـابتني حين عشــ,,ـقتك؛
ففي اللحظة التي تمتدّ فيها يدي لنزعك من قلبي،
أجدها تُجبِرك على البقاء،
وتُرغِمني على تقبّل وجودك
كما لو أنّ قلبي خُلِق بك ومن أجلك.
نورهان العشري
كان رامي يتجوّل في طرقات المشفى، وابتسامةٌ حالمةٌ بلهاء ترتسم على وجهه وهو يفكّر في تلك الجنيّة الجميلة التي خطفت قلبه،
ليتفاجأ بتلك القــ,,ـبضة الحديديّة التي أمسكت بعنقه تكاد تنتزع الحياة منه، وتجرّه إلى إحدى الغرف،
ملتصقًا بالحائط خلفه وسط أنفاسٍ غاضبةٍ أحــ,,ـرقت وجهه،
ليصطدم برؤية ذلك المجنون ينظر إليه بنظراتٍ مرعبة وهو يقول من بين أسنانه، بصوتٍ كزئير الأسد:
– عايز إيه من غرام يا حيوان؟
يتبع…….
وجه العشرون للعشــ,,ـق
أيقنتُ أنّني لم أُخلق لأحيا بدونك،
وأن كل لحظةٍ تخلو منك ليست إلّا جحيمًا يمتص الحياة من قلبي. فأنتَ النورُ الذي أضاء عتمة أيامي،
والحياةُ التي لم أعرفها يومًا إلّا بين جنبات عشــ,,ـقك.
ولذا، وبكل ما في قلبي من شغفٍ ووعي،
أهمس لك اليوم: أحبّك… أحبّك حدَّ امتلاء الروح بك.
نورهان العشري
دقيقة، اثنتان، ثلاث… لا تعرف كم مرَّ من الوقت وهي تنتفض بين يديه حتى بلَّلت دموعها مقدمة صـ,,ـدره من شدّة هطولها.
فقد كانت تبكي حبَّها وضعفها وقلة حيلتها أمام طوفــ,,ـان الشرّ الذي يُحاصرها، وهي غير قادرة على فعل شيء.
لم تستطع سوى أن ترتمي بين جنبات صـ,,ـدره تنشد بعض الدفء والأمان الذي لم تشعر به مع أحدٍ سواه…
وفجأة شعرت بالبرد يجتاح أوصالها ممتدًّا إلى قلبها، قلبها الذي رفض فكرة أن يكون قد سئم منها وقرّر إبعادها عن حياته. فأخذت رأسها تتحرّك يمينًا ويسارًا عندما شعرت به يطلق سراحها، وأخذت ترتجف وهي لا تزال على مقربةٍ منه، رافضةً فكرة أن يفلتها قلبه. ليصدمها ذلك الجمود في صوته الثابت، المتناقض تمامًا مع تلك العاصفة الهوجاء التي أثارتها كلمــ,,ـاتها داخله.
كاميليا!
بصعوبة حاولت نزع نفسها من جانبه، فتقهقرت خطوتين إلى الخلف مطأطئةً رأسها، فلم تعد قادرة على النظر إلى عينيه؛ فكيف تنظر إليهما وهي لن ترى فيهما تلك النظرات العاشقة التي كانت تختطفها من براثن تلك الحياة القاسية، وتخبرها دومًا بأن هناك ما يجب أن تحيا من أجله؟
بصِّيلي يا كاميليا…
كان هذا صوته البارد الذي وكأنّه أقسم ألا يلين معها مرةً ثانية، فقد كفاه ما ذاق من ألمٍ وخذلانٍ على يدها، ولا مجال للضعف الآن.
أيقظ صوته بعضًا من كبريائها، فمدّت يدها المرتجفة لتمسح بعض عَبَراتها قبل أن ترفع رأسها وتنظر إليه.
وليتها لم تفعل، فقد أهلكته تلك النظرات الحزينة المنبعثة من عينيها، والتي أخبرته بمدى معاناتها. اقترب منها خطوةً دون وعي، ومدّ يده ليمسح تلك الدمعة التي فرّت من طرف عينها، لكن، كالعادة، أوقفه كبرياؤه في اللحظة الأخيرة، ليزفر حانقًا وهو يتراجع إلى الخلف، فتفاجئه بكلمــ,,ـاتها التي لم يعلم هل أغضــ,,ـبته أم أفرحته:
أنا آسفة يا يوسف…
في النهاية شعر بالغضــ,,ـب؛ فهل كل ما مرَّ به تداويه كلمة آسف؟! فتحدّث بحدّة:
دي تاني مرة تتأسفي يا كاميليا! ممكن أعرف بتتأسفي على إيه بالضبط؟
على الحيرة اللي إنتَ فيها بسببي دي…
أثار حديثها دهشته التي سرعان ما تحوّلت إلى غضــ,,ـب، فهتف بانفعال:
بس…! على الحيرة اللي أنا فيها بس! بالنسبة لهروبك اللي لحد دلوقتي مش لاقي له سبب مقنع مش آسفة عليه؟!
صمت لثوانٍ ثم تابع بمرارةٍ تأكل قلبه من الداخل:
عارفة يا كاميليا أنا اتحملت إيه في الست شهور دول؟
من أول يوم هربتي فيه وأنا بتحمّل نظرات كل اللي حواليا… من شفقة لاستهزاء لشمــ,,ـاتة، لما بقيت لأول مرة في حياتي أهرب. أهرب من أهلي وأخواتي وأصحابي والناس كلها…
علت نبرة صوته بفعل ذلك الغضــ,,ـب الكامن في أعماقه، فانفجر أخيرًا، كالنمر الجريح:
لأول مرة في حياتي ماقدرتش أتحكم في دموعي… لأول مرة أحسّ إني ضعيف بسببك. كنت بدفــ,,ـن نفسي في الشغل زي الحيوان عشان ما أفكّرش فيك، وبرضه مكنتش بعرف. وفي عزّ ما كنت ببقى مشغول وحواليا ألف حد، كانت صورتك بتيجي في خيالي وتلخبط كل كياني.
التفت حول نفسه كالمجنون وهو يهذي كطيرٍ ذبيح:
عقلي ما بطّلش تفكير لحظة واحدة، وقلبي طول الوقت بيسألني: ليه؟ غلطنا في إيه عشان تعملي فينا كده؟ وقفت قدّام الدنيا بحالها عشان خاطرك، وماهمّنيش حد ولا أي حاجة.
قولتلك إنتِ قوتي ومن غيرك هضعف، وبرضه سبتيني…
قولتلك ما تخليش حد يكسرني بيكي، والحقيقة إن إنتِ اللي كسرتيني يا كاميليا!
قال الأخيرة بلوعةٍ أدمت قلبها، فقد مزّقتها كلمــ,,ـاته وأشعرتها بمدى فداحة فعلتها. فتفجّرت بداخلها جميع براكين عشــ,,ـقه مع نيران الندم التي كانت تقرضها من الداخل، لتندفع نحوه تحيطه بعشــ,,ـقها وندمها وهي تقول ببكاء:
ما تقولش كده أرجوك… يا ريتني كنت مــ,,ـوت وما عملت فيك كده.
قاطعها بصرامة ودون وعي منه:
ما تقوليش كده تاني!
