Uncategorized

ظـ,ـلمـ,ـات بقلم رانيا الخولي

ذهب جود إلى ابنته التي تحسنت حالتها فور رؤيته وأخذها ليعيد إليها التحاليل وعرضها على استشاريين وجميعهم أكدوا نفس الشيء، وعندما حاول والد ياسمين التحدث معه في أمر ابنته رفض جود وأخبره أنه لا يود الإنشغال بشيء سوى ابنتها وسيأجل التحدث في هذا الأمر حاليًا، وبعد مرور يومين لم تحاول إيمان الإتصال به وهو لم يرد الإتصال بها حتى يصل إلى حل فعليه الذهاب غدًا إلى عمله حتى ينهي بعض الأوراق ويترك العمل لحسين حتى تستقر حالة ابنته وبعدها يعود إليه.

وبالفعل ذهب جود إلى عمله وأنهى الأوراق المطلوبة، وأثناء عودته مر من أمام المتجر الذي تعمل به فوجدها واقفه أمامه تنظر إليه نظرة يملأها العتاب، حاول هو تجاهلها لكنه لم يستطيع، أصدرت سيارته ضجيج عندما توقف بها فجأه ثم عاد إلى الخلف حتى استقر أمامها وقال بثبات: _ اركبي. لاحت نظرة رضا على ملامحها واومأت له وصعدت بجواره بعد أن تركت الفتاة التي تعمل معها في المتجر حتى تعود. وعند وصولهم إلى المكان الذي اعتادوا التواجد به ترجل جود من السيارة مستندًا بظهره عليها بعد أن أغلق الباب

وفعلت هي المثل لتقف بجواره قائلة: _ أنت جايبني هنا عشان تقف ساكت؟ نظر جود إلى البعيد وقال: _ عايزانى أقول إيه؟ قالت برجاء: _ أي حاجة المهم متقفش ساكت كدة، أنت متعرفش صمتك ده بيعمل فيا إيه؟ تنهد جود بتعب شديد ثم نظر إليها حائراً، لا يعرف هل يخبرها بأمر ياسمين ام ينتظر قليلاً، يعلم جيداً أن اعترافه هو نهاية قصتهم التى لم تكتمل بعد لكنه أراد الوضوح أمامها حتى لا يكون مخادعاً وقال بدون مقدمات

_ ياسمين لسة على ذمتي، الطلا.ق موقعش. ألجمت الصدمة لسانها عن النطق، وشعرت بأنه نحرها بنصل بارد، وغصة متعلقة في حلقها جعلتها تزدرد ريقها بصعوبة وقالت: _ يعنى إيه مش فاهمة؟ زفر جود بضيق شديد وقال: _ يعني لما طلقتها كان فى سبب لعدم صحته وعشان كده الطلا.ق موقعش. أغمضت عينيها بألم لاحظه هو وأردف _ للأسف مش هقدر أوعدك بحاجة دلوقت، وبردوا مش هقدر أطلقها بعد اللي حصل لنور. اومأت إيمان بصمت ثم تركته وذهبت في طريقها ، لم يوقفها بل تركها تمضي بدونه، ربما ذلك أفضل لها.

ضاق بها ذرعًا لم تعد تتحمل قسوة ذلك الزمن ليس لها مكانٌ به، سترحل عنه بدون رجعة، رأت إحدى سيارات النقل الثقيل تقترب منها وصوت الأبواق يدوي في أذنها كي تبتعد لكنها أصرت على البقاء وهي ترحب بظلام دامس ينتشلها من تلك الحياة وتنتهى معاناتها التى ازدادت منذ معرفته. انتفض جواد في وقفته عندما سمع صوت الإطارات التي احتكت على الطريق لينقبـ . ــض قلبه وهو ينظر لذلك التجمع، فحدثه قلبه ربما تكون هي فأسرع الخطى نحو ذلك التجمع لتتسع عيناه فور رؤيتها..

الفصل الأخير لم ينتظر سيارة الإسعاف بل حملها بين يديه وأسرع بوضعها داخل السيارة، وانطلق بها حتى وصل إلى أقرب مشفى ليسرع بحملها وولج بها للداخل وهو يصيح أن ينجدها أحد. تجمع الجميع حوله وقاموا بأخذها الى غرفة الطوارئ، وارتمى هو على أحد المقاعد وهو يدعوا ربه أن ينجيها، جاءت إليه إحدى الممرضات تخبره أنهم يريدونه عند الإستقبال كي يدون البيانات الخاصة بالحالة، وبعد انتهائه اتصل على حسين يخبره بما حدث وطلب منه الذهاب لأهلها حتى يخبرهم بما حدث، وبالفعل لم يمضِ دقائق معدودة حتى وجد أخويها يسرعون إليه، فقال أحدهم:

_ خير ايه اللى حصل؟ اختى مالها؟ رد جود بهدوء رغم ما بداخله من رعب _ متقلقوش خير أن شاء الله، هى كانت بتعدى الطريق ومأخدتش بالها من العربية وقال الآخر _ هو أنت اللي جبتها المستشفى؟ اومأ له جود بصمت، فقال له شقيقها بامتنان: _ متشكر جدًا لحضرتك. وقال الآخر بجمود: _ محدش طلع من جوه يعرفنا في إيه. قال جود باقتضاب: _ لأ، لسه محدش طلع. اومأ له وقال الآخر: _ خليك أنت هنا يا محمد لحد ما اروح الإستقبال أشوف المطلوب وآجي.

_ أنا عملت كل حاجة ملتهم البيانات وعملت كل حاجة. قالها جود بجمود ليندهش أخيها قائلًا: _ وأنت عرفت اسمها ازاي؟ رد جود ببساطة: _ كان معايا حد يعرفها وهو اللي اتصل بيكم. قال محمد وهو ينظر إليه نظرات ثاقبه _ أنت تعرف حسين؟ اومأ جود _ آه شريكي في الشغل. كانت نظرات أخيها مصوبة ناحيته وكأنه يستشف صدق كلامه حتى قاطعهم خروج الطبيب من عندها وهو يقول بإرهاق: _فين والدها. أسرع إليه الجميع ما عدا هو لكنه سمع أخيها يقول:

_ أنا أخوها، خير يا دكتور. قال الطبيب: _ هي الخبطة كانت شديدة أوي بس الحمد لله نجت بأعجوبة، هي عندها ك.سر في الضلوع وتاني في ذراعها وشوية كدمات بسيطة، ونحمد ربنا إنها جات على اد كده. لم يستطيع جواد البقاء أكثر من ذلك كي لا يشك أحد بأمره واستأذن منهم بعد أن رأها تخرج من غرفة الجراحه وخرج من المشفى وقد شعر بالهموم تتراكم حوله، ذهب إلى حسين الذي انتظره في المقهى وجلس بجواره قائلًا:

_ إيه الأخبار؟ أغمض جود عينيه بإرهاق وقال: _ الحمد لله تقدر تقول جات سليمة. _ واللي حصل ده كان صدفة ولا ميعاد؟ عقد جود حاجبيه بعدم فهم وقال _ هو ايه؟ رد حسين بمغزى _ وجودك فى المكان ده وقت الحـ .ــادثه؟ زفر جود بتعب وقال: _ مكنش صدفة ولا ميعاد. عقد حسين حاجبيه بعدم فهم وقال:. _ فزورة دي ولا إيه؟ هز جود كتفيه وقال: _ لا مش فزورة تقدر تقول كدة كان وداع مؤقت.

هز حسين رأسه بضجر وقال: _ استغفر الله العظيم، أنت هتتكلم زي الناس ولا اسيبك وامشي. جاء النادل ليطلب كلًا منهم قهوته وبعد انصرافه قص عليه جود كل شيء منذ أن اصتطدمت بسيارته حتى فراقهم الآن دون الدخول في التفاصيل وبعد الانتهاء. _ هي دي كل الحكاية. ساد الصمت بينهم وقد تصلبت ملامح حسين وكأنه نادم على شيء، وقال جود: _ ساكت ليه؟ زم حسين فمه قبل أن يقول: _ جود أنا لما كلمتك عنها مكنتش أقصد حب وارتباط، أنا كان قصدي تخرج من اللي أنت فيه، يعني تتسلى شوية وخلاص إنما جواز لأ.

اومأ جود بحزن وقال: _ أنا كمان كنت واخد الموضوع تسلية بس معرفش إيه اللي بيحصلي لما بشوفها واسمع صوتها، بحس إن حاجة جوايا بتشدني ليها لحد ما لقيت نفسي واقع لشوشتي زي ما بيقولوا. لاحظ جود شروده فقال: _ حسين أنت روحت فين؟ التفت إليه حسين: _ ها… لا أبدا معاك، بس أنت ناوي تعمل إيه؟ تلاعب جود بالكوب وقال: _ مش عارف، أهم حاجة إني أطمن عليها الأول وبعدين أفكر، أنا سايبها وماشي غصب عني عشان ميعاد الدكتور بتاع نور وبعد ما أطمن عليها هرجع على طول.

وفي اليوم التالي تفاجئ جود باسمها يزين هاتفه فأسرع بالرد: _ إيمان عاملة إيه دلوقت؟ ردت إيمان بصوت مجهد: _ أنا الحمد لله كويسة، أنا بتصل عشان أشكرك على اللي عملته معايا، لما محمد أخويا قالي أن في شاب هو اللي خدني في عربيته وجابني المستشفى قولت أكيد أنت. ساد الصمت قليلاً وكلاً غارقاً فى تفكيرة وقلقه على الاخر هى تخشى فراق لا محال منه سواءً كان عاجلاً أم آجلا، لا تريد سوى البقاء مع هذا الرجل الذى تشعر معه لأول مره بتلك المشاعر التى ظلت تبحث عنها فى اى رجل تقابله، لكنها لم تجده مع أحد سواه

وأما هو فقد أكدت له فعلتها بصدق مشاعرها تجاهه ليضع كلتاهما فى مقارنه يعلم جيداً من الرابح بها، بين امرأتين ، إحداهما تهتم وأخرى لا تبالى _ إيه اللي خلاكى عملتي كده. سألها جود رغم أنه يعلم الاجابه جيدًا ، لكنه أراد أن يسمعها منها فأتسعت ابتسامته عندما ردت إيمان بصوت مجهد: _ المــ . ــوت وفراقك واحد، ولما أنت اخترت الفراق مكنش ادامى غير المــ . ــوت. دق قلبه كالطبول وهو يسمع اعترافها بكل ذلك العشق تجاهه، فقال بصدق لامس مشاعرها:

_ أنا كمان يا إيمان بحبك وصعب عليا أكمل من غيرك بس الظروف واقفة ضدي، ومرض نور تقدري تقولي كده ك.سرني وخلاني مش عارف أعمل إيه. _ لو طلبت مني استناك هستناك العمر كله. _ أنا حاليًا مش عارف هعمل إيه، بس كل اللي أعرفه إني مقدرش أعيش من غيرك، أنا هقعد معاها النهاردة وإن شاء الله هلاقي حل لوضعي معاها..

وقفت ياسمين في الشرفة تنتظر مجيئه وتفكر فيما يخص حياتهم، هو يرفض البقاء معها ولا تلومه على ذلك، هي وحدها الملامة، استيقظت من غفوتها لكن للاسف متأخرة، كم نصحها والدها بالحفاظ على زوجها، كم نبهها الجميع حولها بأخطاءها لكنها كانت ترفضها وألقت بكلام الجميع عرض الحائط، تتذكر كلمات خالها لوالدتها عندما أخبرته بما حدث. “صدقينى يا صفاء أنا لو مكان جود كان زماني طلقت بنتك ور.متها من زمان” نزلت العبرات من عينيها ندمًا على أفعالها وقالت بألم:

_ يا ريت الزمن يرجع بيا عشان أصحح اللي عملته ده، سامحني يا جود سامحني. انتبهت على صوت صغيرتها تخبرها بمجيئه، فأسرعت بتبديل ملابسها وخرجت إليه لتجده جالسًا مع والدها فتقدمت منهم لتجلس بجوار والدها الذي قال: _ أنا هسيبكم تتكلموا مع بعض وشوفوا هتعملوا إيه. بعد خروج والدها نظرت ياسمين إليه لتجده يشيح بوجهه بعيدًا عنها، أخفضت عينيها بخزي منه وقالت: _ أنا عارفة إنك مش طايق تبص في وشي، بس المرة دي غير أي مرة، أنا فعلا ندم…….

قاطعها جود بحدة: _ أنا مش جاي أسمع ندمك، أنا جاي أشوف طلباتك لأن رجوع تاني مش هيحصل أغمضت ياسمين عينيها بألم من قسو.ة كلماته لتذوق هى من نفس الكأس الذى تجرعه من قبل على يدها، وخاصةً عندما أردف _ وعشان تخرجى من اى امل فى رجوعنا لبعض، أنا هتجوز. رمشت بعينيها مرات متتاليه تحاول استيعاب ما قاله، لتشعر بغصه مؤلمه فى حلقها جعلتها تنظر إليه بذهول وتقول بصدمه _ إيه؟ رد جود بعناد:

_ أيوة هتجوز ، أنا بعرفك بس عشان متبنيش أمل على الفاضي، إحنا خلاص كل اللي بنا انتهى لحد كده أنتِ بالنسبالي غلطة مش ممكن تتكرر تاني، يا ريت نخرج من حياة بعض بشكل حضاري لأن رجوع تاني مش هيحصل. أغمضت ياسمين عينيها وقد شعرت بنصل حاد يخترق قلبها، وقالت بألم: _ وولادك؟ اعتدل جود فى جلسته وهو ينظر إليها ليقول ببرود قاتل _ وأنا جاي عشان كدة، أنا مش عايز أحرمك من الولاد وفي نفس الوقت أنا مش هآمن عليهم معاكي، أنا فكرت في حل لو يناسبك تمام، مش هيناسبك يبقى انتى اللى اخترتى.

اهتزت نظراتها فى وجل وقالت _ إيه هو؟ _ تفضلي على ذمتي. صمت قليلاً متلاعباً باعصابها كما كانت تفعل معه من قبل، ليرى بريق امل ارتسمى داخل مقلتيها وتابع _ بس هيكون عشان الولاد لا اكتر ولا اقل . وتقعدي في شقة ماما، انتي عارفة أمير كلها شهور ويتجوز وماما هتكون لوحدها في الشقة، هتقعدي معاها عشان أكون مطمن عليهم، كده يا إما عاد بظهره للوراء ليخرج تنهيده قويه من صدره ويتابع _ ياإما كل واحد مننا يروح لحاله وبردوا هتسيبهم.

لم تصدق ياسمين ما تسمعه، محال أن يكون هذا جود الذي كان يسامح من ابتسامه أو كلمة بسيطة، هل أوصلته بأفعالها إلى تلك الدرجة؟ فقالت بدون وعي: _ على قد ما شوفت منك حنان على قد ما بشوف منك قسوة. نظر إليها مطولًا ليجد حقًا نظرة انكسار لم يراها من قبل داخل مقلتيها، لا ينكر أنه أحبها بكل جوارحه لكنها ولدت بداخله جفاف ناحيتها مهما روته من حبها لن يكفيه ولن يشبعه: _ انتي اللي وصلتي نفسك لكده ف متلوميش إلا نفسك.

نهض جود وقال: _ أنا هسيبك تفكري وهستنى ردك. وبعد خروجه دخل والديها كي يعرفوا ما توصلوا إليهم فقصت عليهم ما حدث لينفعل والدها قائلًا: _ دا باين عليه اتجنن، عايز يتجوز ويعيش حياته وبنتي تربيلوا الولاد؟ مستحيل، انتي لازم تطلقي منه وتسيبيلوا العيال. _ بس أنا موافقة. قالتها ياسمين بلهجة حادة نسبيًا، فنظر لها والدها بصدمة وقال: _ انتي بتقولي إيه؟ انتي اتجننتي. ردت بإصرار: _ لا أنا عقلت ولازم أصلح اللي عملته زمان، هدخل في منافسة معها بس هتكون منافسة شريفة لحد ما أرجع جوزي لحــ . ــضني من تاني.

صاح بها والدها: _ إن عملتي كدة لا انتي بنتي ولا اعرفك. تساقطت عبراتها بحزن عميق وقالت برجاء وهي تقبل يده: _ صدقني يا بابا أنا استاهل اللي حصلي، أنا اللي خليت جوزي عمل كده ولازم أتحمل، أنا مقدرش أعيش من غير ولادي، وبنتي دلوقت محتجاني أكتر من الأول، مقدرش أبعد عنهم وهما في اكتر وقت محتجني فيه.

انت في الصفحة 3 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى