ذنوب على طاولة الغفران الإثم الثاني عشر نورهان العشري
بدت شهية وهي مُرتبكة بهذه الطريقة، و خاصةً حين تفتحت الورود فوق وجنتيها، و أخذت شفتيها ترتجف من فرط الاحراج وربما الخوف، ف كانت مختلفة كثيرًا عن تلك الفتاة المتعجرفة الواثقة من نفسها، وقد حازت حالتها الجديدة على إعجابه ليحاول قمع ابتسامته على مظهرها خاصةً حين أجابته بنبرة حاولت جعلها ثابتة حين قالت
_ من سمع ما لا يعنيه سمع ما لا يُرضيه على فكرة. واصل اللعب على ثباتها حين قال بنبرة حادة
_ طب على فكرة يعنيني. هو أنتِ مش كنتي بتشتميني ولا انا سمعت غلط.
أسيا بحنق
_ اه سمعت غلط. كمال باندهاش
_ نعم. أسيا و قد بدأت تستعيد ثقتها المهزوزة حين قالت
_ أيوا سمعت غلط. انا مكنتش بشتمك انا كنت بعبر عن انفعالاتي و مشاعري و حضرتك اقتحمت اللحظة دي، و كدا مش لطيف على فكرة. انا هروح اجيب اللاب توب و اجي عشان نخلص اللي ورانا. قالت جملتها الأخيرة بتلعثُم قبل أن تفر من أمامه وتتوجه إلى مكتبها ليهتف كمال بغل
_ دانا هوريكي اللُطف اللي عمرك ما شوفتيه بس صبرك عليا.
كانت سلمى تشاهد ما يحدُث باندهاش سُرعان ما تداركته حين سمعت صوت كمال الصارم
_ مش عايز حد يقاطعنا. دلف إلى مكتبه وهو يتوعد لها سرًا، و خاصةً حين تأخرت في القدوم إليه لينصب عوده متوجهًا للخارج وحين أوشك على فتح باب الغرفة تفاجيء بها تدلف إلى الداخل ليحدُث تقارب غير مقصود بينهم جعله يقف وجهًا لوجه مع عينين تشبهان الزمُرد في توهجه الذي خ*طف أنفاسه للحظات تيبس كل شيء به إلا تلك النبضة التي تعثرت داخل قلبه والتي أحدثت ضجيج قوي داخله، وفي تلك اللحظة الخاطفة نبت برعُم صغير داخل قلبه قد يمر الكثير حتى يفهم سبب وجوده.
شعرت بحفنة من الوخزات الموترة تتفشى في سائر جسدها حين وقعت فريسة لنظراته التي كانت تخترق عينيها بطريقة أجفلتها لتقرر التصدي لتلك السهام المُنبعثة من عينيه إذا قالت بجمود
_ حضرتك خارج ولا ايه؟ تحمحم بخشونة قبل أن يقول بجفاء
_ حضرتي قاعد مستني حضرتك بقاله ربع ساعة. اقدر اعرف كنتي بتعملي ايه كل دا؟ عادت إلى جمودها بعدما استعادت ثقتها بنفسها مرة أخرى
_ اتناشر دقيقة بالظبط اللي اتأخرتهم، و كنت بجهز الأوراق و الدرافتس اللي كنت عملاها كلها عشان لو احتجناها.
اغتاظ منها كثيرًا، ولكنه لم يتحدث انما عغم إلى مكانه وهو يقول بجفاء
_ اقفلي الباب وتعالي. اطاعته مُكرهه لتتوجه إلى حيث يجلس و قامت بوضع ما تحمله من أوراق و جهازها اللوحي ليشرع كمال رأسًا في مناقشة الميزانية التي وضعتها، ولا يُمكنه إنكار إعجابه برجاحة عقلها و ذكائها، وقد كشفت تلك الساعات المنصرمة التي قضاها برفقتها عن شخصية جديدة تملكها تلك الفتاة التي أحتلت حيزًا لا بأس به من تفكيره.
انتهوا أخيرًا من تلك الميزانية التي عملت عليها بجد لتقول بجمود
_ اقدر اروح دلوقتي ؟
شيء ما داخله أستنكر ذهابها، ولكنه حاول جعل الأمر منطقياً حين قال بجمود
_ خمس دقايق والأكل اللي طلبته يكون وصل. كلي و بعدين روحي. آسيا باختصار
_ ميرسي. هاكل في البيت. كمال بهدوء مُثير للأعصاب
_مبخدش رأيك على فكرة. انا ضيعت عليكِ وجبة الغدا والعشا، و عشان كدا طلبت اكل ليا انا وأنتِ و سلمى اللي بالمناسبة مش هترضى تاكل لو أنتِ مشيتي.
اغتاظت من جملته الأخيرة، فهو يُريد جعلها تشعِر بالذنب تجاه الفتاة سلمى التي كانت تساعدهم طوال الاجتماع، والحقيقة أنها لم تكُن تهتم كثيرًا، ولكنها لا تُريد أن تُثير أي جدال معه لذا التزمت الصمت الذي لم يروق له، فقطعه قائلًا
_ قد كدا شايفة الشغل معايا وحش لدرجة أنه أسوأ من أن يدوسك قطر؟ عبأت صدرها بالهواء النقي قبل أن تقول بنبرة لا مُبالية
_ طبيعي أن الإنسان لما بيتعصب بيخرج منه ردود أفعال ممكن تكون غير محسوبة أحيانًا، وممكن تكون متهورة.
_ و رد فعلك دا كان غير محسوب ولا متهور؟ هما استفهم بتسلية قابلتها بالجدية حين قالت باختصار
_ اللتنين. كمال بابتسامة لعوب
_ بس دا ضد طبيعتك. قاطعته بجفاء
_ و حضرتك تعرف طبيعتي منين؟ حاوطتها عينيه بطريقة أجفلتها وخاصةً حين قال
_ اقصد طريقتك اللي بشوفها منك من اول ما اتعينتي هنا في الشركة. مش دي طبيعتك بردو ولا أنا غلطان؟ لم ترتح لنظراته ولكنها جابهتها حين قال بجمود
_ طبيعه الانسان عمومًا بتتغير على حسب الناس اللي بيتعامل معاها، فبالنسبة لأن حضرتك مديري وانا موظفة عندك، فأيوا دي طبيعتي.
فطن إلى المغزى وراء حديثها فهتف بتساؤل
_ افهم من كدا أن في طبيعة تانية مختلفة بتتعاملي بيها مثلًا مع الناس القريبة منك اومأت آسيا قبل أن تقول باختصار
_ يعني. باغتها ذلك الاستفهام الذي كشف الغمامة عن ذكريات مريرة وجراح لازالت نازفة حين قال
_ أنتِ ليه مابتحبيش ميرهان ؟ أصبح صدرها يعج بالصرخات التي تود لو تُطلقها في وجهه لتخبره بأنها لا تحبه هو الآخر ، و ذلك لكونهم أُناس معدومين الضمير، والإنسانيه، ولكنها ارتكزت على ذخيرتها من الثبات حين قال بجفاء
_ ليه مش العكس؟
توقع أن تراوغه لذا قال بسلاسة أدهشتها
_ عشان أنا واثق أن مريهان اختي متعرفش يعني ايه كره! مابال هذا الرجُل اليوم، فهو يحاول بكل الطرق أن يجعلها تغرز مخالبها في وجهه، فهو إما يمزح أو مختل لذا!
_ مفيش حد في الدنيا ميعرفش يعني ايه كره! بس في ناس موهوبة في الخداع. ابتسم كمال على حديثها على الرغم من ان لمحة الحزن التي لونت عينيها لوهلة لم تفُت عليه لذا حاول أن يكون مُنصفًا حين قال
_ انتوا أصغر من كل الحاجات دي على فكرة .
_ اللي هي ايه الحاجات دي؟ كمال موضحًا
_ الكُره و الخداع و المصطلحات الكبيرة دي. لم تفلح في قمع الكلمات التي غافلتها و خرجت من بين شفاهها حين قالت بسخرية
_ على الرغم من أنك بيزنس ماه ناجح بس اعتقد ان معندكش أي خبرة في الحياة. برقت عينيه من حديثها، فللمرة الثانيه التي تتجاوز حدوده معها، ولكنه الصبر كان من شيمه و خاصةً مع أنثى مثلها. لذا هتف بنبرة خشنة
_ أنتِ مسنودة على ايه وأنتِ بتتكلمي معايا بالطريقة دي يا آسيا؟
باغتته إجابتها حين قالت بنبرة لم تخلو من اللوعة
_ خالص. أنا ضهري للطل زي ما بيقولوا. معنديش حد ولا حاجه اتسند عليها. رغمًا عنه اعتدل في جلسته وهو يقول باندهاش
_ اية؟ آسيا بابتسامة ساخرة يشوبها مرارة عرفت طريقها إلى قلبه
_ أه. متستغربش. يعني مثلاً معنديش أخ يقف يدافع عني لما واحدة زي مريهان تهيني. زي ما انت عملت معاها، و مش بنت عيلة غنية و ليها نفوذ في كل مكان، فاهروح اجري على بابا وماما اشتكيلهم أن في حد زعلني. بالعكس. دانا مقدرتش احكي لماما اي حاجه عشان مهينهاش هي كمان. شفت بقى انا اقصد ايه!
كانت إجابه قاتلة اخترقت جدران قلبه الذي ارتج حين رأى تلك العبرات التي تترقرق في مقلتيها، ولكنها تحاول قدر الإمكان في التحكُم بها، ولم تكتفي بذلك بل فاجأته حين نصبت عودها وهي تقول بابتسامة هادئة
_ هروح اكل مع مروة. عن اذنك. لم تِعطيه الفرصة للحديث إنما توجهت إلى الخارج وبداخلها براكين من الغضب يناطحه ألم عظيم داخل صدرها مما عزز من نيران الانتقام الذي يتناقض كُليًا مع شعوره تجاهها في هذه اللحظة.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقّه وجلّه، وأوله وآخره، وعلانيته وسره، اللهم إني أسألك رضاك والجنة وأعوذ بك من سخطك والنار♥️ ★★★★★★★★★★ _ مالك يا جميلة ؟ شكلك تعبان ! هكذا تحدثت ضحى صديقة جميلة التي كان الألم جليًا على ملامحها لتُحيب بتعب
_ الزايدة تعباني اوي يا ضحى، و الدكتور قالي لازم تتعمل و الظروف زي الزفت، ومعناش فلوس العملية. تعاطفت ضحى مع صديقتها قائلة
_ يا حبيبتي يا جميلة سلامتك ألف سلامة. طيب هتعملي اي؟ دي ممكن تنفجر و دا خطر على حياتك.
جميلة بحزن
_ والله مانا عارفه يا ضحى و صعبان عليا اقول لشروق انا عارفه ظروفها احنا عايشين بالعافية والله. دي لسه متصرفالي في فلوس درس الكيميا. ضحى باستفهام
_ طيب مش هي كانت معاكي عند الدكتور وسمعت اللي قاله؟ _ ايوا كانت معايا بس انا قولتلها اني خفيت على العلاج، و مردتش اقولها اني لسه تعبانه. فجأة هتفت ضحى بحبور
_ تصدقي أنتِ بنت حلال! افتكرت دلوقتي صاحبتي كانت بتقولي أن الدكتور الجراح اللي هي بتشتغل عنده بيعمل عمليات للناس الغلابه ببلاش في مستشفى (..) انا هقولها عليكِ وهي تقوله، وان شاء الله يعملهالك.
كانت كالغريق الذي وجه القشة التي ستنقذه فهتفت بلهفة
_ بجد يا ضحى الله يباركلك كلميها حالًا. قامت ضحى بإجراء اتصال بصديقتها التي ما أن أجابته حتى هتفت بلهفة
_ ازيك يا مرفت عاملة ايه؟ كانت تستمع إلى الرد على الجانب الآخر وبعد تبادل السلامات اخبرتها بما تريد قائلة
_ بقولك ايه الدكتور الجراح اللي انتِ بتشتغلي عنده كنتي بتقولي أنه بيعمل عمليات للناس اللي على قد حالهم ببلاش صح ولا ايه؟
_ ايوا . له على شهر عملية ببلاش بيشوف اكتر حاله محتاجه و يعملها العملية
ضحى بلهفة
_ طب بقولك ايه صاحبتي الزايدة عندها مُلتهبة و لازم تعملها وهما ظروفهم صعبة اوي، فأيه رأيك تقوليله ولو عايزة تيجي يشوفها و يكشف عليها. صمتت مرفت لثوان قبل أن تقول باستفهام
_ طب بقولك ايه ؟ هي بنت ولا مدام؟ ضحى باندهاش من استفهامها
_ بنت . بس دا ايه علاقته؟ تحمحمت مرفت وقالت بتلعثُم
_ لا عادي. بسأل بس. ماشي هاخد معاد منه و ابلغك.
أغلقت الهاتف فقالت ضحى بحبور
_ قالتلي هتاخدلك معاد منه و تكلمني.