لطالما آلمتها كلمــ,,ـات سميرة وتعنيفها الدائم لأتفه الأسباب، لكن الآن لم تُبالِ كثيرًا؛ لأنها عرفت السبب وراء ذلك. لهذا تحدثت معها بتلك النبرة اللامبالية:
ــ ما تقولي في إيه بدل ما انتي عمالة تنوحي كده؟ أنا تعبانة ومش حمل ضغط عصبي زيادة.
رفعت سميرة حاجبها باستهجان وقالت بسخــ,,ـرية:
ــ يا عيني! تعبانة ومش ناقصة ضغط عصبي! تصدقي صعبتي عليّا؟ طب خدي بقى الخبر الحلو ده يمكن يخلص عليكِ وأرتاح منك ومن قرفك. الست كاميليا هانم جت تحت، دخلت من باب الفيلا وإيدها في إيد حبيب القلب، وكأنهم راجعين من شهر العسل! لا، وإيه…
ياريت على قد كده، دي جاية فاردة قلوعها على الآخر والبيه بيسند لها، وعاملي فيها حامي الحمى! خلاني أنا سميرة أعتذر للجربوعة دي وآكل في المطبخ مع الخدامين!
قالت كلمــ,,ـاتها الأخيرة بصراخ لتُصدم نيفين مما سمعته، لكن صدمتها لم تدم طويلًا؛ إذ شعرت بالشمــ,,ـاتة في تلك المرأة، فها هي نالت الإذلال على يد أكثر شخص تكرهه في هذه الحياة…
لاحظت سميرة نظرات ابنتها الغامضة التي ظهر فيها لمحة من الشمــ,,ـاتة، فهبت من مكانها قائلة بغضــ,,ـب:
ــ ساكتة يعني؟ إيه! مش زعلانة على أمك واللي اتعمل فيها من بنت زهرة؟!
ــ لا طبعًا زعلانة، بس بحاول أستوعب اللي حصل، وإيه اللي غيّر يوسف من ناحيتها كده؟
تحدثت نيفين محاولة أن تبدو متأثرة بما حدث، على عكس إحساسها الداخلي بالشمــ,,ـاتة. لكن ليس من الصائب أن تخسر تلك المرأة في هذا الوقت تحديدًا، فهي تحتاجها للتخلص من وجود كاميليا في هذا القصر، لذا تابعت بلهجة حاولت أن تُضفي عليها الغضــ,,ـب:
ــ تفتكري قالت له إيه الزبالة دي خلّته نسي كل حاجة ورجع لها كده؟
ما إن نطقت هذه الكلمــ,,ـات حتى وصلت إلى مبتغاها في تشتيت نظرات سميرة الثاقبة لها، لتنفعال الأخيرة قائلة بقهر:
ــ أنا عارفة عملت له إيه بنت زهرة خلّته قلب مية وتمانين درجة كده! دي ولا كأنها ساحرة له! طالعة حيّة زي أمها، بتعرف تبلف الرجالة وتضحك عليهم!
أنهت كلمــ,,ـاتها موجهة نظرات محتقرة لابنتها ثم تابعت بغيظ:
ــ واحدة ذكية، مش طالعة غبية زيك، ما بتعرفش تعمل أي حاجة!
تحدثت نيفين بسخــ,,ـرية:
ــ قصدك طالعة حلوة لأمها وذكية برضه لأمها… كل واحدة طالعة لأمها يا ماما. وده مش ذنبي إنك إنتِ أمي!
جحظت عينا سميرة وهي تسمع كلام نيفين، لتندفع نحوها ممسكة بخصلات شعرها، تجرّها بعنــ,,ـف تجلى في نبرتها حين قالت:
ــ تقصدي إيه يا بت إنتِ؟! تقصدي إنك طالعة وحشة وغبية لأمك! ده إنتِ نُكرة وزبالة، ومن غيري مالكيش أي لازمة ولا وجود، فاهمة!
تحدثت نيفين من بين دموعها، محاولة تخليص نفسها من يد والدتها:
ــ كويس إنك فهمتي قصدي. ولو عايزة تعرفي مين فينا الغبي، افتكري كده اللي حصل زمان بينك وبين زهرة… هتلاقي إنها هي اللي فازت، وإنتِ اللي خسرْتي. هي عاشت مع واحد بيحبها ومــ,,ـاتت واندفــ,,ـنت معاه، وإنتِ عشتي عمرك كله مع واحد مش طايق يبص في وشك. يبقى مين فيكوا اللي انتصر على التاني؟ مين فيكوا اللي ذكي يا سميرة هانم؟!
ــ اخرسي…!
تحدثت سميرة بغل بعد أن رفعت كفها وهوت به على خد نيفين في صفعة مدوّية، فقد خطت بحديثها إلى حقل ألغام جراحها التي أبت أن تندمل بعد مرور كل تلك السنوات، بل كانت تزيد وقود اشتعالها وحقدها على تلك اليتيمة. ومهما فعلت معها، لم تخمد نيرانها أبدًا…
ــ لا، مش هسكت. وافتكري إن وجودك في البيت ده مربوط بيا… يعني لو قلت لجدي أو لبابا إني مش عايزاكِ هنا، في ثواني هتلاقي نفسك في الشارع!
تحدثت نيفين بغيظ وقهر كتمته لسنوات، لتتفاجأ سميرة من لهجتها وتهديدها الصريح، فتقول باستهجان:
ــ إنتِ بتهدديني يا نيفين؟!
ــ آه، بهددك.
وإيّاك… إيّاك تفكري تقللي مني تاني، ولا تمدي إيدك عليّا، ولا تقوليلي كلمة ما تعجبنيش.
ــ بتأكدي على كلامك كمان؟ هي دي آخرتها؟! بعد ما اتحملت عمايل أبوكي فيّا كل السنين دي عشان خاطرك، تيجي تقوليلي كده!
تشدقت نيفين ساخرة:
ــ الله يباركلك! بلاش أفلام هندي وجمايل مالهاش وجود من أساسه. إنتِ ما مشيتيش وتحملتي عمايل بابا فيكِ غير عشان مالكيش مكان غير هنا… وعشان ما تقدريش تتخلي عن فلوس وعز ونفوذ عيلة الحسيني. وكان عندك استعداد تتحملي قد اللي اتحملتيه عشر مرات بس ما تمشيش من هنا. وكل اللي فات ده أنا بس اللي أقدر أضمنهولك…
عشان كده اتحملتي زي ما بتقولي.
شعرت سميرة وكأن دلوا من الماء قد انسكب فوق رأسها؛ فمن تقف أمامها ليست تلك الطفلة التي ربتها وأوهمت الجميع أنها ابنتها.
هل يمكن أن تكون تشبهها إلى هذا الحد؟!
خرج من بين شفتيها استفهام هامس:
ــ تقصدي إيه…؟
ــ أقصد إن مصلحتنا واحدة، وهنفضل أم وبنتها حلوين كده لحد ما نمشي بنت زهرة من القصر ونغورها من حياتنا خالص… وأنا أتجوز يوسف وأبقى الهانم هنا ومرات كبير العيلة، وطبعًا إنتِ أكيد هينوبك من الحب جانب… هتقدري تأمري وتنهي في القصر براحتك من غير ما حد يقولك تلت التلاتة كام.
ــ وهتعملي ده إزاي بقى؟
نيفين بغموض:
ــ هتشوفي… وهتعرفي مين فينا اللي ذكي ومين اللي غبي… يا ماما!
قالت الأخيرة بسخــ,,ـرية لم تخفَ على سميرة، التي لوهلة ظنت أن نيفين قد علمت حقيقة هويتها، لكنها نفت هذا الظن من رأسها تمامًا؛ فلا أحد يعلم هذا الموضوع سوى هي وشخص آخر.
قاطع حديثهما طرقٌ على الباب، فالتفت كلٌّ منهما لمعرفة الطارق، والذي لم يكن سوى يوسف، الذي وجَّه نظراتٍ مُحتقرة إلى سميرة، ثم تجاهلها لينظر إلى نيفين التي كانت تتطلّع إليه بذهول؛ فهو لم يدخل غرفتها أبدًا، وما فاجأها أكثر هو سؤاله عن حالها:
ــ عاملة إيه دلوقتي؟
أجابت نيفين بصوت حاولت أن تُضفي عليه الضعف والانكسار:
ــ الحمد لله، بخير.
وجَّه يوسف أنظاره إلى سميرة التي كانت تنظر إليه بترقّب وحذر من أي ردّة فعل قد تصـ,,ـدر منه، فهي لم تنسَ مظهره المرعب وهو غاضب في الأسفل. ثم تحدث إليها بنبرة آمرة محتقرة:
ــ بينادوا عليكِ في المطبخ تحت عشان ميعاد العشا…
اغتاظت كثيرًا من نبرته ومغزى كلمــ,,ـاته، لكنها آثرت الصمت خوفًا من عواقب قد تجعلها في موقف أسوأ لاحقًا، فالتفتت إلى ابنتها قائلة:
ــ أنا هنزل تحت أخلّيهم يجهّزوا لك العشا ويجيبوه لك هنا… عن إذنكم.
وما إن خرجت من باب الغرفة حتى أحنت نيفين رأسها متظاهرة بأنها تجفف عبراتها، لينظر إليها يوسف بغموض قبل أن يقطع ذلك الصمت المحيط بهما قائلاً بلهجة حاول أن تكون ودودة بعض الشيء:
ــ اقعدي يا نيفين، خلينا نتكلم مع بعض شوية…
طاوعته نيفين دون أن تتفوّه بكلمة واحدة، ليقطع صمتهما مرة أخرى قائلاً بجفاء:
ــ أولًا ألف سلامة عليكِ، أنا عرفت إنك كنتِ تعبانة وأنا مسافر.
أجابته هامسة:
ــ الله يسلمك.
زفر يوسف حانقًا؛ فهو يعلم أن كل ذلك الحزن والانكسار ليس من طبيعتها، فقال بنبرة حادة بعض الشيء:
ــ نيفين، ياريت ترفعي راسك وتعلّي صوتك شوية. ولو باللي بتعمليه ده عايزة تبيّني إنك زعلانة عشان اللي حصل لسميرة، فهي أخدت أقل من اللي تستحقه كمان.
رفعت نيفين رأسها بحدّة، وقد لمعت عيناها بوميض من الغضــ,,ـب، قائلة بصوت يُنافي تمامًا رقتها منذ لحظات:
ــ لا، هفرح وأنا شايفة أمي بتتهزّق وبتتذلّ وبتاكل مع الخدامين في المطبخ عشان ست كاميليا تتبسط!
لونت السخــ,,ـرية معالمه ولهجته حين قال:
ــ أيوة كده… خلي صوتك يطلع.
ثم تابع بلهجة حادة بعض الشيء:
ــ وبعدين كاميليا دي مراتي، ومش هسمح لحد أبدًا إنه يضايقها أو يهينها طول ما أنا عايش. وسميرة غلطت فيها.
ــ إيه عرفك؟! مش يمكن كاميليا هي اللي استفزتها؟ ماما مش هتغلط فيها من الباب للطاقة كده!
تابع يوسف بلهجة ساخرة:
ــ لا، والشهادة لله… ممتِك مش غلطانة خالص!
انمحت السخــ,,ـرية من ملامحه وتبدلت إلى أخرى حادة تشبه لهجته حين قال:
ــ أنا مش جايلِك عشان أناقش اللي حصل تحت. ده موضوع واتقفل. ومن هنا ورايح، أي حد هيغلط في كاميليا هيدفع التمن غالي أوي، وده شيء غير قابل لأي جدال.
قاطعته نيفين غاضبة:
ــ وياترى يا يوسف لو كاميليا هي اللي غلطت في حد، هيكون ده موقفك؟ هتجيب له حقه منها؟ ولا هتقول: “مرات يوسف الحسيني ما بتغلطش” وتقف في ضهرها برضه؟!
أجابها يوسف بفظاظة:
ــ أنا عمري ما كنت ظالم، والغلط عندي ما فيهوش تهاون. ولو كاميليا غلطت، هكون أول واحد يعاقبها. وياريت نقفل على الموضوع ده ومش عايز أسمع فيه حرف تاني.
اهتزت لنبرة الغضــ,,ـب في صوته، فآثرت أن ترتدي ثوب الضعف حتى لا تُضيّع تلك اللحظات الذهبية بينهما؛ فلأول مرة يجلس معها في مكان واحد ويتحدثان. بالعادة كان يتجاهلها ولا يحاول حتى النظر إليها. فقالت بنبرة خافتة:
ــ حاضر يا يوسف… اللي تشوفه.
زفر حانقًا؛ فهو لا يبغي مناقشة حامية، بل يريد السلام حتى يصل إلى مبتغاه معها، فحاول أن يخفّف من حدة نبرته قليلًا وقال:
ــ إحنا طول عمرنا عايشين في بيت واحد، بس عمرنا ما قعدنا مع بعض واتكلمنا. يمكن عشان أنا طول الوقت مشغول ومش موجود، يمكن عشان فرق السن… أياً كانت الأسباب. بس أنا عايزك تعرفي إنك زيك زي روفــ,,ـان عندي بالظبط.
ما إن قال جملته الأخيرة حتى طالعته عيناها بحدّة جعلته يسبّ بداخله؛ فهو لن يستطيع استمالتها بالطريقة التي يريد أبدًا. لتقطع عليه حبل أفكاره قائلة بحدّة:
ــ عايز توصل لإيه بكلامك ده يا يوسف؟
تحدث يوسف بلهجة جافة:
ــ عايزك تكسبيني صديق… مش عايز أكون عدوّك أبدًا، عشان صدقيني هتندمي.
ــ إنت بتهددني؟!
ــ أكيد لا. أنا بحاول أوجّهك للصح… بحاول أرسيك على برّ أمان. مش عايزك تخسري يا نيفين.
تحدثت نيفين بحزن نابع من أعماقها:
ــ أنا طول عمري خسرانة يا يوسف…
ــ عشان بتختاري غلط.
ــ إيه الغلط في إني عايزة أحس إن عيلتي بتحبني؟!
تحدثت نيفين بغضــ,,ـب ممزوج بدموعها، ليجيبها يوسف بعقلانية:
ــ أسلوبك هو اللي غلط. وبعدين مين قالك إن عيلتك ما بتحبكيش؟
كلنا حواليكِ، وإنتِ غالية عند الكل. إنتِ اللي بتسمعي من ناحية واحدة! حاولي تقلعي النظارة اللي كلها كسور وشروخ دي، وشوفي الناس بعينيك إنتِ.
لم يتلقَّ من إجابة سوى نظرات مستفهمة، فتعاظم حنقه وقرّر إنهاء تلك المحــ,,ـادثة الثقيلة على قلبه كثيرًا، فتابع قائلًا بجفاء:
ــ فكّري في كلامي، واعرفي إن كلنا جنبك وحواليك. ولو احتجتيني في أي وقت… بابي مفتوح لك.
أنهى كلمــ,,ـاته وسار متجهًا إلى باب الغرفة حتى استوقفه سؤالها المباغت:
ــ طب… وباب قلبك يا يوسف؟ مش ممكن يتفتح لي أبدًا؟
تنهد يوسف ونظر إليها مطوّلًا قبل أن يقول بنبرة حاسمة:
ــ قلبي اتفتح مرة من سنين، واتقفل على صاحبته خلاص… ومش هيتفتح تاني لحد.
صرخت قائلة بلوعة، والدموع تجري على خديها:
ــ لا… هينفع لو اديت له واديت لنفسك فرصة! القلب ما بيتفتحش غير بأمر من صاحبه يا يوسف!
قال يوسف بنبرة جليدية:
ــ المشكلة يا نيفين إن القلب وصاحبه ما يملِكوش في نفسهم حاجة…!
أنهى كلمــ,,ـاته ثم انصرف، تاركًا إياها تكاد تنفجر من شدة الغضــ,,ـب والقهر والحزن معًا، لتضفو نــ,,ـارًا فوق نــ,,ـارها من تلك التي ســ,,ـرقت ذلك الفارس ووضعت ختم ملكيتها على قلبه إلى الأبد.
فهو، للمرة التي لا تعرف عددها، يرفضها من أجل تلك الكاميليا. لكنها أبت أن تستسلم، وقررت أن تلك المحــ,,ـادثة لم تنتهِ بعد، ولن تنتهي إلا بالنهاية التي تريدها هي. لذا اندفعت خلفه عازمة على إخباره بكل ما تحمل جعبتها من أسرار، لترى إن ظل ثابتًا على موقفه هذا أم سيغيّره!
★★★★★★★★
ما إن دلف إلى غرفته وخلع معطفه حتى فوجئ بتلك الشعلة الغاضبة تقتحم غرفته من دون أي استئذان، وهاله بريق عينيها المتوهج بفعل الغضــ,,ـب، لتقوم بإغلاق الباب خلفها قائلة بصوت مُختنق:
_ إحنا لازم نتكلم!
يتبع….
الوجه الثالث و العشرون للعشــ,,ـق
لا أرى في الحياة شيء أكثر جمالًا من أن يجد الإنسان نفسه في المكان الذي خُلِق لأجله، برفقة قلب يخشى عليه من نسمــ,,ـات الهواء، فمهما عصفت بهم رياح الأقدار، يظل ذاك القلب أمانًا، و ستراً وملاذًا.نورهان العشري
دلف إلى غرفته وهو يشعر بأنّه يحمل جبالًا من الهموم على عاتقه؛ فمن جهةٍ جَدّه الذي يعلم أنّه لم ينسق خلف أوامره إلّا مُجبرًا، وهو لأوّل مرّة في حياته يستغلّ شدةَ تعلّقه به، لكنّه كان مُجبرًا أيضًا على كسر شوكة تلك الحيّة، وهذه ليست سوى البداية!
ومن جهةٍ أخرى عَمّه مراد؛ فهو يعلم أنّه يكره تلك المرأة كثيرًا، وما يجعله يتحمّل وجودها هو نيفين ابنته الوحيدة، ولن يلومه على هذا، فهي لا ذنب لها سوى أنّها ابنة أسوأ امرأة على وجه الأرض.
فكيف يمكنه التخلّص من تلك المرأة دون أن يؤذي عمه وابنته؟
وكيف يعيد السلام مرّةً أخرى إلى هذا المنزل؟ إنّه ممزّق بين عائلته وقلبه؛ فأكثر ما يتمناه الجميع أن يُخالف هوى قلبه، وأكثر ما يتمناه هو أن يجمع شملهم جميعًا ويسعد مع المرأة الوحيدة التي يُحبّ، والتي ما إن يُذكَر اسمها حتّى يشعر بدقات قلبه تتقاذف بعنــ,,ـفٍ يوشك على الفتك بصـ,,ـدره.
فجمرة اشتياقه لها ما زالت مُشتعلة، بل وتزداد أكثر فأكثر، فمهما اغترف من عشــ,,ـقها لا يشبع ولا يملّ أبدًا.
لكن، بقدر ذلك العشــ,,ـق، تحــ,,ـرقه نيرانه، وكأنّ حبّها هو الخطيئة التي أقسمت الحياة أن تجعله يدفع ثمنها في كل لحظة تمرّ من عمره!
بُعدها يــ,,ـه، وقربها يحــ,,ـرقه؛
فها هي تفصله عنها سنتيمترات بسيطة، لكنّه لا يستطيع الذهاب إليها والارتماء بين جنبات عشــ,,ـقها، وهو الشيء الوحيد الذي يهدّئه الآن.
فقد استردّ أنفاسه عندما عادت مرّةً أخرى إلى منزله، أمّا الآن فيشعر بالاختناق؛ فوجودها معه في المكان نفسه ولكن في غرفةٍ منفصلة عنه يــ,,ـه، لكن عليه أوّلًا أن يجعلها تثق به، وأن تتعلّم مواجهة أزمــ,,ـاتها بدلًا من الهروب منها.
فهو أبدًا لن يحتمل أن يستيقظ يومًا على فاجعة رحيلها مجددًا، فقلبه لن يتحمّل تكرار تلك المعاناة من جديد.
قاطع شروده هذا الدخولُ العاصف لتلك الجنيّة الغاضبة ذات الخصلات الحريريّة الصفراء، بعينيها المتوهّجتين من الغضــ,,ـب، لتبدو كشمسٍ حارقة أضفت دفئًا لذيذًا على عالمه، لكنّه استوقفته تلك النبرة المختنقة في صوتها حين قالت:
_ إحنا لازم نتكلم.
لم تستطع أن تُسيطر على براكين غيرتها التي ثارت عندما رأته خارجًا من غرفة نيفين، فاندفعت الدماء إلى رأسها ضاربةً بعرض الحائط كلَّ العادات والتقاليد، ولم تشعر بنفسها إلّا وهي تقتحم غرفته بعد أن عدّت للعشرة حتى تُسيطر على أنهار العبرات المتجمّعة في مقلتيها.
لتجد نفسها وجهًا لوجه معه، فاجتاحت جسدها رجفةٌ قويّة عندما لم يقم بأي ردّ فعلٍ سوى نظرات غامضة ألقاها عليها، وهي لا تُدرك مقدار سعادته بوجودها الآن معه؛
حتى إنّه لم يستطع التفوّه بحرف، وقد نسي غضــ,,ـبه منها وقسمه بأن يروّضها ويجعلها تدرك فداحة خطئها كي لا تُعيده مرّة أخرى، بل قاده قلبه إليها بخطوات ثابتة على عكس لهفته العارمة لنيل قربها والارتشاف من عشــ,,ـقها الذي يُعذّبه ويقضّ مضجعه.
وإن كانت السماء قد أرسلتها إليه في تلك اللحظة، فهو حتمًا لا ينوي أن يضيّع فرصته أبدًا…
وجدت نفسها محتجَزة بين قضبان عشــ,,ـقه التي التفّت حولها في احتواءٍ ساحق سلب منها حتى أنفاسها، ليُكلّل ذلك الاحتواء ببتلات الورد التي نثرها فوق تقاسيمها وبين ضفّتي كريزيتها، فضاع تعقّلها وكلّ ثباتها حتى إنّها لم تدرِ كيف عمّقت من اقترابهما، تُحيط بشهبها الدافئ رقبته لتُضفي رونقًا على قربهما، وكأنّها تُخبره بأنّ روحها تتوقّف على هذا القرب.
لم تنتبه لتلك الطاولة التي سقطت وتلك المزهرية التي تحطّمت، وكأنّ جميع الأصوات اختفت من حولهما، فلم يصل إلى مسامعهما سوى همسات العشــ,,ـق المنبعثة من قلوب أضناها البُعد.
استغرق الأمر دقائق حتى استجاب كلٌّ منهما لرجاءٍ صامت لرئتين أوشكتا على الهلاك.
أسند يوسف جبهته فوق جبهتها وصـ,,ـدره يعلو ويهبط من فرط الاشتعال، وأنفاسه الموقدة تُوازي ضجيج صـ,,ـدره المحترق بنيران العشــ,,ـق الذي روى خديها فأنبت زهرًا مُشعًا، مما جعله يقطف ثماره بتروٍّ ويغرسها بين بطينانه، فهو مكانها الصحيح ولن يقبل أبدًا أن تنشقّ عنه بعد الآن.
وقد كانت تُشاطره الرأي قولًا وفعلًا، فبادلته القرب بأقرب، حتى شعر بأنّ الأرض لم تعد تحمله من فرط السعادة، ليقول بصوتٍ أجش:
_ عرفتي منين إنك وحشتيني؟ أجابته كاميليا بنبرةٍ خافتة ذات وقعٍ مُثير:
_ يمكن عشان إنت كمان وحشتني! أنهت كلمــ,,ـاتها تزامنًا مع انهمار شلال المطر من عينيها، فأحــ,,ـرق صـ,,ـدره ليحوي وجعها بين كفوفه، ويلفّ ضماد كلمــ,,ـاته فوق جراحها النازفة:
_ ليه الدموع دي؟ لم تُفصح عن جراحها، واكتفت بإعلان شوقها صراحةً:
_ قولتلك وحشتني.
لكنها خفضت رأسها خوفًا من أن تُعري عينيها عمق وجعها الذي صداه كان مؤلمًا بحق، فهمس بهسيسٍ خشن:
_ إيه اللي واجعك يا كاميليا؟ _ قلبي يا يوسف… قلبي واجعني أوي. غافلتها الكلمــ,,ـات وانبثقت من بين شفتيها على هيئة جمراتٍ حارقة فوق طيّات قلبه المُلغم بالآلام والذكريات المضنية، لكنّه لم يجد سوى احتوائها قائلًا بحنو:
_ سلامة قلبك يا روح قلبي. همست بحــ,,ـرقة منبعها جوفها المُشتعل:
_ جواه نــ,,ـار قايدة ومش راضية تنطفي.
شدّد يوسف من احتوائه لها، فكيف لا يعلم بنــ,,ـارها وقد أحــ,,ـرقته قبلها؟
إنّه يعلم مقدار غيرتها، لكنّه لا ينبغي أن يكون أنانيًا بعد الآن؛ يجب أن يعيدها إلى رشدها ويضع الأمور في نصــ,,ـابها الصحيح كي يُعاد ترميم هذا المنزل من جديد.
أخذ يربّت على ظهرها بحنان قائلًا بصوته العذب:
_ وأنا رُحت فين من كل ده! اندفعت بنبرةٍ محرورة:
_ إنت اللي ولّعتها يا يوسف، وده اللي واجعني أكتر… إنك كنت قاصد ده.
رفعت رأسها تطالعه بعينين تبلور فيهما العتاب والألم الذي انعكس على نبرته حين قال:
_ «نا ما قصدتش أوجعك… أنا بس قصدت أفكّرك باللي كنتِ عايزاني أعمله… إني أعيش حياتي و… قاطعته بوضع أصــ,,ـابعها أمام شفتيه لتمنعه من الاسترسال في هذا الحديث وتذكيرها بذنبها العظيم، وهي تقول بِلَوعة ناتجة عن احتراقٍ داخلي هائل:
_ ما تكملش… أوعى تكمل أرجوك. أنا لو كنت أطول أقطع إيدي اللي كتبت كده كنت قطعتها والله العظيم. تلهّفت نبرته حين قال وهو يستند بجبهته على خاصتها:
_ أوعي تقولي كده تاني.
_ لا، هقول يا يوسف، وإنت لازم تسمع. لم يستطع مقاومة إغواء الحديث معها والنظر إليها عن قرب بعدما ذاق لوعَة فراقها، وقد راقه كثيرًا ذلك التحدّي الذي لوّن نبرتها:
_ قولي اللي جواكِ… سامعك. تجاهلت ضجيج قلبها أمام عينيه اللتين تشملانها بعشــ,,ـقٍ لم تخطئ في فهمه، لكنها حاولت الثبات قدر الإمكان وهي تقول:
_ لو كنت مفكر إنك كده بتربيني وبتتأكد إني اتعلمت من الدرس، فأنت اتأخرت أوي. أنا اتعلمت الدرس من أول لحظة مشيت فيها وسِبتك هنا وأنا سايبة روحي معاك.
تحشرج صوتها وهي تُضيف:
_ اتعلمت الدرس في كل ثانية اتمنيت بس ألمح طيفك حواليا عشان أحس بالأمان، بس كنت بفتكر إني أنا اللي ضيعتك من إيدي. في كل لحظة كنت بتجنن من شوقي ليك، كنت بندم وأتمنى إني أكون في كابوس وأصحى منه ألاقي نفسي جنبك. حاولت كظم وجعها بشتى الطرق وهي تقول:
_ مش إنت اللي هتعلمني الدرس… قلبي هو اللي علّمهولي.
رفعت رأسها وهي تُناظره بعنــ,,ـفوان امرأة صنعت من رماد حطامها جدارًا تتكئ عليه:
_ لكن لو فاكر إن كاميليا هتقدر تكسرها واحدة تانية، وخصوصًا لو كانت الواحدة دي نيفين، فأنت غلطان… وغلطان أوي كمان. عشان قلبي اللي جابني لحد عندك دلوقتي يشتكي لك منك، هو برضو اللي هياخدني من إيدي ويقولي المكان ده مش مكاننا.