Uncategorized

للعشــ,,ـق وجوة كثيرة نورهان العشري 8

لم تفلح في إخماد لوعتها وهي تقول:
_ اتعصب، زعق، كسر، اضــ,,ـرب حتى لو ده هيريحك ويخليك تتأكد إني فعلًا اتعلمت من غلطي، بس أوعى توجع قلبي كده تاني. أنهت كلمــ,,ـاتها لاهثة، فهي تعلم أنّها قد تمادت كثيرًا معه، لكنها حتمًا لن تحتمل تلك النيران وآثارها على قلبها الذي اسودّت معالمه جراء هذا الجحيم الذي تحياه. وكعادته، فاجأها حين قال بجفاء:
_ الإيد اللي تتمد عليكِ هقطعها يا كاميليا… حتى لو كانت إيدي.

لن تُنكر أنّ كلمــ,,ـاته كان لها وقع الغيث على قلبها، الذي اهتزّت أوصاله من فرط المشاعر التي أثارها بها، لكنها لن تتراجع حتى تضمن أنّ طريقهما لم يكن فيه طرفٌ ثالث.
لذا قالت بلهجةٍ جافّة:
_ «يعني إيه؟ مفهمتش برضو… إيه ردّك على كلامي؟». زفر وجعه وحيرته في آنٍ واحد وهو يقول بغلظة:
_ ما عنديش رد يا كاميليا. بس في نفس الوقت جوايا غضــ,,ـب كبير مش هيهدى غير بيكي… لكن….

قطعت الخطوات الفاصلة بينهما بلهفةٍ تناثرت من عينيها ولهجتها حين قالت:
_ من غير لكن. زي ما غلطت هصلح غلطتي، وهكون قد ثقتك فيا المرة دي والله. مش هسمح لحاجة ولا حد يخوفني، بس أرجوك سيبني أداوي الجرح اللي اتسببت فيه. ضاع تردّده أمام لوعتها ورجائها:
_ سيب نفسك ليا وأنا هضيع الغضــ,,ـب ده كله… الله يخليك، إدي قلوبنا فرصة تانية. رفع إحدى حاجبيه وقال مستنكرًا:
_ تانية…! هتفت بحدّة:
_ عاشرة يا يوسف… إيه؟ ما نستحقش؟!

لم يجد منها إجابة، لتتابع قائلة بلوعةٍ أحــ,,ـرقت قلبه:
_ أرجوك طمني… أنا طول الوقت خايفة ومرعوبة من فكرة إنك تعاقبني وتبعد عني… طول الوقت عايزة أترمي بين حدود قلبك عشان عارفة إن ده الوقت الوحيد اللي قلبي هيأمن فيه من عقابك. ذرفت لوعتها في تلك الكلمــ,,ـات المُلتاعة:
_ طول الوقت بدعي قلبك وقلبي يشفعوا لي عندك. لكن أنا بجد خايفة، وخوفي منك أكبر من أي خوف في الدنيا. أنا عارفة إنك عمرك ما بتسامح، ومش سهل أبدًا تنسى، بس أنا طول عمري بالنسبالك استثناء.

همست بلوعة: _ صح؟ صح يا يوسف؟ قالت جملتها الأخيرة بنبرة أشبه بالتوسّل، وكانت نظرات عينيها يائسة، وكأن حياتها بأكملها متوقفة على إجابته لسؤالها. وظلت للحظات أسيرة نظراته الغامضة التي استطاعت ببراعة إخفاء ذلك الصراع الدائر بداخله بين قلبه العاشق لها وعقله الرافض لوجودها، وكلاهما يملك الحق. كان ممزقًا بينهما، يعلم أنه تنازل كثيرًا لأجلها، ودائمًا ما تغلبه نوبات اشتياقه لها فيتجاهل تحذيرات عقله، ويضــ,,ـرب عرض الحائط بكل القرارات التي يأخذها في غيابها. وما إن تشرق شمسها على قلبه يصبح كالمسحور أمامها، فيتحول صـ,,ـدره إلى بركانٍ مُشتعل من شدة لهفته إلى قربها.

همّ بإنهاء ذلك الصراع المرير على طريقته، علّه يستطيع أن يمحو تلك النظرات الحزينة من عينيها، ليتفاجأ باقتحام نيفين لغرفته. اصطدمت بوجود كاميليا داخلها، ولم تكن أقل صدمةً منها، لتتفاجأ بدخولها هكذا بلا أي استئذان، وهو الشيء الذي كان من رابع المستحيلات سابقًا. تمزقت أوتار قلب كاميليا الذي بدا وكأن قــ,,ـبضة قوية تعتصره، خاصةً عندما لم يصلها أي ردّ منه، لتشعر بوجوب انسحابها، وإذ بنيفين تُباغتها بذلك الاستفهام الأهوج الذي أشعرها ولأول مرة بأنها دخيلة على حياته:

_ ممكن أعرف أنتِ بتعملي إيه هنا؟ لملمت شتات نفسها بصعوبة، وقالت بصوت حاولت أن يبدو واثقًا، رافعةً رأسها بكبرياء بعد أن طالعتها نيفين بنظرة قاسية: _ اللي بعمله هنا ما يخصكيش يا نيفين، وعموماً أنا خلصت اللي كنت جاية عشانه وكنت هخرج. وما إن همّت بالتحرّك حتى تفاجأت بقــ,,ـبضةٍ قوية أوقفتها، جاذبةً إياها لتصبح على مقربةٍ كبيرةٍ منه. ولم يكتفِ بذلك، بل التف قيد عشــ,,ـقه حولها لتستشعر دفء حناياه يغمرها، وكأنه بتلك الفعلة محا من قلبها كل تلك الجروح التي أوشكت أن تــ,,ـها ألمًا.

فقد كانت غافلة عن أن حزنها هو أكثر ما يــ,,ـه، وأنه لم يسمح لأحد قط بالتجرؤ عليها، وبأن مكانتها بينهم كزوجته لن يتم التعدي عليها أبدًا. وأخيرًا جاءت لهجته قاسية باردة كالصقيع: _ في حاجة يا نيفين؟ كانت تغلي في مراجل من رؤية غريمتها بجانبه بتلك الطريقة، وقد أعمتها الغيرة. فبعد كل ما فعلته لإزاحتها من طريقها، تأتي مرةً أخرى وكأن شيئًا لم يكن! فصاحت مغلولة:
_ عايزة أعرف هي بتعمل إيه في أوضتك يا يوسف؟

رفع يوسف إحدى حاجبيه وقال بلهجة ساخرة: _ مش ملاحظة إن سؤالك غريب شوية! يعني في حد يسأل واحدة بتعمل إيه في أوضة جوزها؟ إن كانت قبل لحظات غاضبة، فبعد إجابته هذه أصبحت مشتعلة كالجحيم، لتزداد ثورتها وعلوّ صوتها وهي تقول باستنكار: _ بعد كل اللي حصل يا يوسف، وبتقول مراتك؟! قاطعها بصرامة ونظرات قاسية: _ نيفين… الزمي حدودك وأوعي تتخطيها. اللي بيني وبينها محدش له فيه. ازدادت قتامة نظراته، وشابهتها لهجته حين قال: _ ومــ,,ـاتقلقيش، قريب أوي هكشف كل اللي حصل وأسبابه قدام الناس كلها، فمــ,,ـاتستعجليش.

أصــ,,ـابتها كلمــ,,ـاته في الصميم. فهل كان يهددها الآن؟ هل أخبرته كاميليا بما فعلته والدتها؟؟
نفى عقلها تمامًا تلك التساؤلات؛ فإن كان قد علم بشيء لن يصمت ولو ثانية، بل كان سيقيم القيامة فوق رؤوسهم. إذن، فتلك الحيّة قد استخدمت سحرها عليه مرة أخرى… قاطع سيل أفكارها سؤاله لها، خاصةً عندما تحدث بتلك النبرة وكأن صبره عليها قد نفد ولم يعد يحتمل وجودها كحاجز بينه وبين غريمتها: _ مش هتقولي كنتِ عايزة إيه برضه؟ ولا هنقعد طول الليل نبص لبعض هنا؟

_ أبدًا يا يوسف، كنت جاية عشان نكمل كلامنا..! استنكر بجفاء: _ كلامنا! إحنا كلامنا خلص خلاص، وأنا قلتلك اللي عندي. وأظن إنك دلوقتي اتأكدتِ إن كلامنا خلص. لم تؤلمها كلمــ,,ـاته ولا نظراته، ولا تشبثه بغريمتها بتلك الطريقة، وإنما أكثر ما آلمها تلك النظرة المُنتصرة في عيني كاميليا، والتي جعلتها تقسم داخليًا أنها لن تجعلها تستمر طويلاً. فكل ما استطاعت فعله هو إيماءة بسيطة من رأسها متبوعة بكلمــ,,ـات واهية، ثم اندفعت خارج الغرفة كالبرق. وما إن خرجت نيفين من الغرفة حتى فوجئ يوسف بتلك الشعلة النــ,,ـارية تمسك بمقدمة قميصه وهي في حالة غضــ,,ـبٍ جنوني قائلة:

_ بص، أنا هادية وعاقلة أهو. عايزاك بقى أنت كمان تبقى عاقل كده، وتقول بالحرف الواحد إيه الكلام اللي حصل بينك وبين البِت دي؟ عشان ماولعش في البيت ده حريــ,,ـقة.

لو لم يكن يدرك علميًا أنه خطأ، لظنّ أن قلبه قد انسلّ من بين ضلوعه محلّقًا في السماء من فرط السعادة بتلك الغيرة الجنونية التي تملكتها. لكنه قاوم بشق الأنفس فكرة أن يُريها الآن مدى عشــ,,ـقه لها، خوفًا من عدم قدرته على التحكم بمشاعره. فاكتفى باحتوائها حتى لم تعد قدماها تلامسان الأرض، ثم تقدم إلى باب الغرفة وفتحه، ووضعها خارجه بعد أن غرس زهرة عشــ,,ـقه على جانب وجهها الأيمن، ليقول بفظاظة تُنافي روعة ما تحمله كلمــ,,ـاته:

_ مش لازم كل حاجة تعرفيها. ويلا، قدامك عشر دقايق بالكتير عشان تجهزي لمعاد العشا. عايز أنزل ألاقيكِ تحت، وإياكِ تتأخري. لم تستوعب ما يحدث، وحين أوشكت على الحديث فجّر بارود عشــ,,ـقه في تلك الجملة البسيطة: _ يا أحلى استثناء في حياتي. أنهى كلمــ,,ـاته ثم أغلق الباب خلفها، ودقات قلبه تقرع كالطبول؛ فتلك المجنونة التي امتلكت قلبه قادرة على إشعاله كليًا بهذه المشاعر القوية التي تثيرها فيه، والمقاومة مُهلكة حتى الألم، فلا يعود يعلم أي سلطةٍ تملكها تلك المرأة على قلبه لتجعله أمامها مغيَّبًا، لا يشعر بشيء سوى بأنها منه وتنتمي إليه.

★★★★★★★ لقاءٌ عابر واحد قد يقلب حياتك رأسًا على عقب، و يُزلزل أعماقك حتى تشعر أنّ ما مضى من عمرك لم يكن سوى ظلال حياة، وأن ميلادك الحقيقي لم يبدأ إلّا منذ تلك اللحظة. لحظةٌ تتسلّل إليك بلا موعد، تُعيد ترتيب فوضاك، وتوقظ في قلبك ما كنت تظنه قد مــ,,ـات، فتفتح أمام روحك أبوابًا من الدهشة، وتجعلك ترى العالم كما لو أنك تولد من جديد
نورهان العشري بعد مرور عدّة أيّام، كانت تدور في غرفتها كالفراشة الحائرة، لا تدري ما الذي عليها أن تفعله لتُهدِّئ قليلًا من ذلك الشوق الذي يحــ,,ـرقها منذ آخر لقاءٍ بينهما.

فلا تزال تذكر جيّدًا كيف كانت نظراته إليها؛ فقد كانت تشعر وكأن عينيه تُغمرانها، وكأن ضلوعه تحتويها رغم عدم اقترابه منها. كانت تشعر وكأن هناك مغناطيسًا يجذبهما إلى بعضهما. حاولت كثيرًا ألّا تفكّر به، لكن عبثًا؛ فما إن تحاول طرده من مُخيّلتها وتلجأ إلى النوم حتى يأتيها في الحلم فارسًا على حصانه الأبيض يختطفها كما يختطف الأمير محبوبته.

تعلم في قرارة نفسها أنّ هناك الكثير من العقبات أمامهما، لكن ما حيلتها أمام قلبٍ هام به عشــ,,ـقًا من أوّل لقاء، رغم رفضها لتلك المشاعر، خاصّةً أنّه لم يتخذ خطوة واحدة تجاهها. ومع ذلك، تجد نفسها مجبرة على التفكير به كلّ دقيقة، حتى أنّها في بعض الأحيان كانت تتشاجر معه في عقلها كي يتركها طيفه وشأنها… قاطع شرودها صوت رنين هاتفها، فالتقطته لتشعر وكأن تيارًا كهربائيًا صعقها عندما وجدت أنّ المتصل لم يكن سوى ذلك الفارس المطبوع اسمه على جدران قلبها.

ازدادت وتيرة أنفاسها وارتجافة يدها وهي تضغط على زرّ الرد، لتضع الهاتف على أذنها وتجيب بنبرة مهزوزة:
– آلو… أتاها ذلك الصوت الذي اشتاقت إليه بشدّة، فرقص قلبها طربًا لسماعه حتى ظنّت أنّ صوت دقّاته قد وصل إليه. ولم تكن تدري شيئًا عن معاناته؛ فقد حاول طويلًا أن يتجاهل اشتياقه لها ورغبته الملحّة في محــ,,ـادثتها. فهو رجل غير معتاد على اللهو والعبث، وخصوصًا أنّ بينهما علاقة أسريّة، فآثر أن يتأكّد من حقيقة مشاعره نحوها قبل أن يتخذ أيّ خطوة، كي لا يندم لاحقًا.

أخذ يقاوم ضجيج قلبه الذي كان يتوسّله أن يروي ظمأ اشتياقه، لكنّه كان يردعه بشدّة، إلى أن فاض به الأمر وقرّر في لحظة جنونيّة أن يهاتفها بحجّة الاطمئنان على ابنة خالته. وسرعان ما اتصل بها، ليأتيه صوتها العذب الذي جعل ذلك الساكن على يساره يرتجف من شدّة الشوق. – إزيك يا روفــ,,ـان؟ قالها علي بنبرته الجذّابة التي يتخلّلها الثبات فيضفي عليه مزيدًا من الجاذبيّة. حاولت أن تبدو لهجتها ثابتة مثله حين قالت:
– الحمد لله، بخير. إزيك إنت يا سيادة الرائد؟

– بخير ما دمتِ بخير… قالها علي بصدق، فكونها بخير يجعله يشعر بأنّه على ما يرام حتى لو لم يكن كذلك. تلعثمت من حديثه وتضاعف ارتباكها، فجاءت نبرتها مرتجفة:
– يارب دايمًا. صمتٌ دام ثوانٍ، كسره علي زافرًا وكأنّه كان في معركة أنهكته، ليقول بنبرة عميقة:
– وحشتيني! باغتتها كلمته حتى شعرت أنّ قلبها قفز من بين ضلوعها من شدّة انتفاضته، فتسارعت أنفاسها وجفّ حلقها. أيُّ شعور هذا الذي جعلها تحلّق في السماء السابعة من مجرّد كلمة؟

وجدت صعوبة في إخراج صوتها، فصمتت خوفًا من أن تخبره بأنّها تمــ,,ـوت شوقًا إليه، لتأتيها نبرته التي يشوبها بعض القلق من صمتها:
– روفــ,,ـان… إنتِ لسه معايا؟ – معاك… أجابته هامسة، فبادرها بلهفة:
– ليه ما بتردّيش عليّ؟ – ينفع أسألك سؤال؟ هكذا همست، فقابلها بمزاح:
– ينفع تسألي اللي إنتِ عايزاه من غير ما تستأذني. تحدثت بلهفة ولهجة حوت بعض العتب:
– إنت ليه مشيت كده على طول من غير حتى ما تسلِّم عليّ… قصدي علينا؟

اتسعت ابتسامته، فقد كشفت تلك الصغيرة عن اشتياقها له بذلك السؤال الذي يفضح براءتها وقلّة خبرتها، ليجيبها بلهجة صادقة:
– غصب عني والله. كان نفسي أسلِّم عليكِ أوي قبل ما أمشي، بس حصلت ظروف اضطرتني أسافر بسرعة. هتفت بلهفة وبنبرة طفوليّة راقت له كثيرًا:
– ومــ,,ـاتصلتش بيا ليه من وقت ما مشيت؟ ما إن أنهت جملتها حتى شعرت بمدى خطئها في البوح بافتقادها له، فحاولت تصحيح عبارتها سريعًا:
– أقصد يعني… ما اتصلتش تطمّن على كاميليا ليه؟ هي مش برضه بنت خالتك؟

ابتسم هذه المرة ابتسامة واسعة على هفوتها المحبّبة إليه، ليشاكسها قائلًا:
– ما اتصلتش على كاميليا لأني بعرف أخبارها كل يوم من ماما والبنات… وما اتصلتش عليكِ لأني ما بحبّش آخد خطوة غير وأنا متأكد منها. – واتأكدت؟ – وإلا ما كنتش اتصلت. ما إن ختم كلمــ,,ـاته حتى أتاه صوت كارما من الخارج قائلة:
– يلا يا لول… الناس جت تحت، تعالى عشان تفتح لهم. شعرت روفــ,,ـان بالحرج فقالت بلهفة:
– طب… شكلك مشغول، أسيبك بقى لضيوفك.

انت في الصفحة 4 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى