Uncategorized

غدر الأقرباء بقلم نورهان العشري

حكايات نورهان العشري

— “البيت.. البيت اللي ساكنة فيه فين؟ لو مديتنيش العنوان دلوقتي، هعتبرك شريك في هروبها وهحبسك!”
الويتر خاف وشاور بإيده ناحية منطقة الملاحات الضيقة ورا المطعم:
— “هي ساكنة في شارع (..) في بيت قديم في منطقة (..) بس أرجوك بلاش تأذيها، دي شقيانة على ابنها.”
جاسر مسمعش باقي الجملة، طلع يجري زي المجنون في اتجاه المنطقة اللي قالوا عليها البدلة الغالية والبرستيج ورجال الأعمال، كل ده مابقاش ليه قيمة.. هو دلوقت بيدور على روحه اللي تاهت منه، بيدور على ابنه اللي اتحرم منه كل دا و مكنش يعرف حتى بوجوده.

في نفس الوقت، كانت هاجر واصلة البيت وهي بتنهج بانهيار، قفلت الباب الخشب القديم بالمفتاح والترباس، وجريت على السرير اللي نايم عليه طفل صغير ملامحه نسخة مصغرة من جاسر.. حــ,,ـــــضنته وهي بتعيط بهستيريا:
— ” شوفت بابا النهاردة يا سليم. بس هربت منه زي الجبانه شوفت في عينه نــ,,ـــــار هتحــ,,ـــــرقني نــ,,ـــــار انا مش قدها.

أخذت هاجر تبكي وهي قاعدة على طرف السرير، ضامة ابنها “سليم” لصدرها وهي بتترعش كأنها في نوبة برد قاسية. دموعها كانت نازلة بحــ,,ـــــرقة على خدودها، وصوت شهقاتها المكتومة هو الصوت الوحيد في المكان.
بصت لملامح سليم النايم في سلام، وبدأت تهمس له بصوت مكسور: بقلم نورهان العشري
— “مش مصدقه اني شوفته النهاردة ياسليم كان زي ما هو يا حبيبي.. لسه هيبته بتهز الأرض. كان واحشني أوي يا سليم.. كان نفسي أرمي نفسي في حــ,,ـــــضنه وأقوله إن جدتك كانت عايزة تمــ,,ـــــوتك قبل ما تيجي الدنيا. بس هو عمره ما هيصدقني..

أكيد زينات هانم لقت سبب مقنع لهروبي و مش بعيد تكون اقنعته إني خاينة ولا حاجة. وهو أكيد جه النهاردة عشان يعاقبني.. جه ياخدك مني يا قلب أمك.”
فجأة.. صوت خبطات عنيفة ورزيع على الباب الخشب المتهالك خلى قلبها يقف. هاجر اتنفضت من مكانها، الرعب شل حركتها للحظات. الخبط زاد وصوت بره بينادي بجبروت مش غريب عليها:
— “افتحي يا هاجر! افتحي بدل ما اكسر الباب ده على دماغك!”
هاجر رجعت لورا وهي بتترعش، بس لما لقت سليم بدأ يتململ وهيصحى من الخبط، استجمعت شجاعتها وقربت من الباب بإيد بتترعش، وفتحته ببطء..

كان واقف قدامها بكل طوله، ببدلته اللي لسه عليها آثار الأكل، وعينيه اللي كانت بتطلع شرار وحزن وغل في نفس الوقت. جاسر دخل الأوضة بخطوات واسعة، عينيه مسحت المكان بذهول وقرف من الفقر اللي هي عايشة فيه، ورجع وقف قدامها، صوته كان واطي بس فيه نبرة تقطع القلب قبل ما ترعب: بقلم نورهان العشري
— “أهلاً بالهانم اللي هربت مني وسابتني بمــ,,ـــــوت في اليوم ألف مرة. أهلاً باللي سرقت ابني وحرمتني منه و داست على قلبي و على كرامتي وهربت

هاجر حاولت تتكلم، بس صوتها مكنش طالع، الدموع بس هي اللي كانت بتجاوب.
جاسر قرب منها أكتر، وضغط على دراعها بقوة وهو بيبص في عينيها بتحدي:
— “كنتي فاكرة إن إسكندرية هتداريكي؟ كنتي فاكرة إني مش هعرف أوصلك؟ بس اديني وصلتلك و جيت عشان آخد حقي منك يا هاجر.. جيت آخد ابني اللي ملوش مكان وسط القرف ده، وأعرفك إن اللي يخون جاسر الصافي بيدفع التمن غالي أوي.”
اترعبت وقلبها وقع في صدرها و صرخت بضعف وهي بتحاول تفك إيدها: بقلم نورهان العشري
— “اسمعني يا جاسر.. والله العظيم مظلومة!

أمك هي اللي..”
قاطعها بزعيق هز جدران الأوضة:
— “ماتنطقيش اسم أمي على لسانك! أمي هي اللي فوقتني من وهمي فيكي.. ودلوقت، سليم هيمشي معايا، وأنتِ.. أنتِ حسابك لسه مخلصش.
جاسر تجاهل صرخاتها تماماً، واتجه ناحية السرير بخطوات شبه مهزوزة. لأول مرة، “جاسر الصافي” القوي، إيده تترعش وهو بيمدها يلمس وش الطفل. شال “سليم” اللي كان لسه عنده ست شهور ببطء، وكأن بيشيل حتة من قلبه كانت ضايعة. الطفل فتح عينيه وبدأ يبتسم ببراءة، وجاسر ضمه لصدره بقوة، ودفــ,,ـــــن وشه في رقبته وهو بيغمض عينيه بألم.. ريحته، ريحة ابنه اللي اتحرم منه قبل ما يتولد.

لف لهاجر وهو ضامم الطفل بإيد، والإيد التانية بيشاور بها في وشها بغضب مكتوم:
— “أنتِ مجرمة يا هاجر.. أنتِ مش بس هربتي، أنتِ سرقتي روحي! حرمتيني من احلى شعور في الدنيا اني ابقى أب! سنة وأنا بتعذب من خيانتك ليا أتاريكي شائبة بلاوي كتير. حرمتيني أشوف ابني وهو بيتولد، حرمتيني أشوف أول ضحكة ليه. أمي كان عندها حق لما قالت إنك اختيار غلط من الأول.. إنك واحدة جاية من القاع وهتفضلي فيه مهما حاولت أرفعك لمستوايا خاينة، و حقيرة!”

جاسر حط سليم على السرير و عنيه كلها رعب وهو بيدور في الأوضة الضيقة بجنون، بيفتح الدولاب المتهالك، بيبص تحت السرير، وبيزعق بصوت هز جدران البيت:
— “فين هو؟ انطقي! فين عشيقك اللي هربتي معاه؟ فين الراجل اللي سبتيني عطشانه واللي عرف قيمتك وعيشك في خرابة تليق بيكي”
هاجر انهارت تماماً، رمت نفسها تحت رجليه وهي بتشهق من كتر العياط، ومسكت في حرف بدله:
— “والله العظيم ما فيه حد! وحياة ابني أنا عمري ما عرفت راجل غيرك، ولا حبيت ولا هحب غيرك يا جاسر! الورقة دي أنا كتبتهالك كتبتها وأنا ميتة من الرعب..

كنت عايزة أهرب وأختفي عشان أحمي ابني!”
جاسر قلبه وجعه.. النبرة دي، الدموع الصادقة دي هي اللي خلته يعشقها زمان، بس كبرياؤه وصورة أمه “زينات” وهي بتبكي وبتقوله إن البنت دي “خاينة” كانت حاجز حديدي. زق إيدها عنه بضعف وقال:
— “كفاية كدب.. كفاية تمثيل! أنا خلاص مبقاش عندي طاقة أصدقك.”
بص لسقف الأوضة اللي بيسرب رطوبة وللحيطان المقشرة وقال بحسم:
— “أنا هاخد ابني وهمشي.. ابن جاسر الصافي استحالة يعيش ليلة واحدة كمان في الخرابة دي.

ابني هيرجع مكانه الطبيعي، في قصر الصافي، وسط العز اللي حرمتيه منه.”
هاجر اتنفضت زي الدبيحة، ووقفت قدامه بصرخة هزت الزقاق كله:
— “لا يا جاسر! خد روحي، ا.ني دلوقت، بس ابني لا! سليم ميعرفش حد غيري.. ده مبينامش غير في حــ,,ـــــضني. استحالة تاخد ابني مني وتوديه للست اللي كانت عايزة ت.ه وهي لسه حتة لحمة حمرا!”
جاسر بصلها بسخرية:
— ” بطلي كذب أمي مكنتش عارفة انك حامل اصلا ولا حتى انا. أمي اللي كان عندها حق وهي اللي نبهتني لحقيقتك.

هاجر بانهيار و هي بتقرب تسند راسها على كتفه
” لا يا سليم والله كانت عارفة. انا مش بكذب . أبوس متاخدش ابني مني انا همــ,,ـــــوت من غيره.

قلبه وجعه اوي عشانها وخصوصا لما قريت منه حس قد ايه هي كانت وحشاه سكت لحظة، وبصلها بنظرة باردة خالية من أي مودة وكمل كلامه اللي وقع عليها زي السكــ,,ـــــين:
— “لو عايزة تربي ابنك وتفضلي جنبه.. وماله، مفيش بقلم نورهان العشري مانع. هترجعي معايا القصر، بس هتدخلي من باب الخدم.. هعتبرك مجرد ‘مربية’ لابني، خدامة مسؤولة عن أكله وشربه ونضافته وبس. لكن عمري ما هعاملك إنك مراتي أبداً.. أنتِ بالنسبة لي ميتة. وأول ما نوصل القاهرة، هطلقك وهتفضلي هناك بصفة واحدة بس.. ‘دادة سليم’.

موافقة، ولا أمشي بابني دلوقت وماشوفيش وشه تاني؟”
هاجر بصت لسليم اللي بدأ يعيط من زعيقهم، وبصت لجاسر اللي ملامحه بقت قاسية زي الحجر.. حست إنها بين نــ,,ـــــارين، نــ,,ـــــار الذل في بيته كخدامة، ونــ,,ـــــار إنها تخسر ابنها للأبد. بلعت ريقها المر، وقالت بكسرة وصوت مخنوق:
— “موافقة.. موافقة يا جاسر بيه. هبقى خدامة تحت رجلك بس ابني يفضل في حــ,,ـــــضني.” ★★★★

توقفت السيارة الفارهة أمام باب القصر الكبير، ذلك المكان الذي خرجت منه هاجر قبل عام وهي مكسورة، تعود إليه الآن وهي منكسة الرأس، تحتضن طفلها “سليم” وكأنه حصنها الأخير. جاسر نزل من السيارة بملامح جامدة، وأشار لهاجر بحدة لتتبعه من باب خلفي، لكنه فجأة غير رأيه وسحبها من يدها ليدخلا من الباب الرئيسي.
بمجرد دخولهم الصالة الكبيرة، كانت زينات تقف عند السلم، ترتدي أفخم ثيابها وتضع مساحيق تجميلها ببرود، لكن بمجرد أن وقعت عيناها على هاجر، سقط فنجان القهوة من يدها ليتهشم على الرخام.
زينات بشهقة مكتومة وصدمة شلت حركتها:
— “هاجر؟!

إيه اللي جاب الجربوعة دي هنا تاني يا جاسر؟ وأنت ماسك إيدها كدة ليه؟”

جاسر ببرود قاتل، وهو يشير للطفل الذي تحمله هاجر: بقلم نورهان العشري
— “جبتها عشان ابني يا أمي.. سليم الصافي رجع بيته.”
زينات وشها احمرّ وبدأت تصرخ بهستيريا وهي بتقرب منهم وبتبص للطفل بقرف:
— “ابنك؟ أنت صدقت التمثيلية دي؟ البنت دي هربت مع عشيقها يا جاسر! الولد ده أكيد ابن الحرام اللي هربت معاه.. جايب لنا عيل مجهول الهوية وعايز تلبسه لاسم الصافي دي خاينة ومكانها السجــ,,ـــــن!”
هاجر انكمشت على نفسها وهي بتعيط وصوتها مش طالع، لكن جاسر فجأة ساب إيد هاجر ووقف زي السد المنيع قدام أمه، وبصوت هز نجف القصر من قوته صرخ:

— “كفااااااية!”
ساد صمت مرعب في المكان، جاسر كمل وكلامه زي الرصاص:
— “الولد ده ابني.. ابني يا أمي! نسخة مني ومن غير تحليل (DNA) حتى. سليم الصافي رجع لبيته، وأي كلمة تانية في حق شرفه أو شرف أمه هعتبرها إهانة ليا شخصياً. هاجر هنا بصفتها ‘دادة’ لابني، ومسمحلكيش، ولا أسمح لأي حد في البيت ده، يوجه لها أي إهانه.”

زينات بذهول: “أنت بتعلي صوتك عليا عشان خاطر دي؟ دي ضحكت عليك وهربت!”
جاسر قرب من أمه وهمس بلهجة مرعبة:
— “أنا لسه بحقق في موضوع الهروب ده يا أمي.. وعايز أعرف بالظبط إيه اللي حصل في اليوم ده. ولحد ما أوصل للحقيقة، سليم وهاجر خط أحمر. هاجر هتاخد الأوضة اللي جنب أوضة سليم، وممنوع حد يضايقها، فاهمة يا أمي؟”
زينات بصت لهاجر بنظرة كلها غل وتوعد، وهاجر كانت بتبصلها برعب وهي فاكرة “حبوب الإجهاض” وكلام زينات مع الخدامة، وحست إنها دخلت عش الثعابين مرة تانية، بس المرة دي معاها أغلى ما تملك.. ابنها.

بقلم نورهان العشري
جاسر لف لهاجر وقال بجفاء:
— “اطلعي على فوق ورا الخدامة.. ومن اللحظة دي، شغلتك هي سليم وبس. ملمحش وشك في القصر هنا طول ما أنا موجود.”
هاجر جريت على فوق وهي بتنهج، وجاسر فضل واقف يبص لأمه بنظرات كلها غموض ضايقها و قلقها في نفس الوقت
★★★★

كان القصر غرقان في السكون، وجاسر مش جاي له نوم.. قلبه كان شغال زي الساعة، بيدق بوجع وحيرة. مشي بخطوات تقيلة ناحية أوضة ابنه، فتح الباب ببطء شديد عشان ميصحيهوش، بس المشهد اللي شافه خلاه يتسمر مكانه ونفسه يتخطف.
هاجر كانت نايمة على طرف السرير، واخدة سليم في حــ,,ـــــضنها، والطفل ضامم إيده الصغيره على هدومها. كانت لابسة بيجامة بيتية بسيطة من القطن، مريحة وكاشفة عن رقبتها وذراعيها، وشعرها مفرود على المخدة زي ليل طويل ملوش آخر. جمالها الطبيعي مكنش محتاج تزيين، وجسمها المتناسق كان باين في نومتها العفوية، كأنها لوحة فنية مرسومة بالوجع والبراءة.

جاسر قرب وقعد على طرف السرير، عينيه كانت بتتحرك بين ملامح ابنه وملامحها هي.. الريحة اللي جننته في إسكندرية كانت دلوقت مالية المكان، ريحة الياسمين اللي بتسكر روحه. مد إيده ببطء وكأنه مسحور، ولمس خصلة من شعرها، وفي اللحظة دي هاجر فتحت عينيها بخضة.
اتعدلت بسرعة وهي بتشد هدومها بكسوف وخوف: بقلم نورهان العشري
— “جاسر بيه! أنا.. أنا آسفة، سليم مكنش راضي ينام غير في حــ,,ـــــضني وغفلت من غير ما أحس.”
جاسر صوته كان واطي ومبحوح بالحنين:
— “خليكي مكانك.. متتحركيش.”
سكت لحظة وهو بيبص في عينيها اللي لمعت فيها الدموع، وكمل بوجع:

— “ليه يا هاجر؟ ليه عملتي فينا كدة؟ سنة من عمري ضاعوا وأنا كاره نفسي وكاره الصدفة اللي جمعتني بيكي.. ليه هربتي وسبتيلي ورقة ت.يني بيها؟”
هاجر انهار حصونها، وبدأت تتكلم بصوت مخنوق بالشهقات:
— “هربت عشان أحمي ابني يا جاسر! أنا سمعت زينات هانم بوداني وهي بتدي الخدامة فلوس وبتقولها تحطلي حبوب تسقطني في العصير. قالت إنها مش عايزة ابنها يكون له طفل من ‘جرسونة’ زيي. كنت عايزني أعمل إيه؟ استنى لما تمــ,,ـــــوته جوه بطني؟”
جاسر اتنفض ووشه اتغير:
— “أنتِ بتقولي إيه؟ أنتِ أكيد اتجننتي! أمي تعمل كدة؟ مستحيل..

أمي مهما كانت قاسية، عمرها ما تفكر في ال.، ولا تفكر تأذي حفيديها.”
هاجر قامت وقفت قدامه، ومسكت إيده بقوة وهي بتبكي بهستيريا:
— “وحياة سليم يا جاسر.. وحياة أغلى حاجة عندك، أنا ما كدبت في كلمة. أنا هربت بالورقة دي عشان أكرهك فيا فمتحاولش تدور عليا، عشان أختفي وابنك يعيش. أنا عشت سنة في فقر وجوع ومرمطة بس عشان أحافظ على حتة منك..

أنا عمري ما خنتك، أنا حبيتك لدرجة إني ضحيت بسمعتي قدامك عشان أحمي ابنك من أهلك!” بقلم نورهان العشري
جاسر سحب إيده بحدة، وعينيه فيها صراع رهيب بين قلبه اللي عايز يصدقها ويضمها، وعقله اللي مش قادر يستوعب إن أمه مجرمة:
— “اسكتي يا هاجر.. انسي الموضوع ده خالص، ومتجبيش سيرة أمي بالشكل ده تاني. أمي ست شريفة ومستحيل تعمل كدة، أنتِ أكيد بيتهيألك أنها قالت كدا أو بتألفي قصة عشان تداري غلطك.”
هاجر بصتله بكسرة وســ,,ـــــخرية مريرة:
— “بيتهيألي! ماشي يا جاسر بيه.. الأيام هتبينلك إذا كنت بكذب و بألف ولا لا .

بس افتكر إني رجعت هنا بس عشان سليم.”
جاسر بصلها نظرة أخيرة، نظرة فيها رغبة مكبوتة وحزن عميق، وقال قبل ما يخرج ويقفل الباب وراه:
— “نامي يا هاجر.. ومتحلميش كتير، الحقيقة مش دايماً بتبقى زي ما إحنا عايزينها.” ★★★★

جاسر مكنش قادر ينسى نظرة عين هاجر وهي بتحلف بحياة ابنه؛ كلامها عن “حبوب الإجهاض” فضل ينخر في عقله. قرر يلعب لعبة ذكية.. استدعى “سعاد” الخدامة القديمة اللي كانت موجودة وقت هروب هاجر، واللي زينات كانت مشياها من القصر بحجة إنها كبرت.
جاسر جاب سعاد وقعدها في المكتب، وحط قدامها رزمة فلوس كبيرة وبص لها بعيون صقر: بقلم نورهان العشري
— “يا سعاد، أنتِ خدمتينا سنين.. وأنا عارف إنك ست بتخافي ربنا. قوليلي الحقيقة، هاجر هربت ليه؟ وأمي كانت بتطلب منك تحطي إيه في العصير اللي كنتِ بتقدميه ليها؟”
سعاد بدأت تترعش وعينيها زاغت، وجاسر كمل بصوت جهوري:

— “لو قولتي الحقيقة، الفلوس دي هتضمنلك مستقبل ولادك.. ولو كدبتي، هحبسك بتهمة الشروع في .!”
سعاد انهارت ووقعت على ركبها وهي بتعيط:
— “والله يا جاسر بيه أنا ماليش ذنب! الست الكبيرة هي اللي أمرتني.. كانت بتديني حبوب وتقولي دي فيتامينات للحمل، بس أنا قلبي نقرني وقريت الروشتة لقيتها حبوب بتسقط! والله يا ابني أنا كنت برميها في الحوض وما بحطهاش، بس الست هاجر سمعت الست الكبيرة وهي بتزعقلي وتقولي (البت طلعت حامل ليه؟ زودي الجرعة يا سعاد)..

هاجر هربت عشان تنقذ ابنك مني ومن أمك!”
في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخلت زينات وهي مش واخدة بالها إن سعاد موجودة، وقالت بحنان زائف:
— “جاسر يا حبيبي، أنا اتفقت مع دادة تانية لسليم عشان نمشي البنت اللي فوق دي و…”
اتصدمت لما شافت سعاد على الأرض، وجاسر قايم من ورا مكتبه ووشه أسود كأنه قطعة من الليل. قرب منها بخطوات بطيئة مرعبة، وعينيه فيها نظرة أول مرة تشوفها.. نظرة كره.
جاسر بصوت واطي ومخيف: بقلم نورهان العشري
— “كنتِ عايزة ت.ي ابني يا زينات هانم؟

كنتِ عايزة تمــ,,ـــــوتي حتة مني عشان خاطر (البرستيج) والطبقية اللي عمياكي؟”
زينات حاولت تتماسك وقالت بلجلجة:
— “أنت بتصدق الخدامة دي؟ دي أكيد هاجر مسلطاها عليك عشان..”
قاطعها بصرخة زلزلت القصر كله، لدرجة إن الخدم والعمال اتجمعوا برا:
— “بسسسس! مش عايز أسمع صوتك! أنتِ مش بس كنتِ عايزة ت.ي حفيدك، أنتِ دمرتي حياتي سنة كاملة، خلتيني أشوف مراتي خاينة وأعيش في جحيم! أنتِ اللي زورتي الورقة، وأنتِ اللي طردتي كل اللي عارفين الحقيقة!”
جاسر كمل وهو بيشاور على باب القصر:
— “انتي من دلوقتي مش أمي.

وانا عمري ما هسامحك .”
زينات بدأت تعيط وتصوت وتترجاه، بس جاسر سابها و مشي ولف وطلع يجري على أوضة هاجر، فتح الباب بقوة ولقاها واقفة مرعوبة وضامة سليم. جاسر جرب خدها في حــ,,ـــــضنه، وبدأ يبوس إيدها وهو بيبكي بمرارة:
— “سامحيني يا هاجر.. أنا كنت أعمى، كنت غبي! الحقيقة ظهرت، وعرفت قد أيه أنتي اتظلــ,,ـــــمتي عشان تحمي ابني مننا كلنا.. ارجعيلي يا هاجر، ارجعيلي وبلاش تعاقبيني بظلــ,,ـــــم غيري.”

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى