وقد كانت هي الأخرى تشاطره الشعور، فقامت يداها باحتوائه بلهفةٍ يعانقها الخجل، لتزيد من جنون مشاعرٍ بالكاد يستطيع السيطرة عليها. أخذ يُعمّق اقترابه أكثر، وكأنه طفل يتلذذ بقطعة حلوى رائعة هبطت من الجنة، لتجعله يحلّق في سمائها من فرط السعادة. لكن أجسادنا ليست كأرواحنا، يُهلكها العشــ,,ـق كثيرًا حتى تصرخ طالبةً الاستغاثة. وهذا ما كان حال رئتيهما اللتين أجبرتا كليهما على الانسحاب، ليظلا يلهثان جراء هذه الرحلة المفعمة بكل أنواع المشاعر الخارقة. ظلا على حالهما لثوانٍ، وربما دقائق، لا يمكن حساب تلك اللحظات التي يختطفها عاشقان من وسط صخب الحياة.
ظلّ الصمت قائمًا حتى قطعه يوسف قائلًا: _ نفسي أقدر أروي قلبي منك. مهما قرّبت منك مبشبعش أبدًا. دا سحر ولا إيه؟ كانت كاميليا ترتجف كورقةٍ في مهب الريح، ريح عشــ,,ـقه الجارف الذي يأخذها إلى جنةٍ لم تكن تحلم بها يومًا. وجاءت تلك الكلمــ,,ـات لتُلهب في داخلها كل خليةٍ تصرخ بعشــ,,ـق ذلك الرجل الذي تكاد تجزم أنه حلم من فرط روعته. تملكها خجلٌ كبير عندما أخذت يداه طريقها تحت ذقنها يرفعها لتلتقي بعينيه اللتين تُطوّقان قلبها بأصفاد الهوى، ليقول بتلك البحة الرجولية القاتلة:
_ مردّتيش عليّا، دا سحر ولا إيه؟ ابتلعت ريقها بصعوبة، غير قادرة على قطع التواصل البصري بينهما، وقالت بنبرةٍ خافتة: _ أنا اللي مسحورة بيك يا يوسف… إنت بجد؟ إنت حقيقي؟ أنا بخاف تكون حلم من كتر جماله صدّقته… وفي النهاية— بتر جملتها بتصميمٍ كبيرٍ نابع من عينيه قبل لهجته: _ صدّقيه يا كاميليا، عشان هو أكتر حاجة حقيقية هتقابليها في حياتك. _ نفسي أفضّل جنبك كده عمري كله. _ مش هسمحلك تبعدي أصلًا. _ مش هقدر أبعد… أصل قلبي لما بيتخيّر بيني وبينك، بيختارك إنت.
ابتسم يوسف بحبٍ تناثر من بين حروفه حين قال: _ بعد ما نلاقي كارما وغرام إن شاء الله، هنعمل فرحنا. مش هقدر على بعدك أكتر من كده. كلمة واحدة خرجت من بين شفتيها دون أن تفكر ولو ثانية جعلت قلبه يتراقص فرحًا: _ موافقة. وكأن الإجابة خرجت من قلبها إلى قلبه مباشرة، ليشعر به يتراقص داخله. فاحتواها بحبٍ جعلها تُلقي رأسها بين ضلوعه كحال همومها، وقالت بلهجة حزينة: _ أوعدني إنك ترجعلي كارما وغرام يا يوسف؟
أجابها بلهجته الواثقة التي دائمًا ما تبعث الراحة في نفسها: _ أوعدك، إن شاء الله هلاقيهم وأرجعهم بيتهم بالسلامة. ما من شيءٍ يُسعد المرأة أكثر من أن تجد ذلك الكتف الذي يُنصت لارتجافها قبل كلمــ,,ـاتها فتتكئ عليه في لحظات ضعفها، و كأنه خُلق لتستكين بجانبه روحها المتعبة، فذلك يمنحها أقوى شعور في العالم وهو الأمان، فالأمان ليس شعور فقط بل هو وطن يحتوي الأرواح التي تاهت لوقت طويل، فمتى وُجد هذا الوطن أعلن القلب استسلامه طواعية ورفع رايته أمام طوفــ,,ـان العشــ,,ـق.
نورهان العشري بعد مرور ثلاثة أيام، كانوا جميعهم مجتمعين في بيت فاطمة، التي قامت بزيارة هاشم الرفاعي بناءً على طلب عليّ، نظرًا لسوء حالته، وكان ذلك باتفاقٍ مسبقٍ مع جده، بعد أن قطع آلاف الوعود بعدم مضايقتها، خوفًا عليها من معرفة تلك الكارثة. مرّت الأيام الثلاثة في بحثٍ مُضنٍ من كل جانب، فقد سخّر يوسف جميع معارفه للبحث عنهم، وكذلك مازن الذي كان القلق ينهش عقله، فأصبح كالمجنون لا ينام ولا يتناول الطعام، يصرخ أحيانًا ويصبّ جام غضــ,,ـبه حتى على علبة سجائره، في محاولةٍ للتنفيس عن ألمه وغضــ,,ـبه.
أما كاميليا، فقد قضت معظم أوقاتها بالبكاء والصلاة والتضرّع إلى الله أن يحفظ بنات خالتها، وكان يوسف إلى جانبها لا يتركها إلا في أوقات البحث. وبين عليّ الذي كان الذنب يأكله لاعتقاده أنه أهمل في حمايتهم، وروفــ,,ـان التي كانت دائمًا بجانبه، وبين ذلك الذي كان كتمثالٍ نُحِت من حجر؛ لا يتكلم، ولا يبكي، ولا يثور، فقط صامتٌ يبحث ويبحث ويبحث… لم ينطق لسانه إلا بالقليل، وكأن شفتيه أعلنتا اعتزال الحديث حدادًا على غياب حبيبته. حتى جفونه أبت الانغلاق والتسليم للنوم، وهو لا يدري شيئًا عن مكانها.
تسلطت عليه كلّ المشاعر الإنسانية المُرهقة حتى شعر أن قوى الأرض كلّها قد اجتمعت لتعاقبه على ما فعله بحقها. لم يكن يكفيه ألم غيابها، حتى زاده الله ألم الشعور بالذنب. ولم تخفَ حالته على أخيه، الذي توجه إليه عندما وجده يقف على الشرفة يتطلع أمامه بنظراتٍ ضائعة، فبادره بالحديث قائلًا: _ لما ربنا بيحب حد، بيبتليه عشان يشوفه هيصبر ولا لا؟ هيلجأ له ولا لا؟ ربنا بيبقى مشتاق يسمع صوت عبده وهو بيدعيه وبيشكيله، ولما العبد بيرجع لربنا وبيصبر، ربنا بيكافئه على صبره.
أهم حاجة الإنسان يستفيد من البلاء أو المحنة اللي هو فيها، إنه يقرب من ربنا يا أدهم. أنهى كلمــ,,ـاته، وربّت على كتفه، ثم نظر إليه نظرةً مشجعة وانصرف إلى الداخل. أما أدهم، فشعر أن رئتيه ستنفجران من شدّة الاختناق، وأن الهواء لم يعد قادرًا على الوصول إليهما. رفع بصره إلى السماء برجاءٍ صامت، بروحٍ تبكي وقلبٍ ينزف حزنًا على فراق الحبيبة، لتقوده قدماه تلقائيًا إلى الحمّام، فتوضأ، ثم دخل غرفة حبيبته، ينظر إلى محتوياتها بقلبٍ يقطر وجعًا.
جلب سجادة الصلاة، وفردها، ثم شرع في الصلاة، وما إن لامس جبينه الأرض، حتى هطلت الدموع التي كانت ستُفجِّر مقلتيه من شدّة الألم، وهو يقول بقلبٍ مفطور: _ يااااااارب… كلمةٌ كانت تحمل في طيّاتها من الوجع ما لا يطيقه قلب إنسان. ظل يكررها مرارًا حتى خرجت بعدها الكلمــ,,ـات من أعماق قلبه دون إرادةٍ منه: _ يارب، متعاقبنيش بيها… أنا عارف إني غلطت، وأستاهل، بس إنت كريم أوي يا رب، وأنا ضعيف أوي… مش عايز حاجة من الدنيا غير إنها ترجعلي وتبقى بخير… ياااارب…
اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس. ظل أدهم على حاله وقتًا ليس بالقليل، يناجي الله بكل ما يعتمل في صـ,,ـدره من وجع، ودموعه تحكي ندمه الذي كان يأكل خلايا قلبه. وحين انتهى، نظر حوله مرةً أخرى، واستنشق عبيرها الفاتن الذي ما زال يسكن جدران الغرفة، ثم خرج منها على صوت جرس المنزل، وتلك الكلمــ,,ـات التي جعلت قلبه يكاد ينخلع من مكانه: _ أنا عرفت مكان كارما وغرام…