Uncategorized

للعشــ,,ـق وجوة كثيرة نورهان العشري 9

كان هذا صوت رحيم الذي خرج من غرفته إثر كلمــ,,ـات يوسف لسميرة، ليجيبه يوسف بحدّة:
_ لا، أسيبها تطرد حفيدك برّه البيت وأقف أتفرّج؟ مش كده يا جدي!
صُدم رحيم من حديث يوسف ووجّه أنظاره الغاضبة إلى سميرة قائلًا باستنكار:
_ الكلام ده حقيقي يا سميرة؟ عايزة تطردي حفيدي من بيته؟
ارتدت تلك الأفعى ثوب الضعف وقالت بدموع التماسيح:
_ مش قادرة يا عمي أشوف ابن ضرّتي عايش معايا في نفس البيت وأسكت… مش قادرة.
انفعل رحيم من حديثها وقال بغضــ,,ـب:
_ تبقي اتجننتي يا سميرة… اتجننتي!

قاطعه يوسف الذي سئم ذلك الحديث وقرّر إنهاءه على طريقته، فقال بلهجة لا تقبل النقاش:
_ خلاصة الكلام يا جدي: القصر ده قصر ولاد الحسيني، وعمره ما هيتقفل في وشّ حد فيهم، واللي مش عاجبه الباب يفوّت جمل… ومش عايز ولا كلمة زيادة.
ألقى كلمــ,,ـاته ثم انصرف إلى غرفة مكتبه صافعًا الباب خلفه.
*********************
تململت كارما في نومتها، فلم تستطع الحَراك، كانت تشعر بالألم في جميع أطرافها، وبصعوبة بالغة فتحت عينيها لتتفقد المكان حولها، فتفاجأت بتلك الغرفة البالية، وتلك القيود الملتفّة حول قدميها وأخرى حول يديها.

عادت إليها ذاكرتها لذلك الصباح حين هاجمها أولئك الملثمون هي وشقيقتها، فاقشعر بدنها وبدأت ترتجف خوفًا حين لم تجد غرام بجانبها، وأخذت العبرات تنهمر من مقلتيها، حتى ظلت لساعات على هذه الحال، إلى أن قام أحدهم بفتح باب الغرفة، فأصـ,,ـدر صريرًا جعل الرعب يأكل أحشاءها من الداخل.
رفعت عينيها بذعر لتنظر إلى ذلك الغريب الذي بدت هيئته مألوفة لديها، لكن القناع كان يمنعها من رؤية ملامحه بوضوح.
تفاجأت به يجذب أحد المقاعد ويضعه أمامها، جالسًا قبالتها يتفحصها بهدوء مُثير للأعصــ,,ـاب، بينما نظراته تبث الرعب في أوصالها.

ظل على هذه الحال لثوانٍ لكنها مرت كساعات على تلك التي ترتجف رعبًا، حتى صار الوضع يفوق احتمالها فصرخت قائلة:
_ إنت مين؟ وخطفتونا ليه؟
لم تتلقَّ أي إجابة منه، وكأنها لم تحــ,,ـادثه من الأساس، فلم يبدُ عليه أنه سمعها، إذ ظلت نظراته ثابتة لم تهتزّ أبدًا.
لم تستطع الحديث مجددًا، فقد شعرت بأن صوتها اختفى وتمكّن منها الرعب، فظلت تناظره بخوف شديد مع تساقط عبراتها، لكن شيئًا ما في عينيه لفت انتباهها؛ فقد طالعتها تلك النظرات من قبل، هكذا أخبرها حدسها، لكن ذاكرتها في تلك اللحظة لم تسعفها.

مر بعض الوقت، ثم تحرك الغريب من مكانه وولاها ظهره خارجًا من الغرفة دون أن يتفوه بحرف، فازدادت عبراتها هطولًا وخوفها أكثر فأكثر…
ولأن القلوب دائمًا ما تشعر بمن يستوطنها، فقد انتقل شعورها بالألم والخوف إلى ذلك الذي كان يهرول كالمجنون يبحث عنها في كل مكان، يشعر بانشقاق روحه عنها لغيابها.

فبعد معرفته بما أصــ,,ـابها تملكته حالة من الصدمة الممزوجة بالألم، ولم يفق إلا على غضــ,,ـب أدهم، الذي ما إن سمع ما حدث حتى صار كالمجنون، يشعر وكأن عقابه على فعلته الدنيئة معها لم ينتهِ بعد، بل شعر أن ما مضى لم يكن شيئًا مقارنةً بما يشعر به الآن بعد علمه باختطافها، فالأمر أشبه بمفارقة الروح الجسد.
صاح كالمجنون قائلًا:
_ إنت بتقول إيه يا مازن؟
لم يتلقَّ أي إجابة من صديقه الذي ما زال تحت تأثير الصدمة، فهزّه بعنــ,,ـف صارخًا:
_ رد عليا! حصلهم إيه؟
خرج مازن من صدمته ثم قال بلهفة ممزوجة بالألم:

_ كنت بكلم علي، وفجأة سمعت صوت حد بيقوله: «الحق كارما وغرام، اتنين ملثمين خدروهم وركبوهم عربية غصب عنهم وخدوهم وجريوا».
وكأنه تلقّى رصاصة استقرت في منتصف قلبه، فصار يدور حول نفسه ضائعًا:
_ لا يا رب! مش معقول تكون بتعاقبني العقاب ده! أنا مقدرش أعيش من غيرها لحظة واحدة…
تساقط القهر من عينيه قبل أن يخرج صوته غاضبًا حد تمزق أوتاره:
_ أنا هقلب إسكندرية عليها واطيها لحد ما ألاقيهم!
اختتم كلامه ثم نظر إلى مازن، الذي كانت بهوت ملامحه ونظراته الضائعة تشيران إلى مدى صدمته، فحاول أدهم طمأنته قائلًا:

_ هيرجعوا يا مازن، إن شاء الله هيرجعوا، مش هنسيبهم يضيعوا مننا أبدًا.
همس مازن بحــ,,ـرقة:
_ أنا مرعوب يا أدهم، حاسس إن روحي رايحة مني… كارما في خطر وأنا هنا متكتّف مش عارف أعمل إيه.
قال أدهم بعنــ,,ـفوان:
_ مينفعش تستسلم كده يا مازن، ولازم تتغلب على شعور قلة الحيلة ده. كارما محتجاك دلوقتي، لازم ندور عليهم في كل مكان، كل دقيقة بتمر أكيد خطر عليهم.
وكانت كلمــ,,ـات أدهم كفيلة بأن توقظه من بحر صدمته الممزوجة بالألم والخوف، فقال بلهفة:
_ أيوه، صح! عندك حق، لازم نتــ,,ـحرك ونقلب الدنيا عليهم لحد ما نلاقيهم.

وبالفعل، هاتف مازن عليًّا الذي كان يُعاين مكان الواقعة لعلّه يجد طرف خيطٍ قد يوصله إلى مكان شقيقتيه، فتوجها الاثنان إليه ليجداه يستجوب سيد للمرة الألف:
_ سيد، أوصفلي اللي حصل تاني بالضبط.
_ يا بيه والله قلتلك كل اللي أعرفه.
لعن عليّ في نفسه، فجميع المعلومــ,,ـات التي أعطاها له سيد لم تكن كافية للعثور عليهما، فأخذ يضــ,,ـرب بقوة على مقدمة سيارته، ليجد كلًّا من مازن وأدهم يترجّلان من السيارة قادمين نحوه، فعاجله مازن بسؤال:
_ موصلتش لحاجة برضو؟
أجابه عليّ بإحباط:
_ للأسف لا.
صاح أدهم بغضــ,,ـب:
_ طب والعمل؟

قال عليّ بجدية:
_ أنا كلمت كل الدوريات والكمائن اللي على الطرق، وبلغتهم بمواصفات العربية، وللأسف محدش قالي جديد.
فرد أدهم بغضــ,,ـبٍ يائس:
_ أنا مش هستنى حد يقولي جديد، أنا هقلب إسكندرية عليهم!
اندهش عليّ من غضــ,,ـبه، لكنه لم يعلّق، ليتحدث مازن قائلًا:
_ أدهم عنده حق، كل واحد ياخد عربيته ويدور عليهم في مكان مختلف.
زفر عليّ بيأس وقال:
_ للأسف، قدامنا مشكلة كمان… ماما هتصحى دلوقتي المفروض وهتسألني، ومش عارف هقولها إيه.
تحدث مازن بحزن:

_ مينفعش تقولها حاجة يا علي، عشان حالتها متسوءش، هي من غير حاجة قلبها مش مستحمل.
تدخل أدهم سريعًا قائلًا:
_ خلاص يا علي، خليك هنا عشان لما طنط تصحى تكون جنبها، وقولها خرجوا مع أصحابهم أو عندهم محاضرات، أي حاجة لحد ما نعرف هنعمل إيه.
وافق عليّ على مضض، لينطلق كلٌّ منهم إلى وجهته المجهولة، على أمل أن يصلوا لأي جديد…
**********
إنتِ متأكدة من الكلام اللي بتقوليه ده؟
_ والله يا رائد بيه، هو ده اللي حصل.

يوسف بيه ما جابش أي سيرة عن الصفقة دي، والتعامل مع الألمان من خلاله هو وبس، وخفت أسأله يشك فيا.
_ اللي عمله ده أكبر دليل إنه شاكك فيكِ. يا إما إنتِ بعتيني ليوسف وبتلعبي بيا.
هكذا تحدث رائد بتهكم، بينما الغضــ,,ـب يتبلور في عينيه اللتين أرعبتا هند، وذُعرت أكثر من فكرة أن يكون يوسف قد كشفها.
_ كشفني؟ دي تبقى كارثة! أنا مش قد يوسف الحسيني، ده ممكن يمحيني من على وش الأرض!
زمجر غاضبًا:
_ ميقدرش يمس شعرة واحدة منك، قولتلك إنتِ في حمايتي.
استنكرت حديثه غاضبة ودموعها تتساقط كالمطر:
_ حمايتك!

إنت آخر واحد في الدنيا ممكن أتحامى فيه. لو كنت هتحميني بجد، كنت حميتني من نفسك.
_ اخرسي!
قالها رائد بغضــ,,ـب وهو يتقدم منها، لتقول بانهيار:
_ مش هخرس، ومش خايفة منك على فكرة! أنا بطاوعك عشان أهلي، مش ذنبهم حاجة إن بنتهم غبية ومعرفتش تحافظ على نفسها. مش ذنبهم يعيشوا بعاري طول عمرهم!
صمتت بينما كانت شهقاتها المؤلمة تتحدث قبل أن تُضيف بحــ,,ـرقة:
_ وياريت يوسف يعرف ويــ,,ـني، مش فارقلي. كل اللي فارق معايا أهلي.
تحدث رائد بنبرة فاحت منها رائحة المرارة:
_ وإنتِ فاكرة إن يوسف رحيم أوي كده وهيخلّص عليكي؟

يوسف ده شيطان، هيدوّر على أكتر حاجة توجعك ويعاقبك بيها. هيخليكي تتمني المــ,,ـوت ألف مرة، ومــ,,ـاتطولهوش. الناس دي بتتفنن في تعذيب غيرها.
لم تُخفِ مرارة كلمــ,,ـاته على هند التي أجابته حانقة:
_ كله بسببك! كله من تحت راسك! ياريتني كنت مــ,,ـوت قبل ما أشوفك أو أقابلك.
آلمته كلمــ,,ـاتها، فتحدث بجفاء:
_ متقلقيش، هخرجك منها زي ما دخلتك، ومحدش هيقدر يأذيك، لا إنتِ ولا أهلك. أنا بس بعرفك إيه اللي هيحصلك لو فكرتي تروحي تحكي له على أي حاجة.

طالعته هند بنظرات يائسة، فجزء منها يؤلمها لحاله، خاصة تلك النظرات المتألمة في عينيه، وجزء آخر يلعنها ويلعنه لما فعله بها. لكنها أخيرًا اتخذت قرارها الذي تأخر كثيرًا، لتجيبه بتأكيد:
_ اطمن، مش هيعرف مني أي حاجة. أنا مشيت في سِكة اللي يروح ميرجعش. عن إذنك.
أوقفتها قــ,,ـبضته القوية ونظراته التي تغلغلت داخل عينيها، علّه يجعلها تشعر بما يعتمل بداخله من قهر ووجع تأبى شفتيه الإفصاح عنه. طالعتْه هي بنظرات معاتبة غاضبة حزينة، وظلت النظرات بينهما لثوانٍ قليلة، قطعها رائد وهو يقول بنبرة صادقة:

_ متخافيش يا هند، أوعدك هتخرجي بره الحرب دي في أقرب وقت، اللي باقي مش كتير.
لا تدري لماذا أخافتها كلمــ,,ـاته بدلًا من أن تُطمئنها، فلم تستطع سوى أن تهز رأسها بإيماءة بسيطة، ثم سحبت يدها من بين قــ,,ـبضته وانسلت إلى الخارج، وأخرجت هاتفها لتتصل بمجهول:
_ عايزة أقابلك ضروري.
—
كان يوسف يقف أمام النافذة يطالعها وهي تركض وتلعب مع ذلك الصغير، وكأنها في مثل عمره. فقد كانت بريئة نقية كحاله تمامًا، فأخذ يتأمل ملامحها الفاتنة وشعرها الحريري المُموج الذي كان يتطاير حولها ليزيدها جمالًا فوق جمالها.

أخذ قلبه يدق بعنــ,,ـف، فقد كانت تأسره كل حركة تقوم بها، لدرجة أنه أراد أن يختطفها ويضعها داخل صـ,,ـدره حتى يروي ظمأه منها الذي يزداد يومًا بعد يوم.
اخترق تخيلاته رنين هاتفه، وما إن رأى يوسف رقم المتصل حتى وجه انتباهه إليه كليًا.
وقد كانت هي الأخرى تعلم بمراقبته لها، فقد أخبرها قلبها بأن أميرها يراها من برجه العالي، وكانت أكثر من سعيدة بوجوده بجانبها، فذلك منحها جرعة كبيرة من الأمان لا تشعر بها إلا في حضرته.

لكنها تنبهت عندما رأته يتطلع إلى الهاتف باهتمام، فخربش الفضول جدار قلبها وقادها إليه، بعدما تركت زين يلعب مع روفــ,,ـان وتوجهت إلى الداخل في طريقها إليه. لكنها تفاجأت بنيفين تقف أمامها، تسد عليها الطريق، وهي تنظر لها بغلٍّ.
اهتزت ثقتها قليلًا عندما رأتها، لكنها أخفت ذلك جيدًا وقالت ببرود:
_ أوعي، خليني أعدي.
تشدقت نيفين ساخرة:
_ رايحة لحبيب القلب طبعًا؟
كاميليا بسخــ,,ـرية:
_ إيه الشطارة دي؟ برافو عليكِ.
فقالت نيفين بسخــ,,ـرية مغلفة بالغموض:
_ هيبقى برافو عليا أوي يا بنت زهرة لما أطردك مذلولة من البيت ده.

اهتزت نظرات كاميليا من فحوى كلمــ,,ـات نيفين فقالت بارتباك لم يخفَ على غريمتها:
_ قصدك إيه؟
اقتربت منها نيفين التي شعرت وكأنها سجّلت هدفًا في مرماها وقالت:
_ متستعجليش، قريب أوي هتعرفي أقصد إيه، ولحد ما ييجي الوقت ده استمتعي شوية، أصل اللي جاي صعب… صعب أوي يا بنت عمي.
قالت الأخيرة بتهكم جعل معدتها تتقلص، لكنها ارتدت ثوب القوة وقالت ببرود متجاهلة ذلك الضجيج داخلها:
_ أنا مش هرد عليكِ عشان عارفة النــ,,ـار اللي إنتِ فيها. بالعكس، أنا مشفقة عليكِ أوي، بس لو فكرتي تأذيني أو تدوسيلي على طرف، هتشوفي مني اللي مش هيعجبك.

ثم تابعت بعنــ,,ـفوان:
_ عشان أنا مبقتش كاميليا العيلة الصغيرة اللي كنتوا بتخوفوها وتقعدوا تبهدلوها وهي تجري تعيط في جنب. لا، أنا كبرت وبقيت أعرف آخد حقي كويس أوي، ومش ناوية أهرب تاني.
تبلورت الثقة في كلمــ,,ـاتها حين تابعت:
_ وخلي بالك، إن حبيب القلب اللي بتتكلمي عنه ده يبقى يوسف الحسيني… اللي هو جوزي. عارفة يعني إيه جوزي؟
تابعت بثقة:
_ يوسف اللي مهما عملتِ، عمره ما هيسمح لحد يتجاوز حدوده معايا. حطي الكلمتين دول في دماغك عشان ترتاحي.

أو حتى لو مرتحتيش، مش فارق معايا، بس من النهاردة مش هسمحلك تهينيني أو تناديني بـ«يا بنت زهرة» تاني. أنا كاميليا يوسف الحسيني، احفظي الاسم ده كويس. عن إذنك.
نجحت كاميليا في أن تُلجم تلك الحية التي اشتعلت نيرانها أكثر من كلمــ,,ـاتها، لتقسم أنها ستذيقها شتى أنواع العذاب، وستستغل كل الأوراق التي بين يديها لتنفيذ تهديدها وطردها من هذا المنزل.
اقتحمت كاميليا المكتب لتجده ما زال يتحدث في الهاتف، لكنه ما إن رآها حتى قال بغموض:
_ نفّذ اللي قلتلك عليه بالحرف الواحد، ومش عايز أي غلط.

ثم أغلق الهاتف وأشار إليها لتتقدم، فما إن أصبحت أمامه حتى امتدت يده وأمسك بذقنها رافعًا رأسها إليه، ناظرًا لعينيها بحب يخالطه المزاح:
_ مين اللي عصّب القطة بتاعتي وخلى مخالبها تظهر كده؟
_ مين قالك؟
قالتها باندهاش، فأجابها بسلاسة:
_ أنا عارفك أكتر من نفسك. ها، قوليلي بقى مين مضايقك؟
أجابته بتهكم:
_ قول مين مش مضايقني!
قهقه يوسف على طريقتها وقبّل مقدمة رأسها، ثم سحبها إلى جانبه وجلسا معًا على الأريكة، وتحدث بحنو:
_ مالك يا حبيبتي؟ إيه مضايقك؟
كاميليا بجفاء:
_ عادي يا يوسف، مش حاجة مهمة.

نيفين ضايقتني شوية، بس متقلقش، عرفت أوقفها عند حدها.
ثم رفعت رأسها وطالعته بتردد:
_ هو أنا آه زودتها شوية معاها، بس هي اللي عصبتني بصراحة.
أرجع يوسف خصلة من شعرها خلف أذنها ثم قال بحب:
_ أهم حاجة تكوني مرتاحة.
فقالت كاميليا بحماس:
_ مرتاحة بس؟ ده أنا مرتاحة جدًا! وكده أنا واحد وهي صفر!
اندهش يوسف من حديثها وقال:
_ إيه ده؟ هو مــ,,ـاتش ولا إيه؟
أجابته بغموض:
_ يعني حاجة زي كده.
_ المهم إنك مرتاحة يا حبيبتي، وزي ما قولتلك، أنا في ضهرك ومعاكِ دايمًا.

فأجابته بمزاح:
_ لا، ده كده هيبقى عشرة مش واحد.
فشاطرها المزاح قائلًا:
_ ويبقوا ألف عشان خاطرك. أهم حاجة أشوفك سعيدة ومبسوطة.
قاطعهم رنين هاتفه، فاحتواها بقربه وأجاب:
_ إيه يا ابني؟ إنت فين؟ رنيت عليك كذا مرة مردتش ليه؟
_ يوسف، كارما وغرام اتخطفوا، وأنا مش عارف أعمل إيه!
هبّ يوسف من مكانه قائلًا:
_ بتقول إيه يا مازن؟! إمتى حصل الكلام ده؟
_ النهاردة الصبح، وقلبنا الدنيا عليهم، مفيش جديد، ومش عارفين هنقول إيه لمامتهم!
_ طب اهدى إنت، وأنا هحاول أتصرف.
_ في إيه يا يوسف؟

غرام وكارما حصلهم إيه؟
كان هذا صوت كاميليا المرتعب مما سمعته، فحاول يوسف طمأنتها قائلًا:
_ اهدي يا حبيبتي، مفيش حاجة.
صاح مازن حين سمع صوتها:
_ يوسف، إحنا محتاجين كاميليا تكون جنب خالتها هنا، عشان لو عرفت حاجة تبقى معاها.
أجابه يوسف بجفاء:
_ مازن، اقفل دلوقتي، وأنا هكلمك تاني.
انهمرت عبرات القلق من بين جفونها رعبًا على بنات خالتها، وما إن رأى يوسف حالتها حتى أغلق الهاتف وقام بتهدئتها، فأخذت تبكي قائلة:
_ كارما وغرام جرالهم إيه يا يوسف؟
_ إن شاء الله هنلاقيهم يا حبيبتي، بلاش تعملي كده.

_ أنا مرعوبة عليهم أوي، وخالتي فاطمة عرفت ولا لسه؟
_ لا، لسه معرفتش، وهم عايزينك تروحي تبقي جنبها.
اندفعت بلهفة:
_ وديني عندها يا يوسف، أرجوك! هي من غير حاجة تعبانة، دي لو عرفت باللي حصل ممكن تروح فيها، ودي الحاجة الوحيدة اللي باقيالي من ريحة ماما…
_ اهدي يا كاميليا، وإن شاء الله خير، وهيلاقوهم، وأنا بنفسي هدور معاهم، وكمان هاخدك معايا عشان تروحي تطمني عليها. كفاية دموع بقى، عشان خاطري.

أنهى كلمــ,,ـاته وهو يحتويها بحنو محاولًا تهدئتها، فعبراتها وخوفها كانا أكثر من مؤلم بالنسبة له، وقد قرر داخله أن يقلب الأرض رأسًا على عقب حتى يُعيد إليها الطمأنينة مرة أخرى.
*******
في مكانٍ آخر، التقى الثلاثة: أدهم، ومازن، وعلي، الذي صاح غاضبًا:
_ ما صدقت إنيمها بعد ما سألتني مليون سؤال عن البنات، زي ما يكون قلبها حاسس!
_ انت قولتلها هما فين؟
هكذا سأل مازن، فأجابه علي بنفاد صبر:

_ قولتلها إنهم في خطوبة سُهى صاحبة كارما، واحتمال يباتوا معاها، وتليفوناتهم فصلت شحن، واضطريت أَحلفلها إني كلمتهم وهي نايمة، وطبعًا كلمت سُهى، وحكيتلها على اللي حصل، وقلت لها لو ماما كلمتك، البنات عندك، واطلعيلها بأي حاجة لو طلبت تكلمهم.
_ يا جــ,,ـماعة، إحنا لازم نفكر بعقلنا شوية، مين له مصلحة في خطفهم؟
هكذا تحدث أدهم، الذي كان يغلي من الغضــ,,ـب، ليجيبه مازن بتفكير:
_ يمكن يكون حد له عداوة مع حد فينا؟
_ إحنا عمرنا ما كان لينا أعداء يا مازن، وكنا عايشين طول عمرنا في حالنا، وعمر ما حد اتعرض لإخواتي.

تحدث علي بغضــ,,ـب، فأجابه مازن بنفس لهجته:
_ تقصد إيه يا علي؟
_ أقصد إن ممكن اللي خطف البنات دا يكون قاصدك إنت، أو له عداوة معاك إنت.
اهتاج مازن من حديث علي قائلًا:
_ محدش يعرف إن كارما خطيبتي، إحنا لسه ما عملناش حاجة!
انت عايز ترمي اللوم عليا وخلاص؟
ثم ولو فعلًا حد قاصدني، هيخطف غرام معاها ليه؟
لم يُجب علي على تساؤلاته، بل زفر بحنق، فتابع مازن بحدة:
_ اللي عمل كده قاصد حد بيحبهم الاتنين، وعايز يوجعه بيهم أو يبتزه.

عند هذا الحديث، توقف علي للحظات، ثم برقت عيناه وقال بتوعّد:
_ لو طلع اللي في بالي هو اللي عمل كده عشان يبتزني، والله لهندمه على اللي باقي له من عمره!
ثم نظر إلى كُلٍّ من مازن وأدهم وهو يستعد للرحيل قائلًا:
_ الولاد زمايلي لسه بيدوّروا عليهم، وفي الكماين بيفتشوا العربيات اللي رايحة واللي جاية، وانتوا كملوا تدوير لحد ما أجيلكوا.
اندفع أدهم مستفهمًا:
_ وانت رايح فين؟
_ مشوار صغير، وغالبًا هيوصلنا لمكانهم.
هكذا تحدث علي، فأضاف مازن بغموض:
_ وأنا كمان ورايا حاجة هعملها على ما تخلص مشوارك.

نظر إليهم أدهم بسخط قائلًا:
_ وده وقت مشاوير؟ ما كل واحد يقول إيه في دماغه عشان نعرف نساعد بعض!
أجابه مازن بجمود:
_ لما أرجع من مشواري ده، هقولك إيه في دماغي.
وانت استنى يوسف وكاميليا، هما طلعوا وزمانهم على وصول، وانت عارف يوسف بيسوق بسرعة.
زفر أدهم قائلًا بنفاد صبر:
_ ماشي، أما أشوف آخرتها معاكم.
★★★★
” إنت ليك يد في خطف كارما وغرام؟! ”
يتبع ……
الوجه السادس و العشرون للعشــ,,ـق
إمّا أن تــ,,ـ وجعك، أو دعه ليــ,,ـك.

أمّا هروبك منه فهو محاولة آثمة في حق قلبك وإرجاء لمــ,,ـوتٍ لا بدّ أن يأتي إن لم تضع لهذا الوجع نهاية.” تردى نورهان العشري إنت بتقول إيه يا علي؟ تحدّث هاشم الرفاعي، الذي رقص قلبه فرحًا ما إن رأى الهاتف يهتز مُعلنًا عن اتصالٍ كان قد انتظره طويلًا، ليباغته علي بإلقاء تلك القنبلة في وجهه، فامتقع لونه خاصةً عندما تحدّث علي بتلك الكلمــ,,ـات الجارحة: _ كلامي واضح، بسألك: ليك يد في خطف كارما وغرام؟! وقبل ما تجاوب، عايزك تعرف إن يمين بالله، لهقلب الدنيا عليها واطيها لحد ما أرجّع إخواتي، حتى لو كانوا في سابع أرض!

ذُعر هاشم من حديثه، وارتعب قلبه عندما علم ما أصــ,,ـاب حفيدتَيه، فأجاب بلهفة وألم: _ إيه اللي إنت بتقوله ده يا علي؟! إنت واعي إنت بتقول إيه؟! أنا أعمل كده في بنات الغالي؟! ده أنا أفديهم بروحي! شعر علي بمقدار الألم في صوته، وأخذت وخزات الندم تأكل قلبه، فلم يستطع الحديث، ليتابع هاشم بنبرةٍ مهزوزة من فرط التعب والحزن: _ اللي حصل ده حصل إزاي يا علي؟ تردد علي لثوانٍ قبل أن يتحدث بيأس: _ معرفش، كانوا خارجين الصبح، وفجأة طلع عليهم ناس ملثّمين، خدّروهم وركّبوهم عربية وهربوا، ولحد دلوقتي منعرفش حاجة عنهم. قلبت إسكندرية حتة حتة، ومفيش أي جديد.

تعاظم رعب العجوز وتأثّر لتلك النبرة اليائسة التي يتحدث بها حفيده، ولكن هذا ليس وقت الضعف، خاصةً لمن لم يعتده. فأخذ يشحذ بعضًا من قوته التي أفقده إياها المرض، وقال بصوتٍ قوي: _ إجمد كده يا علي، إن شاء الله هنلاقيهم. أنا هقلب الدنيا لحد ما أرجّع بنات ابني بيتهم سالمين. متقلقش، إنت مش لوحدك، أنا في ضهرك، واللي عمل كده هيتحاسب أشد الحساب إنه فكّر بس يقربلهم. لا يدري علي لِمَ شعر ببعض الارتياح لحديث جده، ولكن كبرياءه أبى أن يقبل بمساعدته، فنفض عنه ثوب اليأس وتنحنح قليلًا، ثم قال بثبات:

_ شكرًا يا هاشم بيه، مش محتاج مساعدتك، وأنا هعرف أرجّع إخواتي حتى لو على رقبتي. ابتسامة جانبية ظهرت على شفتي العجوز، فقد كان يتوقع رد حفيده، ولِمَ لا؟ فهو قد أخذ كثيرًا من طباعه. _ طبعًا يا ابني، إنت تقدر تعمل كده، وأنا ما عنديش شك إنك هترجع إخواتك وتحافظ عليهم، بس دول بنات ابني، وليا حق فيهم، ومش هقدر أقف ساكت وهم مخطوفين كده. ياريت تسبني أساعدك يا علي، وأقف في ضهرك. اهتز علي داخليًا من رجاء جده المبطن، وشعر بأنه يجب أن يضع مصلحة شقيقتيه أولًا، ليزفر بتعب قائلًا:

_ لو احتجت حاجة، هقولك. تحدث الجد بارتياح: _ وأنا هبعتلك اللي يبقى رهن إشارتك، وهيمشي بأمرك، إنت بس شاورله. دول بناتنا يا علي، شايلين اسم الرفاعي، شرفنا وعِرضنا يا ابني، ولازم نحميهم بعنينا. وأنا عارف إنك أسد، وراجل من ضهر راجل. أنهى علي مكالمته وقد شعر بأن الهواء قد نفد من رئتيه، فأغمض عينيه بتعب، يُناجي ربه أن يرشده للطريق الصحيح ويخفف عنه هذا الثقل الذي يجــ,,ـثم فوق قلبه.

انت في الصفحة 3 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى