Uncategorized

للعشــ,,ـق وجوة كثيرة نورهان العشري 9

بادله مراد العناق بقوة، وكأنه يشكو له من هذا الألم الماثل فوق قلبه، فتدحرج الألم من بين شفاهه حين قال:
_ “متضيعش حياتك زي عمك يا يوسف… خلي بالك من كاميليا. صدقني يا ابني، مفيش حاجة في الدنيا ممكن تعوض الراجل عن واحدة بيحبها… ارمي كل حاجة ورا ضهرك وعيش معاها… متأمنش أبدًا للأيام.”
أنهى مراد كلمــ,,ـاته مع نزول الدموع كالشلال من عيناه، وقام بانتزاع نفسه من بين ذراعي يوسف متوجهًا للخارج، ليجد يوسف نفسه متجهًا للأعلى نحو غرفتها، فلن ينوي أبدًا أن يضيع دقيقة واحدة بالابتعاد عنها.

دلف إلى الغرفة ليجد روفــ,,ـان جالسة على الأريكة تلهو بهاتفها، بينما كاميليا مستلقية على سريرها تحتضن الصغير حتى نام بحضـ,,ـنها، وهي تلهو بخصلات شعره. بدا أنها كانت شاردة، فلم تلحظ خروج روفــ,,ـان، لكنها انتفضت عندما لامستها يده تمسح دمعة هاربة من عيناها، لتعتدل جالسة. فقام ببسط كفه أمامها ليأخذها إلى الشرفة، قبل أن يقول باستفهام يشوبه الحزن:
“عَيط كتير؟”
كاميليا بأسى:
_ “أكيد، وخصوصًا أنه مع ناس غريبة عنه وأول مرة يشوفهم. مقادموش حاجة غير العياط.”
اقترب منها ليعيد توازن تلك الخصلة الهاربة خلف أذنيها، قبل أن يتحدث بنبرة ذات مغزى:

_ “بس الناس دي مش غريبة عنه يا كاميليا… دول أهله!”
اختلط الشجن بالأسى في نبرتها حين قالت:
_ “حتى لو كانوا أهله، بس هو عايز مَمته… بيقول بقاله كتير مشفهاش.”
تحدث يوسف بنبرة تشوبها بعض المرح ليخرجها من هذا الحزن المخيم عليها:
_ “ياااه… ده انتوا بقيتوا أصحاب وبتاخدوا وتدوا مع بعض… دانا هبتدي أغير!”
لم تفلح كلمــ,,ـاته في انتزاع رنة الحزن في صوتها ولا كفكفة عبراتها، حين قالت:
_ “يمكن عشان يتيم زيي ففهمنا بعض.”
احتواها بين قضبان عشــ,,ـقه، وهو يقول بنبرة جافة يشوبها الحزن:
_ “أوعي تقولي الكلمة دي تاني…

لما أمــ,,ـوت يا كاميليا ابقي قولي على نفسك يتيمة. لكن طول ما أنا عايش، أنا كل حاجة ليكِ وأنتِ كل حاجة ليا.”
رقت لهجته حين أردف قائلًا:
_ “أنتِ بنتي وحبيبتي ومراتي وصاحبتي وكل حاجة ليا في الدنيا.”
تقطعت أوصال ثباتها جراء كلمــ,,ـاته، التي بقدر روعتها إلا أنها أيقظت جروحها الغائرة، فانخرطت في نوبة بكاء حادة كان صداها يتردد في صـ,,ـدره، الذي احتوى ألمها بكل ما يمتلك من قوة، وكأنه يريد إدخالها بين ضلوعه ليواسي وجعها الذي كان أقسى وأعنــ,,ـف من أن يخفف منه شيء.

دام الوضع عدة دقائق حتى هدأت نوبة بكائها، لتهمس باسم يوسف بين دموعها:
_ “يوسف…”
_ “حقك عليا… أوعدك اللي حصل تحت دا مش هيتكرر تاني، ولا هسمح لأي حاجة في الدنيا توجعك أبدًا.”
انسابت الحروف من بين شفاهها بعذوبة:
_ “بحبك أوي يا يوسف.”
غمرها بعشــ,,ـقه الضاري، الذي ترجمته شفاهه حين قال بصوت أجش:
_ “ويوسف يعشــ,,ـقك يا كاميليا.”
صمت لثوانٍ، تاركًا العنان لأنامله أن تنقش ألحان الهوى على ملامحها، بينما عزفت شفاهه سيمفونية عن العشــ,,ـق رائعة:

_ “تعرفي إني مبضعفش قدام حاجة في الدنيا غير دموعك دي، ومفيش حاجة تقدر توقفني أو تخَلّيني أرجع عن قرار أخدته غير نظرة من عنيكِ.”
توسع بؤبؤ عيناها من جمال كلمــ,,ـاته، وشعرت بأنها قد خُلقت لها جناحان لتحلق بهما في سماء العشــ,,ـق، فلم تستطع سوى النطق باسمه غير مصدقة لكل ذلك الحب المرتسم بعينيه، والذي ترجمته كلمــ,,ـاته الأكثر من رائعة:

_ “أجمل حاجة حصلتلي في حياتي هي إني عشــ,,ـقتك، وعمري ما هضيع لحظة بعيد.”
أنهى جملته مبرهنًا على عشــ,,ـقه لها بالأفعال، فقام بسجــ,,ـنها بين جنبات عشــ,,ـقه كأنها كنز ثمين يخاف من فقدانه، وأخذ ينثر ورود الهوى فوق ملامحها كأنه يمجد كل إنشٍ فيها.
★★★★★★★
مهما كان الليل طويلًا، لابد من نهار يتبعه، لتشرق الشمس بنورها على تلك القلوب التي أضناها الفراق ولوعة الاشتياق، وقلوب أخرى تخشى الفقد. والحقيقة أن لكل قلب قصة مختلفة، فهناك من يتألم لغدر الحبيب، كغرام التي لم تذق طعم النوم منذ البارحة، وكلمــ,,ـاتهم ما زال طنينها في أذنيها.

تشعر بأن قلبها قد شُطِر إلى نصفين: نصف يُعاتبها على هجرها له، والآخر يلومها على هجرها لروحها التي تركتها معه منذ أن غادر البارحة. برغم عذابها وجرحها منه، إلا أنها ودت في تلك اللحظة لو ترتمي بين جنبات صـ,,ـدره، تشكو له جرحًا كان هو المتسبب به، وتشكو له وجعًا بات مزمنًا، ولا شيء في هذه الحياة قادر على مداواته.
فرت دمعة حارة من عينيها بعدما ذرفت أنهارًا البارحة، فمسحتها بطرف يدها وقررت أن هذا هو قدرها، وأن الحزن قد رسخ جذوره في قلبها، وبات انفصاله عنها أمرًا مُستحيلًا.
أيقظها من حزنها دخول كارما الغرفة بابتسامتها الخلابة وحنانها المعهود.

فما أن اقتربت منها حتى عانقتها مقبلة مقدمة رأسها، قائلة بحنو:
_ “إيه يا حبيبتي، عاملة إيه دلوقتي؟”
أجابتها غرام بوهن:
_ “الحمد لله.”
_ “نمتي كويس؟”
أجابتها بأسى:
_ “منمتش خالص.”
كارما بحزن على حالها:
_ “وبعدين يا غرام؟ هتفضلي معذبة نفسك كده كتير؟”
غرام بتعب تبلور في عينيها ولون تقاسيم وجهها:
_ “وأنا في إيدي إيه يا كارما؟ إذا كان العذاب انكتب عليا!”
كارما بتشجيع:

_ “في إيدك إنك تفوقي لنفسك يا غرام وما تسيبيش الحزن يطفيك كده، وبعدين دا كان قرارك، محدش غصبك عليه.”
تنهدت غرام قائلة بحزن:
_ “عندك حق.”
هبّت كارما من مكانها وهي تقول بحماس:
_ “اتفضلي قومي اغسلي وشك وتلت دقائق وألاقيكِ لابسة ومتشيكة، عشان خارجين ورانا مشوار مهم.”
قطبت غرام ما بين عينيها قائلة:
_ “مشوار إيه يا كارما، الساعة سبعة الصبح ده؟!”
_ “ولا حاجة يا ستي… عزماكي على الفطار، وهنلفلف شويه نغير مود النكد ده. ولا عايزة ماما تصحي تلاقيكِ عاملة كده؟”
تاففت غرام وقالت بملل:

_ “كارما مش قادرة… أنا هنام شويه، اخرجي إنتِ.”
كارما بصرامة:
_ “مفيش الكلام ده… قومي يالا، وإلا هصحيلك ماما تتفاهم معاكِ.”
أنهت كارما حديثها، وهي تجذب غرام من فوق السرير لتدخلها إلى الحمام عنوة وسط تذمرها، لكنها قد عقدت العزم على الترفيه عنها قليلًا وعدم تركها للحزن والمعاناة.
بعد وقت قليل، ترجلت الفتاتان من باب المصعد وتوجها إلى سيارة كارما، لتتفاجأا بأن إحدى إطارات السيارة مثقوبة. لتلعن كارما حظها العاثر، فهي لا طاقة لها بهذا العمل الشاق. فتوجهت غرام تجاهها وحــ,,ـادثتها بنفاذ صبر:
_ “بصي، هي الخروجة دي بايظة من أولها أصلًا. تعالي نطلع…

مش طالبة مرمطه وهدت حيل عالصبح.”
همت كارما بالرد عليها، لكنها تفاجأت بسيارة سوداء تقف بالقرب منهما. لترجل منها رجال مُلثمون قاموا بتكبيل كارما ومحاولة اختطافها، ومن ثم وضعوا منديل مخدر على أنفها لتقع مغشيًا عليها. بينما غرام تحاول الدفاع عن شقيقتها، اشتبكت مع إحداهن حتى استطاعت أن تكشف الغطاء عن وجهه، لتجحظ عيناها من الصدمة، فنهرها أحد الرجال الآخرين، قائلاً في عجل:
_ “الله يخربيتك… دي شافت وشك؟ هاتها هنا جنب أختها بسرعة!”
ليقوم الآخر بتنفيذ أوامره واستغلال صدمتها ليكممها بالمنديل المخدر لتفقد وعيها في الحال، ثم انطلقت السيارة إلى مكان مجهول.
يتبع….

الوجه الخامس و العشرون للعشــ,,ـق
أعظم انتصارٍ قد يحقّقه الإنسان في حياته، أن يتجاوز أشخاصًا كانوا كالإدمان بالنسبة له، فبات يتنفس وجودهم، و يُصيبه الاختناق في غيابهم. أولئك الذين كان يظن أن الحياة بدونهم لا تُطاق، فإذا به يكتشف أنه يستطيع أن يحيا بل و يذدهر دون الحاجة إلى وجودهم.
أن يصل إلى لحظة لا يرتجف فيها قلبه عند ذكر أسمائهم، ولا تهتز روحه لذكراهم، حينها ينال حريته الحقيقية. فكم من خسارةٍ يظن الإنسان في بدايتها أنها وجعًا، فإذا بها تُصبح أعظم انتصار لنفس تعلمت أخيرًا كيف تختار السلام على التعلق.

نورهان العشري
كان علي يُلملم أغراضه استعدادًا للعودة إلى المنزل عقب انتهاء نوبتجيّته، فاستوقفه رنين هاتفه، فوجد المتصل مازن، فأجابه بمرح كعادته:
_ خير، اللهم اجعله خير، شُفتني في الحلم ولا إيه؟
شاطره مازن المزاح قائلًا:
_ يا عم تُف من بُقّك! دي أشكال أحلم بيها برضو!
_ أومال متصل بيا الساعة تمانية الصبح ليه يا خفيف؟
قال مازن بتهكم:
_ والله لولا الحاجة ما كنت هتصل عليك ولا عبرتك، بس يالا، لأجل الورد يتسقي العليق.
أجابه علي بوعيد:
_ ورد!

أُمممم… طب إيه رأيك بقى إنك لا هتطول الورد ده ولا هتشم ريحته، ولا حتى في حلمك!
اندفع مازن بلهفة:
_ حبيبي يا علُوّة، ده أنا بهزر معاك والله! أنت بقيت قفوش ليه كده؟ حبيبك أنا.
قهقه علي قائلًا بتشفٍّ:
_ أيوه كده، اتعدّل بدل ما أعدّلك يا بتاع الورد إنت.
_ مقبولة منك يا أبو نسب. طب بخصوص الورد بقى… وردتي حبيبتي أخبارها إيه؟ برنّ عليها، فونها مقفول، فاضطريت أرنّ عليك عشان أطمن عليها.
أجابه علي بجهل:
_ معرفش، أنا كان عندي نوبتجية ولسه هروّح أهوه، حتى غرام تليفونها مقفول برضو.

قاطع حديثهما ذلك الشاب في عمر المراهقة، الذي كان يهرول قادمًا تجاه علي وهو يصيح:
_ يا علي بيه! يا علي بيه! الحقني يا علي بيه!
_ في إيه يا سيد؟
تحدث الشاب سيد، لاهثًا، وهو ابن البوّاب الخاص ببنايتهم:
_ الست كارما والست غرام كانوا خارجين من شوية، ولقيت ناس راكبين عربية سودا نزلوا خطفوهم وركّبوهم العربية ومشيوا!
ذُعِر علي من حديث ذلك الشاب، فصاح بانفعال:
_ أنت بتقول إيه؟! ناس مين دول؟! وعملوا إيه في إخواتي؟!
قال سيد لاهثًا:

_ ناس مغطّيين وشّهم، وشدّوا الست كارما والست غرام وركّبوهم العربية بالعافية، بعد ما حطّوا حاجة على مناخيرهم دوّختهم، وأنا أول ما شوفت كده طلعت أجري أخبط على باب الشقة بتاعتكم، محدّش رد، قُمت نازل جري على هنا عشان أبلغك.
انخلع قلب ذلك الذي كان على الهاتف، فصرخ قائلًا بهلع:
_ إيه اللي أنا سمعته ده يا علي؟! كارما جرالها إيه؟!
أجابه علي، وقد بهتت ملامحه، وللحظة شعر بالضياع:
_ مش عارف يا مازن، سيد بيقول شاف ناس ملثّمين بيخطفوا كارما وغرام وبيركّبوهم عربية غصب عنهم.

شعر مازن بقــ,,ـبضة قوية تعتصر قلبه، حتى إن أنفاسه أوشكت على الانقطاع، وسقط الهاتف من يده، فلم يلمح ذلك الذي دخل غرفته وهو يقول صائحًا بحماس:
_ مازن! أنا عرفت هصالح غرام إزاي!
صُدم أدهم، وتبدلت ملامحه من الحماس إلى الخوف وهو يشاهد حال مازن المزرية، بدموعه المتساقطة على خديه ونظراته الضائعة، فدنا منه بخطوات سلحفائية وسأله بتمهل خوفًا من إجابته:
_ مالك يا مازن؟ في إيه؟
أجابه مازن بلهجة مرتعبة:
_ كارما وغرام اتخطفوا…
******************
إن لم تكن وطني فلماذا أشعر بالغربه كلما ابتعدت عنك.

أخذت كاميليا تنظر إلى هذا الملاك النائم بجانب روفــ,,ـان في مخدعها، منكمشًا على نفسه وكأنه يشعر بمدى برودة هذا القصر حتى في منتصف آب، فمرّرت يدها على ملامحه الجميلة، فهي تشعر نحوه بنوعٍ من الألفة لم تعهدها من قبل، لكنها رجّحت ذلك لتشابه ظروف كليهما.

فهي طوال الليل تحتضنه، تحاول أن تبثّه الحنان الذي يفتقده منذ زمن، فقد تعرّضت لمثل هذا الموقف عند رحيل والديها، فكل ما كانت تحتاجه حينها هو عناق يبثّ الدفء والطمأنينة في أوصالها، والحقيقة أن يوسف كان ذلك الصـ,,ـدر الحنون الذي امتصّ جميع أحزانها، وحاول مداواة جروحها، وكان دائمًا الحصن المنيع الذي احتمت به من شرور هذا العالم.
أخرجها من شرودها تململ الصغير بين يديها تمهيدًا لاستيقاظه، فرسمت ابتسامة عذبة على وجهها قائلة بحنان:
_ صباح السكر على أحلى زين في الدنيا.
أجابها الصغير بخجل بعد أن استيقظ تمامًا:
_ ثباح الخيل.

_ ها بقى يا بطل، قولي نِمت كويس؟
_ الحمد لله.
قالها الصغير بحزنٍ ارتجف له قلب كاميليا، فاحتضنته بحبٍّ سكبته حروفها حين قالت:
_ إيه يا حبيبي، مالك زعلان ليه؟
_ مَمتي كانت دايمًا تسألني السؤال ده لما أصحى من النوم.
شعرت كاميليا بوخزات الحزن تنغز في قلبها، وتساقط الدمع من بين عينيها تأثرًا وشفقة على ذلك الصغير، فقامت بتقبيل جبهته قائلة بحنان:
_ مش إحنا قولنا إن ماما سافرت عند ربنا، وإنها في مكان جميل أوي دلوقتي؟
زمَّ شفتيه الجميلتين محاولًا منع نفسه من البكاء، فجاءت كلمــ,,ـاته متقطعة وهو يقول:

_ بس… أنا… عايزها… وحشتني… أوي.
قالت كاميليا بحنوّ:
_ بص، هنتفق اتفاق. بما إن أنا مَمتي كمان عند ربنا، فهقولك أنا بعمل إيه لما توحشني.
لما ماما توحشك أوي، بصّ للسما وقول: “ربنا يرحمك يا ماما”، وبعدين اقعد احكيلها واتكلم معاها، هي سمعاك وشيفاك وحاسّة بيك.
قال زين بلهفة:
_ بجد يا كامي؟ يعني مامي سمعاني وشيفاني دلوقتي؟
_ بجد يا روح كامي، وتقدر تقولها كل اللي نفسك فيه.
هبّ الطفل ملهوفًا من مخدعه وهو يقول:
_ طب أوعي كده بقى.

توجّه إلى الشرفة وقال ببراءة وهو يلوّح بيديه ناظرًا نحو السماء:
_ مامي، ربنا يرحمك. وحشتيني. أنا عايز أقولك إني جيت مع بابي في قصر كبير أوي، وفيه ناس كتير شكلهم يخوّف وبيزعقوا، وشكلهم مش بيحبوني.
بس كامي وروفي بيحبوني وبيتلعبوا معايا. متخافيش عليّا، أنا راجل زي ما كنتي بتقوليلي، ومش هعيّط.
عاندته العبرات وتناثرت على وجنتيه الجميلتين قبل أن يُتابع بحزن:
_ إنتِ وحشتيني أوي يا مامي، ونفسي أحضـ,,ـنك مرة واحدة بس، عشان إنتِ سافرتي من غير ما أعرِف، وملحقتش أحضـ,,ـنك.

انفطر قلب كاميليا لمشهد ذلك الطفل الذي جسّد معاناتها عند رحيل والديها، فقد كانت تأتي ليالٍ تتمنى لو أنها استطاعت أن تعانقهما ولو لمرة واحدة قبل رحيلهما.
فأخذت العبرات تنهمر بغزارة على وجنتيها دون أن تكون لها القدرة على إيقافها، لتتفاجأ بتلك اليدين اللتين احتوتاها من الخلف، فعرفت هوية صاحبهما على الفور، فألقت برأسها إلى الخلف ليحتوي كتفه وجعها، فلطالما كان هو حصنها المنيع الذي تتكئ عليه في كل حروبها وأزمــ,,ـاتها.

أشار يوسف بعينيه إلى روفــ,,ـان التي استيقظت وشاهدت ما يحدث، فترقرقت العبرات في مقلتيها حزنًا على هذين اليتيمين، إلى أن أشار إليها يوسف بأن تأخذ الصغير إلى الخارج حتى لا يرى حالة الانهيار التي تعيشها حبيبته.
فما إن خرجت روفــ,,ـان بصحبة الطفل، حتى تحدثت كاميليا قائلة بنبرة تتضور وجعًا:
_ أنا حاسة بيه أوي، أنا شفت اللي هو شافه ده، وجربت اللي هو جربه.
شهقة متألمة انبعثت من جوفها قبل أن تُتابع بلهجة مشجوبة:

_ أنا وقفت زيه كده بالضبط، واتمنيت نفس الأمنية دي، كان نفسي بس في حضـ,,ـن منهم قبل ما يسيبوني ويمشوا، كنت عايزة أشم ريحتهم لآخر مرة.
تعانق الألم بالحرمان في قلبها، فانسابت الحروف مذبوحة من بين شفتيها:
_ أنا عايشة الوجع ده لحد دلوقتي، ولسه نفس الأمنية دي جوايا يا يوسف، ومهما عدّت السنين هفضل أتمناها، هفضل أتمناها لحد ما أروح لهم.
تعاظم أنينها وهي تنعي أمنية كانت ولا زالت مستحيلة:
_ عارف لما تبقى أمنيتك الوحيدة في الحياة مستحيلة، وإنت عارف ده، بس مش قادر تبطّل تتمناها؟

فما أسوأ الرحيل الذي يأتي بغتة دون أن يترك لك الوقت لعناقٍ واحدٍ أخير، فتظل واقفًا عند هذه اللحظة عمرًا بأكمله، تردد عبارة: “يا ليت الزمان يعود يومًا”.
قالت كلمتها الأخيرة تزامنًا مع سقوطها بين يديه، ليقوم باحتوائها وإدارتها لتكون في مواجهته، وهو يضم وجعها إلى صـ,,ـدره المُحتقن ألمًا عليها، هامسًا بقهرٍ نابعٍ من قلّة حيلته:
_ يا ريت لو كنت أقدر أرجّع الزمن لورا… يا ريت لو أقدر أحققلك أمنيتك دي.
صمت لثوانٍ قبل أن يُضيف بلوعة حارقة:

_ يا ريت لو أقدر أشيل الحزن اللي جواكِ ده كله وأحطه في قلبي، ومتتألميش لحظة واحدة يا كاميليا.
تمسّكت به كاميليا بكل ما أوتيت من ضعف، بينما توسلته شفاهها قائلة:
_ خليك جنبي… أرجوك خليك جنبي يا يوسف، إنت الحاجة الوحيدة اللي بتخفّف وجعي وبتهوّن عليّ كل حاجة.
أجابها يوسف بلهجة تقطر عشــ,,ـقًا:
_ أنا جنبك غصب عنك، جنبك لآخر يوم في عمري وعمرك يا كاميليا. مش هسيبك أبدًا، عمري ما أقدر أعيش بعيد عنك، عشان أنا معنديش حياة من غيرك… حياتي بدأت لما دخلتيها.

شدّت من تشبّثها به مع تلك الرجفة القوية التي اعتَرتها وهي تقول بوهن:
_ خايفة أوي يا يوسف، خايفة عليه وعلينا… حاسة إن اللي جاي صعب أوي.
أفلتها لينظر إلى عينيها قائلًا بقوةٍ وحسم:
_ اللي جاي، مهما كان صعب، هيعدّي طول ما إحنا مع بعض.
مفيش حد بيحارب لوحده، وطول ما إنتِ خايفة كده عمرك ما هتنتصري في حربك.
لازم تكوني من جواك قوية، والقوة دي مش هتيجي غير لما توصلي لبرّ الأمان وتلاقي نفسك واقفة على أرض صلبة.
اشتدت لهجته وهو يتمهّل في الحديث، قاصدًا إدخال كلمــ,,ـاته إلى عقلها:

_ وده هيحصل لما تعرفي إنتِ مع مين، وممكن يعمل عشانك إيه.
وأوعي عدوّك يحس بخوفك، لأن ده أول سلاح هيستخدمه ضدك.
همست بنشيجٍ واهن:
_ غصب عني يا يوسف… التيار كان أقوى مني.
قال يوسف بقوة:
_ إنتِ مختبرتيش قوتك يا كاميليا عشان تقولي كده.
أنا مربّيتكيش تبقي ضعيفة، وإنتِ أساسًا مش كده.
إنتِ بس استسهلتي الهزيمة، ولما اكتويتي بنــ,,ـار البعد ندمتي.
ثم تبدلت لهجته إلى أخرى تحمل الكثير بين طياتها:
_ وعشان كده أنا سامحتك، بس مش كل مرة هيكون عندي طاقة أسامح.

الهجر ده مُر، وإنتِ دوقتيهولي مرة قبل كده، ومش هقدر على مرارته تاني.
قاطعته بلهفة وقد مست كلمــ,,ـاته كل جزءٍ من كيانها:
_ ولا أنا هقدر على مرارته تاني يا يوسف، صدقني.
_ عارف، عشان كده بقولك وهفضل أقولك: أنا في ضهرك ومعاكِ، حبي محاوطك من كل ناحية… أوعي تخافي.
عبرت كلمــ,,ـات الهوى جسور شفتيها بعذوبة:
_ أنا بحبك أوي يا يوسف، وبحب حبك ليا، وبحب الأمان اللي عمري ما حسيته غير وأنا هنا.

قالتها ثم وضعت رأسها فوق ذلك الذي يدق بجنونٍ من فرط المشاعر التي عصفت به جراء حديثها الذي رمّم تلك الشروخ التي خلّفها رحيلها عنه، فقام بنثر عشــ,,ـقه فوق خصلاتها قبل أن يقول بصوتٍ أجش:
_ الحب ده للناس العادية، إنما أنا عاشقِك يا كاميليا.
قاطع لحظتهم الجميلة صوت روفــ,,ـان المستغيث القادم من الأسفل، فهرول كلاهما لمعرفة ما حدث، فوجدوا سميرة تحاول أن تنتزع الطفل من يد روفــ,,ـان وهي تصيح مغلولة:
_ هاتي الولد ده، لازم أرميه برّه! على جــ,,ـثتي يفضل في البيت ده أكتر من كده!
_ أوعي! حرام عليكِ! سيبي الولد! يا أبيه يوسف!

يا ماما! يا جدي!
تدخل يوسف الذي استشاط غضــ,,ـبًا من تبجّح تلك المرأة، وقال بغضــ,,ـبٍ عارم:
_ إنتِ بتعملي إيه؟! إنتِ اتجننتي؟! سيبي الولد!
نزع الطفل من يد روفــ,,ـان، ونظراته الشرسة تشمل سميرة التي تجمّدت في مكانها لحظة، لكنها سرعان ما استعادت قوتها لتردّ له نظراته بأخرى كارهة وهي تصيح بعُنف:
_ ابن ضرّتي لا يمكن يقعد معايا في نفس البيت يا يوسف!
قال يوسف مصححًا كلمــ,,ـاتها بغلظة:
_ ما اسموش ابن ضرّتك! اسمه زين مراد الحسيني!
يعني ابن الحسيني، وده بيته، ودول أهله.

لو في حد مالوش مكان في البيت ده يبقى إنتِ، ولو مش عاجبك اتفضّلي اخرجي برّه!
_ أنا لسه ممُتّش يا يوسف عشان تطرد مرات عمك من البيت!

انت في الصفحة 2 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى