Uncategorized

للعشــ,,ـق وجوة كثيرة نورهان العشري 9

وكأن الله استجاب لدعائه، إذ رنّ هاتفه مُعلنًا عن مكالمة أكثر من مرحّب بها، فالتقطه قائلًا بلهفة: _ روفــ,,ـان! فأجابته بقلبٍ لهيف: _ علي، أنا عرفت من كاميليا اللي حصل، وقلت لازم أكلمك أطمن عليك. لأول مرة في حياته يعجز عن الحديث، الذي سيتبعه حتمًا انهيار من الدموع التي لا تليق بعنــ,,ـفوانه، لتزداد حدة تنفّسه وعلوّ صوته الذي أخبرها عن مدى معاناته، فأردفت بطمأنينة: _ متقلقش، إن شاء الله هتلاقيهم. ربنا هيحفظهم وهيرجعهم بالسلامة. إنت بس قول: يا رب.

خرجت الكلمــ,,ـات من فمه بحــ,,ـرقة نابعة من احتراقه الداخلي: _ ياااااارب… يااااارب يا روفــ,,ـان، يرجعوا بالسلامة! أضافت بلهجةٍ هادئة نابعة من قلب أنثى تحوّلت أمًّا عندما وقعت في العشــ,,ـق: _ هقولك على حاجة حلوة، إنت أكيد بتدور عليهم ومش واقف لحظة. عايزاك وإنت بتدور عليهم، تقول «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» كتير أوي، بنية إن ربنا يحفظهم وتلاقيهم، وإن شاء الله ربنا هيردّهم ليك في أقرب وقت، وهتشوف إن ربنا مش هيكسر بخاطرك وهيطمن قلبك عليهم.

وكأن حديثها كان بلسمًا على قلبه، وأنــ,,ـار له طريقًا كان قد غفل عنه، وهو اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى. فقال بحب تجلّى في نبرة صوته: _ حاضر، ربنا يخليكِ ليا. اهتز قلبها لتلك النبرة التي أسرتها، وتلك الكلمــ,,ـات البسيطة التي جعلت الفراشات تحلّق في معدتها، لتأخذ نفسًا عميقًا يملؤه عبير العشــ,,ـق قائلة بخجل: _ ويخليك ليا. ثم تداركت الموقف قائلة بتوتر: _ لينا يعني، يخليك لينا وللناس كلها بما إنك ظابط وكده. للحظات بسيطة، شقت الابتسامة شفتيه على توترها وبراءتها، ثم قال بلهجةٍ ناعمة:

_ ادعيلي وادعيلهم. _ ربنا معاك ومعاهم يا رب، ويجمعكوا ببعض في أقرب وقت. أمَّن علي على دعائها، ثم أنهى المكالمة التي أعطته جرعة كبيرة من الطاقة، سيسخّرها جميعها في البحث عن شقيقتَيه، لينطلق بسيارته إلى مقر الشرطة لبدء جولة جديدة من البحث… ********* _ اللهم اضــ,,ـرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بين أيديهم سالمين. انتهت نيفين من تنزيل برنامج التصنّت على هاتف سميرة كي تعرف مع من تتحدث هذه الأحاديث السرية، فهي لم تعد تأمن مكر هذه السيدة، ويجب أن تعرف كل خطواتها وما تخفيه عنها؛ فهي واثقة أنها تملك الكثير من الأسرار التي عليها كشفها واحدًا تلو الآخر.

لقد هاجمها ذلك الصداع الذي كان يلاحقها في الفترة الأخيرة دون أن تعرف له سببًا، فقامت بالذهاب إلى غرفتها والجلوس على أقرب كرسي لتتفاجأ بسميرة تدخل الغرفة نافثة النيران من أنفها لتجدها على تلك الحالة من التعب؛ لكن ذلك لم يجعلها ترحمها لتبدأ بالتنفيس عن غضــ,,ـبها بها كالعادة. _ إنتِ قاِعدة بتهبّي إيه عندك وسايبة البلاوي اللي فوق دماغنا دي كلها؟ لم تكن في حالة تسمح لها بالحديث فتجاهلتها، تبحث عن قرص مسكن يخفف ذلك الصداع الرهيب. تفوّقت سميرة غضــ,,ـبًا فنهرتها:

_ إنتِ يا زفتة مش بَكلمك؟ ردي عليا؟ رفعت نيفين رأسها وطلعتها بنظرة ساخرة ثم قالت بلامبالاة: _ خدي الباب في إيدك وإنتِ طالعة، عشان تعبانة وعايزة أنام. تلك الكلمــ,,ـات البسيطة أثارت جنون سميرة، فانقضت عليها ممسِكةً إياها من خصلاتها وهي تقول بصياح: _ بَت! إنتِ اتعدّلي وإنتِ بتكلّمني؟ فاهمة ولا لا؟ فقامت نيفين بنقض يدها ودفعها بعنــ,,ـف وهي تقول غاضبة: _ لا مش فاهمة، وحذّرتك قبل كده: إيدك لا تتمد عليا. يظهر إنك إنتِ اللي مبتفهميشي، بس معلش هفهمك بطريقتي.

أنهت كلمــ,,ـاتها ثم قامت بشق أحد أكمام فستانها حتى جرحت ذراعها، ثم هرولت تبكي خارجًا وهي تستغيث صارخة: _ يا جدو! يا طنط صفية! الحقوني! ما أن سمعت صفية صوت استغاثتها حتى هرولت إليها، لتجدها في حالة انهيار؛ وعلى الفور ارتمت بين أحضانها تبكي وتنوح. حاولت صفية تهدئتها قائلة: _ إيه يا نيفين يا حبيبتي؟ مالك فيكِ إيه؟ بتعيطي ليه كده؟ أكملت نيفين تمثيليتها على أكمل وجه، اتبع بكائها ارتعاش جسدها وهي تقول بصوت متقطع:

_ الحقيني يا طنط صفية، ماما عمالة تضــ,,ـرب فيا وتشتمني. استشاطت صفية غضــ,,ـبًا، وتوجهت أنظارها إلى سميرة المذهولة مما يحدث أمامها لدرجة جعلتها تفقد النطق، فنهرتها صفية: _ إنتِ اتجننتي يا سميرة؟ بتضــ,,ـربي البنت وتبهدليها! هي عملت فيكِ إيه؟ لم تستطع سميرة الرد، فـردّت نيفين، التي كانت ما زالت متشبثة بأحضان صفية: _ بتطلع غيظها فيا عشان بابا طلع متجوز عليها وجاب ابن ضرتها هنا. أنا إيه ذنبي طيب؟ تركت صفية نيفين ثم توجهت إلى سميرة، تناظرها باحتقار، قائلة:

_ مش هتبطي بقى القرف بتاعك دا؟ بتطلعي عقدك ومشاكلك على بنتك الغلبانة دي بدل ما تاخديها في حضـ,,ـنك وتخففي عنها. بتبهدلي فيها؟ تصدقي دا له حق، مراد هيتطفّش منك. كانت سميرة مُسمّرة في مكانها ليس بسبب كلمــ,,ـات صفية، ولكن بسبب تلك التي تقف خلفها تنظر إليها بسخــ,,ـرية وانتصار؛ حتى رفعت إحدى حاجبيها كأنها تقول لها: _ رأيتي ما يمكنني فعله؟ فحلّت مكان السخــ,,ـرية نظرات بريئة منكسرة عندما التفتت صفية تجاهها، فمسحت عبراتها قائلة بحنو:

_ اهدي يا حبيبتي ومــ,,ـاتخافيش، محدش هيقدر يزعلك أو يضايقك تاني. ثم التفتت إلى سميرة قائلة بغضــ,,ـب: _ عشان لو حد فكر يعمل كده يبقى يجهّز نفسه إنه يواجه رحيم الحسيني، وأنا بقى اللي هقوله للمرادي على اللي بيحصل من ورا ضهره. قامت نيفين بمسح عبراتها ثم وجهت نظرة منكسرة إلى صفية قائلة بضعف: _ ممكن أطلب من حضرتك طلب؟ _ اتفضلي يا حبيبتي. _ ممكن أنام في حضـ,,ـنك النهاردة؟ أشفقت صفية على حالتها، فقالت بحنان:

_ طبعًا يا روحي، تقدري. تعالي معايا. أخذت صفية نيفين بأحضانها وتوجهت إلى غرفتها، تاركين وراءهم من كان الغضــ,,ـب يأكل كل خلية به. ما رأته اليوم من الفتاة التي ظنت أنها بيدق في لعبتها نحتها جانبًا وتولت هي القيادة؛ لتشعر بأن أعداءها قد ازدادوا اليوم، بل وأن من سمتها ابنتها هي أكثر من يجب أن تحذر منه. لذا اتجهت إلى غرفتها لتُجري إحدى اتصالاتها الغامضة: _ إحنا لازم نخلص من نيفين في أقرب وقت. مش هينفع نتأخر أكتر من كده. دي بقت خطر علينا.

*********** كان يوسف يقود سيارته بأقصى سرعة ممكنة حتى يصل إلى وجهته، لكنه كان بين الحين والآخر ينظر إلى تلك التي تجلس على المقعد المجاور له، فيجد الضياع يسيطر على جميع ملامحها، فقرر أن يمنحها مساحتها الخاصة، فهي بحاجة إلى الهدوء قليلًا بعد كل تلك الأحداث. لكن صمتها طال أكثر من اللازم، خاصةً بالنسبة إلى طبيعتها في حضرته، فهي تعشــ,,ـق الحديث معه حتى ولو لم تجد ما تقوله. لذا قرر قطع ذلك الصمت قائلًا: _ فاكرة لما العروسة بتاعتك اللي كانت مامتك جايباهالك ضاعت زمان؟

خرجت منها تنهيدة حارقة، وقالت بصوتٍ حزين: _ فاكرة. أكمل يوسف حديثه وهو ينظر أمامه، لكن جميع حواسه كانت معها: _ يومها قعدتِ تعيّطي كتير أوي، وأنا كنت جاي من السفر، لقيتك منهارة. اتجننت، افتكرت حد زعلك، لقيتك بتقوليلي إن عروستك ضاعت. قولتلك: طب وليه مدوّرتيش عليها؟ قولتِلي: دورت في أوضتي ملقتهاش. سألتك: هي غالية عليك؟ قولتِلي: غالية أوي. قولتلك: يبقى تقلبي الدنيا عليها، مش تدوري في أوضتك بس، ولما متلاقيهاش تستسلمي وتقعدي تعيّطي. ابتسمت كاميليا بوهن، قائلة بصوتٍ مبحوح من فرط البكاء:

_ وقتها كانت نيفين مخبياها مني في أوضة جدو، عشان واثقة إني مش هلاقيها، لأني كنت بخاف أدخل عنده. ابتسم يوسف هو الآخر، ثم قال: _ يوميها ضحكتي ضحكة عمري ما قدرت أنساها… فضلت محفورة في قلبي. لامست كلمــ,,ـاته أوتار قلبها الذي رقص طربًا على أنغام عشــ,,ـقه، فقالت بخجل: _ معقول ما نسيتش؟ _ عمري ما أقدر أنسى حاجة تخصك يا كاميليا… بس إنتِ بتنسي! عقدت جبينها وقالت باستنكار: _ أنا بنسى؟! أنا عمري ما نسيت حاجة تخصك!

قال يوسف بخشونةٍ دافئة: _ لا، نسيتي اللي قولتهولِك وقتها. تنهدت بتعب، قائلة بنبرةٍ مشجَبة: _ منسيتش والله يا يوسف… بس غصب عني. اللي تايهين مني دول مش عرايس، دول بنات خالتي، وأكتر من أخواتي. الناس دي خدتني في حضـ,,ـنها في أصعب لحظاتي… غصب عني. _ والعروسة وقتها كانت أغلى حاجة عندك، ما تيأسيش أبدًا يا كاميليا. اليأس ده أكتر حاجة ممكن تخلي حياة الإنسان جحيم. في ربنا فوق سبع سماوات مستنينا ندعيله عشان يستجيب.

ما تسيبيش الحزن يتمكن منك، عشان وقتها إنتِ اللي هتبقي عدوة نفسك. خلي نفسك طويل، الحياة ما بتحبش الضعيف ولا قليل الحيلة. خليكِ قوية وما تستسلميش بسهولة… دي دنيا مش جنة. اعتادت كلمــ,,ـاته أن تُخفّف عنها في أحلك مواقفها، لذا لم تستطع سوى أن تبتسم وتنظر إليه بعينين يتناثر منهما العشــ,,ـق: _ كلامك طول عمرك بيطّمني يا يوسف… ربنا يخليك ليا. ظلّت أنظاره معلّقة على الطريق أمامه، لكن شفتاه انفصلتا عن بعضهما بابتسامةٍ عذبة أذابتها كما فعلت لهجته حين قال بخشونةٍ حانية:

_ وحشتني ضحكتك الحلوة أوي… عشان كده أوعدك إني هعمل المستحيل عشان أشوفها تاني. انشرح قلبها بوعده المبطن، وامتدت يداها لتحتوي ذراعه القابضة على المقود، وهي تقول بلهفة: _ هترجعهم ليّ تاني يا يوسف… مش كده؟ امتدت يده الأخرى لتحوي كفّها الذي لثمه بعذوبة قبل أن يجيبها بثقة: _ إن شاء الله يا حبيبتي. لسه قدامنا حوالي ساعتين، حاولي تنامي عشان تقدري تقعدي مع خالتك وتبقي فايقة شوية. ابتسمت كاميليا بخجل قبل أن تقول بخفوت:

_ لا، أنا هفضل صاحية… أصلًا مش جايلي نوم. ابتسم يوسف عندما وجدها تغطّ في نومٍ عميق بعد تصريحها هذا بدقائق، فقام بإيقاف السيارة على جانب الطريق ونظر إلى ملامحها البريئة الصافية. وثارت دقات قلبه بجنون، فقد اشتاق إلى قربها بشدة، فقام باحتوائها ووضعها بين جنبات صـ,,ـدره، حيث أصبحت أضلعه وسادةً لرأسها المستكين براحة بين براح قلبه، الذي كان كالبركان الثائر بفعل العشــ,,ـق، ليشعر وقتها باكتمال روحه التي كانت قد فارقته عند غيابها. الكمال… تلك النقطة التي يصل إليها الإنسان عندما يجد نصفه الآخر، فتجعله يشعر بأنه امتلك العالم بأسره.

************* أحيانًا يُعمي الغضــ,,ـب بصيرتنا فيقودنا إلى حماقات ما كنا سنقترفها لو كان العقل حاضراً حينها. فكم من أفعال ولدتها شرارات الغضــ,,ـب التي لا يُطفأها سوى غبار الندم نورهان العشري انتِ ليكِ علاقة باللي حصل مع كارما؟ نظرت سيدرا باستفهام إلى ذلك النمر الغاضب الذي يود لو يحــ,,ـرق المشفى بمن فيه، وقالت مستفسرة: _ في إيه يا مازن؟ أنت شكلك عامل ليه كده؟ استغفر مازن في سره للمرة التي لا يعرف عددها، وقال بغضــ,,ـب حاول أن يكتمه:

_ سيدرا جاوبيني، ليكِ يد في اللي حصل لكارما؟

انت في الصفحة 4 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى