
غدر الأقرباء بقلم نورهان العشري جاسر الصافي كان قاعد في مطعم “سي فود” شيك جداً على البحر، قدامه رجل أعمال بيشرح تفاصيل صفقة جديدة، بس جاسر مكنش معاه خالص.. عينيه كانت سرحانة في الأفق، وشريط ذكرياته مع حبيبته اللي هربت وةكسؤت قلبه بيتعرض قدام عينيه زي فيلم سينما ملوش نهاية.
سنة عدت.. سنة كاملة وهو بيحاول يهرب من ريحتها و ذكرياته معاها اللي بتوجعه في قصره في القاهرة، هرب لإسكندرية عشان ينسى، بس الوجع كان بيسافر معاه في في كل مكان
قطع تفكيره صوت رجل الأعمال وهو بيضحك:
— “يا جاسر بيه..
الصفقة دي هتنقلنا نقلة تانية خالص، أنت معايا؟” بقلم نورهان العشري
جاسر فاق بابتسامة باهتة:
— “معاك يا أستاذ مدحت.. كمل، أنا بس الصداع مش مفارقني من الصبح.”
في اللحظة دي، جرسونة مرت من وراه عشان تقدم طلب للطاولة اللي جنبه.. فجأة، جاسر تجمد في مكانه. الريحة دي! ريحة الياسمين اللي كان بيعشقها عشان ريحة حبيبته
قلبه بدأ يدق بعنــ,,ـــــف، وصوت أمه زينات رن في ودنه زي السم وهي بتقوله يومها:
> “شوفت يا جاسر الهانم اللي نضفتها و اتجوزتها و شيلتها اسمك و وقفت قدامي عشانها عملت فيك ايه؟
هربت مع عشيقها هربت وسابتلك ورقة بتقولك إنها عمرها ما حبتك و خدت معاها كل المجوهرات اللي جبتهالها
جاسر قبــ,,ـــــض إيده على “الفوطة” اللي قدامه لحد ما عروق إيده برزت. كان نفسه يصرخ ويقول إنها خاينة، بس في حتة جواه لسه مش قادرة تصدق.. إزاي الضحكة الصافية دي كانت كدب؟ وإزاي الملاك اللي نور حياته كان مجرد قناع لشيطانه
و فجأة مرت جرسونة من وراهم و كانت ماشية بضهرها، كانت رفيعة وشبه هاجر جداً.. قام وقف فجأة لدرجة إن الكرسي وقع وراه.
مدحت استغرب: “في إيه يا جاسر بيه؟ تعبان؟”
جاسر ماردش، ومشي ورا البنت وهو مش شايف قدامه.. كان عنده أمل -أو خوف- إنها تكون هي. بس لما البنت لفت، مكنتش هي.
كانت ملامح تانية خالص، غريبة عنه اعتذر و رجع قعد مكانه وهو بيتنفس بصعوبة، وغمض عينيه بقهر وهو بيمتم لنفسه:
— “حتى هنا ريحتك محوطاني و مش عارف اخلص منك ولا من ذكراكي.”
مبقاش عارف يصدق قلبه اللي بيقول إنها أكيد مظلومة، ولا عينه اللي شافت “أدلة” أمه، ولا الوجع اللي بيقطّع في قلبه كل ما يفتكر إنها ممكن تكون دلوقتي مع غيره.
كان بيحاول يلم شتات نفسه، مسح حبات العرق اللي ظهرت على جبهته رغم نسمة الإسكندرية الباردة. مدحت شريكه بص له بقلق وقال: بقلم نورهان العشري
— “يا جاسر بيه، شكلك فعلاً محتاج راحة، لو تحب نأجل الكلام في بنود العقد لبكرة..”
جاسر قاطعه بصوت حازم بيحاول يداري فيه رعشة إيده:
— “لا يا مدحت، أنا تمام.. خلينا نخلص. كنا بنقول إيه في نسب التوزيع؟”
بدأ مدحت يتكلم في الأرقام، وجاسر بيحاول يركز، بس حواسه كلها كانت متأهبة بشكل غريب. وفجأة، الريحة رجعت تاني..
بس المرة دي مكنتش “طيف” عابر، دي كانت ريحة حقيقية، قوية، الريحة اللي محفورة في قلبه.
حس بخطوات هادية بتقرب من ورا ضهره، و بنت جرسونة جت وقفت جنبه إيدها كانت بتترعش وهي شايلة صينية عليها “طاجن السي فود” الرئيسي، بدأت تنزل الأكل قدام مدحت الأول، وبعدين ميلت عشان تحط الطبق قدام جاسر. جاسر رفع راسه ببطء، وعينيه جت في عينيها..
هاجر!
الوقت وقف.. العالم كله اختفى، ومبقاش فيه غير نظرة الرعب اللي في عيون هاجر، ونظرة الذهول والغل والحنين اللي في عيون جاسر. هاجر وشها بقى أبيض زي الورق، شفايفها اترعشت وهي بتهمس بكلمة واحدة مسمعهاش غيره:
“جاسر؟!”
من صدمتها، الصينية مالت من إيدها، والشوربة السخنة والأكل وقعوا كلهم على بدلة جاسر الغالية وعلى الترابيزة.
مدحت قام مفزوع: “يا ساتر يا رب! مش تحاسبي يا بنتي؟”
الدربكة اللي حصلت، وصوت تكسير الأطباق، وصياح مدير المطعم اللي جيه يجري: بقلم نورهان العشري
“أنتِ اتجننتي؟ مش عارفة ده مين؟” .. كل ده كان في خلفية المشهد بالنسبة لهاجر. هي كانت شايفة “جاسر حبيبها” اللي هربت منه، وشايفة في عينيه نظرة اتهام خلت قلبها يترعب وقبل ما جاسر يلحق يستوعب اللي حصل ويصرخ فيها “ليه؟”، كانت هي أسرع..
استغلت زحمة الجرسونات اللي جم ينظفوا والمدير اللي بيعتذر لجاسر، لفت بضهرها وجريت بأقصى سرعة عندها تجاه المطبخ، ومنه للباب الخلفي للمطعم اللي بيطل على ممر ضيق.
جاسر فاق من صدمته وزق المدير بعنــ,,ـــــف وهو بيقوم:
— “ابعد عني!”
وطلع يجري وراها وهو مش مصدق أنها بتهرب منه تاني لكن للأسف ملقاش غيؤ مريلتها المرمية على الأرض و ريحتها اللي محوطاه في كل مكان *********
المطعم اللي كان من شوية هادي وشيك، اتحول لساحة تحقيق. جاسر واقف في نص الصالة، صدره بيعلو ويهبط بعنــ,,ـــــف، والمدير واقف قدامه بيرتعش وماسك فوطة بيحاول ينضف بدلة جاسر اللي غرقانة بالأكل، بس جاسر زق إيده بقوة وصرخ فيه بصوت زلزل المكان:
— “بقولك كانت شغالة هنا بقالها قد إيه؟ وعايشة فين؟ انطق بدل ما أهد المطعم ده على دماغ اللي فيه!”
المدير بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت متقطع:
— “يا جاسر بيه، والله العظيم البنت دي غلبانة..
هي لسه مستلمة الشغل من شهرين بس، وكل اللي اعرفه عنها انها عندها طفل صغير لسه مولود بتسيبه عند جارتها واسمها أم سليم.”
جاسر اتجمد مكانه. و اتصدم صدمة عمره هي سيبها بقالها سنه و معاها طفل يعني لما هربت منه كانت حامل! و كمان الاسم رن في ودنه زي الرعد. “أم سليم؟”. سليم؟ ده الاسم اللي كان نفسه يسميه لأول ولد يخلفوه
قرب من المدير ومسكه من لياقة قميصه، وعينيه فيها شرار:
— “أم سليم؟ يعني هي عندها طفل؟”
واحد من الويترز اللي واقفين ورا المدير اتدخل بخوف:
— “أيوة يا فندم، معاها طفل عنده ست شهور تقريبا .. كانت ساعات بتجيبه معاها قبل الشغل وتسيبه مع الست صاحبة البيت اللي ساكنة فيه.. هي هربت ليه يا فندم؟ دي حتى سابت الـ (تبس) بتاعها وجريت كأنها شافت عزرائيل!”
جاسر ساب قميص المدير ببطء، وحس بضــ,,ـــــربة قوية في نص قلبه. سليم.. طفل.. لسه مكملش سنة! ابنه اللي عاش يحلم بيه خدته و هربت مع عشيقها و النهاردة هربت منه حس انه لو شافها دلوقتي هي.ها و ملامحه بقت مرعبة وهو بيبص للويتر وقال بلهجة آمرة: