تجمدت نبيلة بمكانها حين شاهدت تلك التي تصعد الدرج بمساعدة الحرس لتترك أقدامها للريح لتحملها خلف تلك الغرفة المُتهالكة و قلبها ينتفض من فرط دقاته، فقد تحقق ظنها و لحسن حظها فقد كانت تسبق خصمها بخطوة ولهذا جاءت إلى هنا، و لكن كانت تميز من الغيظ لأنه ليس في مقدورها معرفة ما يحدث في الداخل.
لم تكد تلتقط أنفاسها و تنفس ذرات الغضب العالقة بصدرها جراء ذلك اللقاء السيء مع هذه المرأة لتتفاجيء بتلك العجوز التي تقف أمام باب بيتها تناجيها بأعيُن يلتمع بهم شيء يُشبه الأسى، ولكنه لم يُزيدها إلا غضب لتقف أمام الباب كسد منيع قائلة بنبرة جافة
_ اقدر اساعد حضرتك في حاجه ؟ كانت عيني سعاد تطوف فوق ملامح شروق بشوق ولهفة لا تجرؤ عن التعبير عنهمَ فذنوبها تقف كالجبل الشامخ بينها و بين تلك الفتاة التي تكاد تقسم أنها علمت هويتها.
التفتت الى الحرس قائلة بلهجة آمرة
_ استنوني تحت.
انصرف الرجلان اللذان يحملان المقعد المتحرك الجالسة فوقه فالتفتت ناظرة إلى شروق التي كانت ملامحها جامدة لتقول سعاد بنبرة هادئة
_ عاملة ايه يا شروق؟ شروق بنفس جمودها
_ الحمد لله بخير. لم تتوقع منها أن تُلقي بنفسها بين أحضانها بل توقعت الأسوء من ذلك ولكنها رغمًا عنها تألمت فبدا ألمها ساطعًا في عينيها و تحشرجت نبرتها بالبكاء حين قالت
_ عمر قالي انك مش عايزة تعرفينا ولا عايزة أي صلة تربطك بينا. شروق بجمود
_ كويس أنه وصل الرسالة كاملة.
سعاد بهدوء رغمًا عن حزنها
_ انا مش جاية اجبرك انك تعرفي عيلتك، ولا حتى هطلب منك تتقبلينا. انا بس عايزة اقولك أن اللي راحت دي كانت بنتي، واللي حصل دا كان بيني و بينها، و عشان كدا ابوكي الله يرحمه بعتلنا و طلب مننا…
قاطعتها شروق بنبرة جامدة جاهدت على ألا تكون حادة، فتلك المرأة استفزتها بحديثها الخال من الذنب تجاه ما فعلته في السابق
_ ابويا الله يرحمه كان خايف يسيب بنتين يتامى في الدنيا لوحدهم من غير حماية، و كان بالنسباله دا احسن حل، بس اطمني انا و اختي الحمد لله كويسين وعايشين وسط ناس كويسه معانا و بتحبنا و بتعتبرنا منهم. سعاد باختصار
_ يعني ايه؟ شروق بجفاء
_ يعخي أنا برفع عنك الحرج يا سعاد هانم، و بقولك متشغليش بالك بينا احنا كويسين واللي ابويا عايزة حصل احنا هنا وسط أهلنا.
تشقق قناع الجمود الذي تُحيط به نفسها و تحاول الإبقاء عليه قدر الإمكان لتتساقط عبرات الندم من عينيها بينما ملامحها لازالت هادئة فقط حشرجة انتابت لهجتها حين قالت
_ طيب. كويس انكوا مرتاحين وسط الناس هنا. بس دي بردو مش وصية والدك الله يرحمه، ولا هو كدا مرتاح. لم تسمح لنفسها أن تأثر بعبراتها إنما أجابتها بنبرة جامدة
_ معتقدش أن راحة بابا الله يرحمه تهمك اوي، و مع ذلك انا بعفيكِ من اي واجب حاسة بيه تجاهنا بسبب طبعًا الجواب اللي هو بعتهولك.
لسوء حظها أنها لم تعرف التنازل أبدًا، و حتى في تلك اللحظة التي تود فيها الاعتذار لا تعرف كيف؟ تريد أن تخبرها بأنها تشتاق ابنتها الراحلة كثيرًا ولا تعلم كيف؟ فقط عبرات غزيرة لا تقدر على كبحها و عينين تتوسلان بصمت علها تُشفق عليها، ولكن اي شفقة وهي لم تُعط بادرة سلام واحدة!
_ تعرفي انك مش شبة نسمة خالص. جملتها أصابت اعماق قلبها و اهتز شيء ما بقوة داخلها ولكن هناك جراحًا لم تندمل بعد، و ذكريات لم تفلح الأيام في محوها لذا هتفت بنبرة يشوبها السُخرية
_ ايه دا هو أنتِ لسه فاكرة شكلها؟
تهدجت نبرة سعاد و علت شهقهاتها وهي تقول
_ هو في حد بينسى ضناه يا شروق؟ لم تكُن القسوة طبع مُتأصل بها أنها صفة اكتسبتها كلما نقشت الأيام وجعًا جديدًا فوق جدران قلبها لذا هتفت بجمود
_ أه في. أنتِ. سعاد بأسى
_ انا عمري ما نسيت بنتي لحظة واحدة. انا مفيش حاجه كسرتني قد بعدها.
ابتسامة ساخرة رنت في أرجاء الغرفة تلاها صيحة استنكار غاضبة خرجت من فم شروق التي ارتجفت جميع أوداجها غضبًا و قهرًا
_ اهي دي أحدث نكته انا سمعتها في حياتي. أنتِ عارفة كام مرة امي حاولت تشوفك و أنتِ رفضتي؟ عارفة كام مرة اتقفل بابك في وشها؟ واوعي تقولي مكنتش اعرف. أومأت سعاد بقهر تجلى في نبرتها
_ والله ما كنت اعرف. معرفتش غير متأخر. شروق بقهر
_ ولما عرفتي عملتي ايه؟ سألتي عنها؟ قولتي عايزة اشوف بنتي؟
_ لا مقولتش، و مكنتش هقول. تفاجئت شروق من حديث سعاد التي استرسلت بأسى
_ مكنتش عيزاها ترجع عش الدبابير. مكنتش عيزاها تتأذي. كنت ببعدها عشان خايفة عليها. توسعت حدقتي شروق من فرط الصدمة التي جعلتها تُردد باستنكار
_ خايفة عليها؟ اومأت سعاد بقهر تفشى في لهجتها حين قالت
_ ايوا كنت خايفه عليها. كنت بحميها امك بعد ما مشيت حاجات كتير اتغيرت، و كل الوشوش اتكشفت، و النتيجة زي ما أنتِ شايفة انا بقيت قاعدة على كرسي.
لم تستطِع استيعاب حديث سعاد التي كان الأسى جليًا على ملامحها، مما يجعل استحالة كذبها، ولكن لوهلة نسبت حديثها إلى تلك المرأة التي كانت هنا منذ قليل، فقالت بجمود
_ تقصدي نبيلة مرات ابنك؟ رفعت سعاد رأسها بلهفة تجلت في نبرتها حين قالت
_ أنتِ عرفتيها منين؟ عرفتي نبيلة منين؟ شروق باستفهام
_ ومالك اتخضيتي كدا ليه؟ ماما الله يرحمها كانت بتحكيلي عنها، و كمان هي كانت لسه هنا قبل ما أنتِ تيجي. بهتت ملامح سعاد و انهارت كل ذرة تماسك لازالت تتحلى بها فصرخت بذُعر
_ سعاد عرفت مكانكوا منين؟ اختك فين؟ انتوا ملكوش قعاد هنا. كلميلي عمر…
أنهت جملتها و انتابتها نوبة سُعال جعلت شروق تهرول إلى الداخل لتجلب كوب من المياة حتى تساعد تلك المسكــ,,ـــــينة التي كان جسدها يرتجف و صدرها يعلو و يهبط من فرط السُعال فقامت بمساعدتها في ارتشاف عدة قطرات من المياة ولكن لاتزال ترتجف كورقة شجر تجاهد حتى لا تسقط فريسة لرياح عاتية، فلم تستطِع شروق سوى أن تحاوطها وهي تقول بلهفة
_ اهدي. في ايه؟ محصلش حاجه. سعاد بتلعثُم
_ هيحصل. دي شيطانه. هي اللي ضيعت بنتي زمان، و عايزة تضيعكوا مني دلوقتي. حرمتني من بنتي زمان، و عايزة تحرمني منكوا. بس والله ما هسمحلها. لو حكمت هقتـ,ـلها.
كانت مُمسكة بيد شروق بقوة فشعرت الأخيرة بأن تلك المرأة صادقة إلى أبعد حد، فنحت كل شيء جانبًا و جلست على ركبتيها وهي لازالت مُمسكة بيد سعاد لتقول بنبرة هادئة
_ ممكن تهدي شوية. هي متقدرش تقرب مني ولا من أختي. بس انا عايزة اعرف ايه سبب حالتك دي؟ الست دي ممكن تعمل ايه؟ سعاد بغل
_ مفيش حاجة متقدرش تعملها. دي ممكن تسخر الشياطين عشان مصلحتها. ميهمهاش اي حد غير نفسها و بس. لكن ورحمة بنتي ما هسيب حقها، و هخليها تندم على كل اللي عملته زمان.
شروق بلهفة
_ اللي هو ايه؟ عملت ايه زمان عشان تكرهوها كدا؟ امي الله يرحمها لما كانت بتجيب سيرتها كانت جسمها بيرتعش. ليه؟ صمتت سعاد لثوان قبل أن تقول بنبرة جامدة
_ هقولك بس بشرط ! شروق بترقب
_ شرط ايه؟ سعاد بتصميم
_ تساعديني اجيب حق امك منها. لا إله الا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ♥️ ★★★★★★★★★★
