قام الطبيب بفحصه قبل أن يُعطيهم بعض التوجيهات ثم انصرف، فاقترب «يزيد» يساعده في الجلوس وهو يحاول كتم أوجاعه ليستند برأسه فوق الوسادة خلفه ناظرًا إلى البعيد غافلًا عن ألمه الذي تبلور بوضوح في عينيه لتقترب «هيام» منه واضعه قبلة دافئة فوق جبهته وهي تقول بالقرب من أذنه:
_ والله ما تستحق وجعك دا يا قلب أختك. ارميها من قلبك و من حياتك هو دا اللي تستحقه. كانت الكلم\ات كالخناجر تُمزقه، ولكنه مُجبر على الصمود حتى ولو لدغته الأحرف قبل أن تمُر عبر شفتيه حين أجابها:
_ راحت لصاحب نصيبها.
طغى الحزن و الألم على ملامحه، و بات يستجدي ثباته حتى لا يتناثر الوجع من عينيه فلو خسر قلبه فلن يخسر كبرياؤه أيضًا، فما أقسى ان يُجرد الإنسان من كل ما يملكه في الحياة. طرق خافت على باب الغرفة جذب انتباه الجميع ثم أطل منه ذلك الرجل الخمسيني وهو يتحمحم قائلًا بنبرة خشنة:
_ السلام عليكم ورحمه الله وبركاته. أجاب الجميع في صوتًا واحد :
_ عليكم السلام ورحمه الله وبركاته. اتفضل يا حاج جابر.
هكذا تحدث «يزيد» ليقوم «جابر» بوضع تلك الأكياس من يديه ثم يتقدم منه يصافحه و الطبيب كذلك قبل أن يُلقي بنظرة خاصة على تلك التي تخفض رأسها في استحياء ليوجه حديثه إلى «ياسر» قائلًا :
_ ألف لا بأس عليك يا ياسر. عامل ايه يا ابني دلوقتي ؟ «ياسر» بخشونة:
_ الله يسلمك يا حاج جابر. انا كويس الحمد لله مكنش في لزوم تتعب نفسك. «جابر» بابتسامة بشوشة :
_ تعب اي بس دا انت اخويا الصغير.
أطلق زفرة حارة من شفتيه قبل أن يتشكره بهدوء لتقول «هيام» بنبرة مُمتنة:
_ والله يا ياسر دا الحاج جابر مسبناش من وقت ما انت عملت الحـ,ـادثة. له تلت أيام رايح جاي علينا و بيطمن عليك من الدكاترة على طول. كان بيتمم علينا الصبح و بالليل والله. تحدث «يزيد» هامسًا بسخرية :
_ طبعًا لازم يتمم علينا مش مكس\رله عربية بتلتميت ألف جنيه ! كويس أنه مابتش هنا.
حدجته «هيام» بنظرة مُحزرة فابتسم «جابر» الذي وصلته كلم\ات «يزيد»، فتحدث بسلاسة :
_ الفلوس بتروح و تيجي يا يزيد لكن الراجل الجدع ميتعوضش، و ياسر جدع و راجل، و الحمد لله أنه قام بالسلامة. ابتسامة باهتة ارتسمت على ملامحه قبل أن تهتف «هيام» بلهفة:
_ الحمد لله، بس دا بردو حقك يا معلم جابر، و بإذن الله فلوس تصليح العربية علينا. التمعت عينيه وهو يُناظِرها قبل أن يقول بنبرة تخفي الكثير من المعان :
_ مفيش بينا الكلام دا يا ماز مزيل هيام.
تدخل« ياسر» قائلًا بخشونة:
_ دا حقك يا معلم جابر زي ما قالت هيام، وانا لا يُمكِن أكل حق حد حتى لو على رقبتي. حاول تفادي الحديث في هذا الأمر قائلًا بمراوغة:
_ وانا واثق من دا يا ياسر، بس خلينا نأجل الكلام دا لما تخرج بالسلامة. لازمن هاجي اطمن عليك، و وقتها يبقى يحلها الحلال. ★★★★★★
انقضى أسبوعًا كاملاً إلى أن تعافى من آلام جسده بدرجة كبيرة إلا من ذلك الكس\ر في ذراعه و قلبه الذي مازال يئن بقوة بينما كان هو يُعنــ,,ـــــفه بنفس القوة، فمن غمست السهم المسموم بمنتصف صدره هي نفس اليد الذي كان يظُن انها من ستُملس على أوجاعه لتهدأ. تلك المرأة التي لطالما شكى لها خذلان العالم له، لتفعل به ما هو أشد و اقسى مما كان يشكوه لها.
كان يقف أمام المرأة وهو ينظر إلى تلك الهيئة المُحطمة و الملامح الواجمة، و كأنه يُقيمها، و قلبه يطرح إستفهامًا مؤلمًا ” هل سنحيا بعد رحيلها؟ ”
تناثر الألم من مُقلتيه كإجابه مُختصرة عن ذلك الإستفهام، و ما خلفه غيابها من دمار، ولكن بلغته العقل بتلك الحقيقة المؤكدة وهو أنه لايزال حي. بالرغم من كل شيء، فهو حي. أي أن الحياة لم تقف عليها و لن تقف. هكذا عاهد نفسه قبل أن يمحو أذيال ضعفه والتي أخذت معها آخر ذرة حنان داخله. ليُقسِم في تلك اللحظة أن يحيا، فإن كان عش/قها قـ,ـتله ذات يوم، فسيحيا الآن وإلى الأبد دونها.
_ ياسر. يا ياسر. التفت ينظر إلى« هيام» التي دلفت إلى داخل الغرفة تناديه ليُجيبها باختصار:
_ نعم. _ بقالي ساعه بنادي عليك. علشان اساعدك وانت بتغير هدومك. مردتش عليا ليه بقى؟ اقترب« ياسر» يُلثِم كفها بحُب تجلى في نبرته حين قال:
_ محبتش اتعبك يا حبيبتي. كفاية الاسبوع اللي فات و بهدلتك معايا في المستشفى. اقتربت تحتوي وجهه بين يديها وهي تقول بحنو :
_ تتعبني! بقى معقول يا ياسر انا اتعب منك. دا انت ابني اللي مخلفتوش. حتة من قلبي و روحي. دانا قلبي اتخلع لما عرفت باللي حصلك.
امتدت يديه تحتويها بين ذراعيه وهو يقول بنبرة يتبلور بها الحزن رغم خشونتها:
_ خلاص يا هيام انسي. اللي فات خلاص م\ات. مالوش لزوم نفتكره تاني. رفعت بصرها إليه وهي تقول بأسى:
_ ياريت انت كمان تنسى، و اعرف انها مكنتش تستحقك. استهجن عقله صرخات قلبه المُلتاع ما أن أتت «هيام» على ذكرها ليقرر قط/ع كل الصلة بها و بذلك الماضي من حياته قائلًا بنبرة جافة و صارمة:
_ خلصت يا هيام. الموضوع دا ميتفتحش تاني، ولا حتى تلمحيله لا من قريب ولا من بعيد. مفهوم.
تتمنى من كل قلبها لو يشرع في سلك طرق النسيان لذا أرادت أن تساعده فقالت بتفهُم:
_ من عنيا ياخويا. اللي انت شايفة. قط/ع حديثهم صوت «يزيد» الحانق حين قال وهو أمام باب الغرفة:
_ الحاج عبد الغفور البرعي بره. التفت الإثنان إليه فقالت« هيام» بلهفة:
_ بتتكلم بجد نور الشريف عندنا؟ أجابها «يزيد» بسخط:
_ قصدك جابر الشريف. نجحت كلم\اته في رسم البسمة على ملامح «ياسر» الذي قال بسخرية:
_ انت حاطط الراجل دا في دماغك ليه يا ابني انت ؟ مش كفاية وقفتوا جنبنا ؟
اقترب «يزيد» منه وهو يعدل من وضع نظارته الطبية قبل أن يقول بجمود:
_ عشان متأكد ان الاهتمام دا مش لله في لله وراه مصلحة، و يارب ما يكون اللي في بالي صح! «هيام» بتهكُم :
_ و ايه هو اللي في بالك يا فالح ؟ «يزيد» بنبرة حانقة:
_خايف لا يكون طمعان في الجمعيه اللي هتقبــ,,ـــــضيها آخر الشهر. لم يستطِع« ياسر» منع ضحكته من الظهور على السطح قبل أن يقول بتوجيه لكمة قويه إلى كتف «يزيد» الذي انحنى متألمًا لتقول« هيام» بتشفي:
_ تستاهل عشان لسانك اللي عايز قط/عه. قال جمعية قال اتنيل.
«يزيد» بتفكير :
_ تفتكري يكون طمعان في صاحبة الجمعية؟ _ انا طالب القرب منك يا ياسر . هكذا تحدث «جابر» بعد أن اطمأن على صحة« ياسر» ليُباغته بتلك القنبلة التي تفجرت في المكان فجعلت ملامح الجميع تبرق من فرط الصدمة التي تداركها« يزيد» قائلًا باندهاش
_ نعم! طالب القرب منه في مين ؟ فيا ولا ايه مش فاهم ؟ تجاهل «ياسر» حديثه و قال موجهًا استفهامه الى جابر:
_ معلم جابر معلش وضحلي تقصد ايه؟
«جابر» موضحًا :
_ بقولك طالب ايد اختك هيام. انا عارف انك مخضوض بس انا راجل دوغري، و بصراحة اللي شفته من اختك في الاسبوع اللي فات. سواء جدعنتها و أدبها و وقفتها وسط الرجالة و كأنها راجل زيهم يخليني اقول إن هي دي الست اللي أأمن على نفسي معاها. نظف «ياسر» حلقه قبل أن يقول بوضوح:
_ بس انت كبير اوي عليها يا معلم جابر . أنا مش هكذب عليك. هيام دي مش اختي وبس دي أمي هي اللي ربتني انا ويزيد بعد مـ,ـوت ابويا و امي، و رفضت كل عروض الجواز اللي جتلها علشان متسبناش.
قاطعه «جابر» قائلًا بإعجاب:
_ ودا من ضمن الأسباب اللي خلتني عايز اتجوزها، و موضوع السن اتناشر سنه مش كتير، وانا مستعد لكل طلباتها. اؤمروني. صمت قليلًا قبل أن يقول بإذعان:
_ الأمر لله بس الموضوع ميخصنيش انا لازم اسأل صاحبة الشأن وهرد عليك. _ بتقول ايه يا ياسر ؟ جواز ايه و جابر مين ؟ لا طبعًا. هكذا تحدثت «هيام» بعد ما أخبرها «ياسر» عن رغبة «جابر» في الزواج منها فهي قد أغلقت هذا الأمر من زمن بعيد
_و ليه لا يا هيام؟ أنتِ لسه صغيرة، و من حقك تعيشي حياتك.
«هيام» بتحسُر:
_ صغيرة! تمانيه و تلاتين سنة و صغيرة يا ياسر. دي الناس حتى تضحك عليا. «ياسر» بنبرة حاسمة:
_ بصي يا هيام. دي حياتك والناس تولع بجاز، و أياكِ تحطي حد في دماغك اللي هيجيب سيرتك هقط/عله لسانه. فاهمة ولا لا؟ «هيا» م بلهفة:
_ ياخويا أهدى متبقاش حمقي كدا. انا بس.
تدخل« يزيد» بنفاذ صبر فقد كان صامتًا منذ بداية الحديث:
_ مفيش بس. دا واحد شاريكِ و عايز يتجوزك و دا شرع ربنا، و الراجل كويس. اينعم هو شبة عبد الغفور البرعي بس راجل محترم، و أنتِ من حقك تعيشي حياتك أو اللي فاضل منها. ها قولتي ايه؟ سانده «ياسر» في حديثه قائلًا :
_ و بعدين زمان أنتِ كنتِ بترفضي عشان احنا صغيرين. دلوقتي احنا كبرنا، و كل واحد فينا بقى قد الحيطة. مبقاش في سبب لرفضك زي زمان.
تفرقت نظراتها بين أشقائها بحيرة لأول مرة تنتابها في هذا الأمر، فهي عادةً ما كانت ترفض رفضًا قاطعًا ولكن الآن لا تعلم لما تتوقف الكلم\ات فوق شفاهها فهُناك ألف فكرة و فكرة تدور برأسها لذا حسمت قرارها قائلة :
_ موافقة لو هينفزلي كل شروطي.
اللهم استرنا بسترك الجميل الذي سترت به نفسك فلا عين تراك، ويد تمسك، ولا تفضحنا بين خلقك ولا تخزنا يوم القيامة اللهم أعل بفضلك كلمة الحق والدين. الخلق خلقك، والعبد عبدك، أنت الله الرؤوف الرحيم، أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض، كل حق هو لك، وبحق السائلين عليك، أن تقبلني، وأن تجيرني من النا*ر برحمتك. ♥️ ★★★★★★★★