Uncategorized

للعشــ,,ـق وجوة كثيرة نورهان العشري 9

_ هو إيه اللي حصل لكارما؟ أنا مش فاهمة حاجة! _ يعني متعرفيش إن كارما اتخطفت هي وغرام أختها النهارده الصبح؟ صُدمت سيدرا من حديثه، لكن زادت صدمتها عندما أدركت المعنى الكامن وراء سؤاله، فقالت باستنكار: _ اتخطفت! وإنت جاي تسألني إذا كان ليا يد في خطفها ولا لأ؟ للدرجة دي شايفني رخيصة وزبالة؟ غضــ,,ـب مازن من حديثها، فقال بحنق: _ أنا مقولتش كده. قاطعته سيدرا بقوة ممتزجة بالألم: _ بس كلامك معناه كده! تسمي اللي تفكر تخطف بنات إيه؟

أجابها بانفعال، ضاربًا بكل ذرة تعقل لديه عرض الحائط، فقد أضناه الغياب وغرز القلق حوافره في قلبه فلم يعد يدري أين الصواب: _ ما اللي تفكر توقع نفسها في مصيبة زي اللي وقعتي نفسك فيها عشان واحد، تقدر برضو تفكر تخطف وتــ,,ـ كمان! آلمته كلمــ,,ـاته كالخنجر المسموم الذي غرزته حقارة أفعالها سابقًا، لتُلقي بها في مستنقع الذل هذا، فخفضت رأسها وقالت بألم: _ عندك حق تفكر فيا كده. ثم توجهت إلى الدرج الخاص بخزانتها، وأخرجت المصحف، ووضعت يدها فوقه ناظرةً في عينيه بقوة، وقالت بصوت مجروح:

_ بحق من أنزل هذا الكتاب، ما لياش يد في أي حاجة من اللي حصلت لكارما ولا لأختها خالص. هزّته فعلتها لدرجة أنه شعر وكأن قطارًا قد دهس قلبه؛ فهل كان بهذا الغباء ليَتَّهِم طفلة مثلها بتلك الاتهامــ,,ـات البشعة؟ فقال بتلعثم: _ سيدرا أنا… قاطعته بقوة وكبرياء امرأة دهسها قطار العشــ,,ـق، فتناثرت أشلاء قلبها، ولم يبقَ لها سوى المــ,,ـوت بكبرياء، فقالت بثبات:

_ أنا حطيت إيدي على كتاب ربنا وحلفتلك إني ماليش دعوة باللي حصل لخطيبتك. ياريت إنت كمان تحط إيدك عليه وتحلف إنك مش هتوريني وشك تاني، ولا هيكون ليك أي دور في حياتي بعد النهارده، عشان حقيقي هي مش هتتصلح غير لما تختفي منها. رغم غباء فعلته، إلا أنها فتحت له باب النجاة من ثقل ذلك الحمل الذي كان على عاتقه، لكن عقدة الذنب ما زالت تنخر في عظامه، فحاول أن يثنيها عن موقفها هذا، فقاطعته بحركة من يدها تُوقفه عن الكلام، وقالت بثقة:

_ لو بتعز وبتقدر محمود الله يرحمه، احلف. ومتخافش ولا تحس بالذنب ناحيتي. أحسن حاجة تعملها فيا إنك تبقى بعيد عني، وخصوصًا دلوقتي. أنا لازم أبتدي صح، ومش هقدر أعمل ده في وجودك. لازم أقطع الأمل منك عشان أنساك وأشيلك من جوايا. فياريت تحلف. أغلق مازن باب سيارته وهو يشعر بأن جبال العالم ترسو فوق قلبه؛ فقد تحرر من قيد كان يخنقه عندما نفّذ لسيدرا طلبها، لكن أي راحة قد يشعر بها وروحه قد انشطرت عنه، وفــ,,ـارقته راحلةً مع حبيبته التي لا يعرف أين هي حتى؟

كاد أن يجن وهو يبحث عنها، لكن دون جدوى، فأخذ يدور بسيارته لا يعرف إلى أين، فقط يبحث في المجهول علَّه يصل إلى طرف خيط قد يوصله إليها… ★★★★★★★ _ ها يا يامن، قدرت تدبر لي المكان اللي قولتلك عليه؟ _ متقلقيش، في خلال أسبوع هيكون جاهز يا هند. بس قوليلي، ليه عايزة تمشي وتسيبي كل حاجة كده؟ توترت هند من سؤال يامن، ذلك الشاب في نهاية عقده الثاني من عمره، وهو جارها في حيهم القديم. كانت قد استعانت به ليُوفر لها مكانًا في بلدتهم بالصعيد لتأخذ عائلتها وتهرب من ذلك الشيطان الذي يُسيطر عليها ويوجهها كيفما يشاء.

حتى وإن تركت قلبها معه، فهو لا يستحق أن تضحي بأي شيء آخر لأجله؛ يكفيها عذابها وإحساسها بالذنب تجاه والدتها وأختها الصغيرة اللتين لا تستحقان ذلك الخزي الذي ألحقته بهما، فقررت الهرب إلى حيث لا يستطيع أن يجدها. نظرت هند بتوتر إلى يامن، ثم استجمعت شتات نفسها قائلة: _ عايزة أغير جو وأبعد عن هنا. إنت عارف المشاكل اللي بينا وبين أهل بابا الله يرحمه، ومش حابة دا يأثر على صحة ماما، فقررت أمشي من غير ما أعرف حد.

أجابها يامن الذي بدا وكأنه اقتنع بحديثها: _ خلاص، زي ما تحبي. وأنا هكلم الناس معارفي اللي هناك يدبرولك شغل، ومتقلقيش، القرية هادية والناس هناك في حالهم. ارتاحت هند لحديثه فقالت بامتنان: _ كده تمام أوي يا يامن، أنا مش عارفة أشكرك إزاي. أنا هجهز نفسي، وإنت أول ما تظبط الدنيا هناك كلمني. وياريت أسافر بالعربية، مش عايزة لا طيران ولا قطار. _ طب وليه البهدلة دي يا بنت الناس؟ _ معلش، أنا هبقى مرتاحة كده أكتر.

_ خلاص زي ما تحبي، ومتقلقيش. في أسرع وقت هكون مظبطلك كل حاجة وهعرفك. _ ميرسي أوي يا يامن، مش عارفة أشكرك إزاي. _ مــ,,ـاتقوليش كده، إحنا أهل. غادرت هند بعد أن أنهت مهمتها مع يامن، الذي ما إن خرجت حتى أجرى اتصالًا، وما إن أجاب الطرف الآخر حتى تحدث باحترام: _ كل اللي حضرتك طلبته تم، وهي دلوقتي مستنياني أكلمها. ***********

كانت سميرة تغلي من شدة الغضــ,,ـب؛ فما حدث أمامها منذ دقائقٍ لم يكن شيئًا هينًا. تلك النيفين أصبحت حية سامة ويجب التخلص منها في أقرب وقت. فقامت بإجراء اتصالٍ هاتفي، فأجاب الطرف الآخر، وما أن سمعت صوته حتى بادرته قائلة ببرود: _ أنا مش هستنى أكتر من كده؛ لازم تنفّذ بسرعة وأخلص من نيفين. _ وليه الاستعجال؟ مش قولنا كل حاجة في وقتها أحسن؟ _ مبقاش ينفع، دي بقت خطر عليا، وهي مفكّراني أمها، أمال لما تعرف الحقيقة هتعمل إيه؟!

_ إيه اللي حصل لكل ده؟ سألها ذلك المجهول لتقص عليه ما حدث حتى انفجر ضاحكًا، وقال بسخــ,,ـرية: _ تربية بصحيح يا سميرة… وشبهك. صاحت مغلولة: _ إنت بتضحك! بقولك البنت بقت خطر عليا وبتبجّح فيا، وده كل اللي قدرت تقوله؟ _ طب ما إحنا لو اتخلصنا منها دلوقتي كده، كاميليا هتشبع بيوسف. أجابته بحنق: _ كاميليا كده كده شبعانة بيوسف، ودي غبية عمرها ما هتعرف تفرق بينهم حتى. أنا هشوفلها طريقة تانية أحــ,,ـرق قلبها بيها، بنت زهرة.

_ إلا قوليلي يا سميرة، أنا حاسس إن في حاجة في موضوع زهرة دي إنتِ مختبّاهاش! توترت سميرة قليلًا ثم قالت بمراوغة: _ حاجة! حاجة زي إيه يعني؟ _ يعني إنتِ كل اللي عايزاه الفلوس وإنك تفضلي عايشة في عز وريح عيلة الحسيني، وكده وكده زهرة مــ,,ـاتت وشبعت مــ,,ـوت، ونيفين مش فارقة معاكِ مادام في غيابها هتضمني إنك متخسرش اللي إنتِ فيه. إيه بقى اللي يخليكِ هتمــ,,ـوتي وتحترقي قلب بنت زهرة كده؟ مانيش هساعدك وإنتِ مخبّية عني حاجة.

تساقط الحقد والقهر في نبرتها حين قالت: _ فلوس الدنيا كلها متهمنيش قدّام إني أحــ,,ـرق قلب بنت زهرة. زهرة اللي خطفت مني حب عمري، واللي فضّلها عليّا أحمد بعد ما أديته كل حاجة ممكن تقدّمها واحدة ست لراجل، وفي الآخر رماني واتجوزها هي. _ أوبااا… دا باين، أنا فاتني حاجات كتير معرفهاش. لا، دانتِ حكّيلي بقى من الأول تاني. _ بعدين هحكيلك. أهم حاجة دلوقتي تقولي: هنعمل إيه عشان نخلص من نيفين؟ أجابها الطرف الآخر ببرود:

_ عندي ليكِ سينــ,,ـاريو هايل. إيه رأيك في بنت مراهقة بتعاني من إهمال أبوها، فتقوم—يا حرام—منتــ,,ـحرة بعد ما تسيب جوابًا يقطع القلب عن معاناتها هي وأمها مع أبوها الأناني اللي كان مهمل فيهم؛ فيقوم الأب يعيش بعقدة ذنب ناحية بنته اللي ضيّعها بأنانيته، وتفضل الأم المكسورة اللي خسرت بنتها، والكل بياخدها في حضـ,,ـنه ويطبطب عليها عشان اللي هي فيه، وخصوصًا لو راجل عجوز خرفان! ارتسمت ابتسامة كريهة على شفتيها وهي تقول: _ تعجبني. **************

وصل يوسف وكاميليا أخيرًا إلى عروس البحر الأبيض المتوسط، وهي ما زالت نائمة بين جنبات صـ,,ـدره، حتى إنه تمنى لو أن الطريق يطول كثيرًا حتى يستطيع التنعم بهذا الشعور الممتع. ولكن هكذا هي الحياة، دائمًا ما تنتهي اللحظات الجميلة سريعًا. قام بتمرير أصــ,,ـابعه فوق ملامحها يرسمها بدقة، فكانت حركاته خفيفة كالريشة، لكنها تحمل في طياتها مشاعر عشــ,,ـقٍ خالصٍ تستوطن جميع خلاياه. مما جعلها تتململ في نومتها إلى أن فتحت عينيها، فناظرتها زرقة مياه البحر الصافية المُترقرقة في عينيه، والتي امتزجت بذلك العسل الذائب في عينيها، ليحدث تيارٌ كهربائي غيّب العقول لثوانٍ، وتولى العشــ,,ـق دفة القيادة.

قام يوسف باحتواء كريزيتها بشغف، وهو يتلذذ بنبيذ الخمر الذائب في ريقها، وأخذت أمواج العشــ,,ـق تجرفهما حتى غرقا فيه بلا عودة.

انت في الصفحة 5 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى