بأعين دامعة وخزي ردت “سلسبيل”. _ أنا لسا بحب “حاتم” يا “هبة”
•••• وقفت “تغريد” أسفل البناية التي يحتل فيها طابق بأكمله مكتب الإستراد والتصدير الخاص بعائلة “جمال الراشد”. أخذت تنظر إلى الوقت بهاتفها… فهي مُنذ ساعة وهي تقف وقفتها هذه. عندما إلتقطت عيناها خروج “سفيان” وإتجاهه نحو سيارته، أسرعت بترتيب ملابسها وحجاب رأسها. عندما اِقترب “سفيان” من سيارته قطب حاجبيه في حيره ونظر إليها وظنت أنه سيُحادثها لكنه تجاهل وجودها. _ استاذ “سفيان”. إلتف “سفيان” نحوها؛ فاقتربت منه “تغريد” ليتساءَل.
_ فيه حاجة يا آنسة؟ حدقت به “تغريد” ثم سحبت عيناها بعيدًا عنه وقبضت بيديها على قماش تنورتها. _ أنا “تغريد” بنت عم “حمدي” الله يرحمه، حضرتك بتيجي عند بيت عمي كل شهر يعني عشان.. خرج الكلام من بين شفتيّ “تغريد” متقطعًا ليحك “سفيان” أسفل ذقنه قائلًا: _ خير يا أستاذه “تغريد”؟ نظرت إليه “تغريد” بلهفة. _ أنت فاكرني؟ زفر “سفيان” أنفاسه بقوة، لترتبك وتخفض رأسها وكاد أن يسألها ما سبب وجودها جوار سيارته وأمام مقر عمله لكنها بحديثها أضاعت أي كلام على طرف لسانه.
_ أنا جايه اقولك إن “سلسبيل” متستهلكش وبتضحك عليك. تجهمت ملامح “سفيان”؛ فتراجعت بخُطواتها إلى الوراء إلى أن إلتصق جسدها بالجزء الخلفي من السيارة وأردفت بتعلثم وقد شعرت بالمأزق الذي وضعت حالها فيه. _ هي مبتحبكش واتغصبت على خطوبتها منك، أهلها غصبوها.
•••• أسبوع بأكمله تشعر فيه “سلسبيل” بأن “سفيان” يتهرب من الحديث معها حتى أن مكالمتهم اليومية صارت هي من تبادر بها. _ مش عارفه يا “هبة”، حاسه إنه اتغير. تنهدت “هبة” ثم أخذت تمرر يدها على خُصلات شعرها وتفكر معها بالسبب.
_ يمكن حس بحاجة. اِحتقنت ملامح “سلسبيل” من قولها لتُسرع “هبة” قائلة بندم. _ يا بت أنا بفكر معاكي وأنتِ عارفاني بقول كلام أهبل. أرخت “سلسبيل” جفنيها وزفرت أنفاسها بزفرة طويلة. _ محدش يعرف حبي لــ “حاتم” غيرك يا “هبة” وأنا من ساعة خطوبة “حاتم” وعاهدت ربنا إني هنساه وهحاول احب “سفيان”. تناست “هبة” ما يتحدثون عنه ورفعت أحد حاجبيه وتساءَلت بمكر. _ حبيتي “سفيان” يا “سلسبيل”؟. أغلقت “سلسبيل” جفنيها بقوة وسحبت نفسًا عميقًا ثم أخرجته ببطء.
_ “سفيان” شخص جميل ورائع بس مشاعرنا مش بإيدينا ومش من يوم وليله هقول خلاص نسيت حبي لــ “حاتم”. _ حبك لــ “حاتم” وهم يا “سلسبيل” وبكره تقولي “هبة” صاحبتي قالت. قالتها هبة” وهي تتمنىٰ داخلها أن يأتي اليوم الذي تعترف فيه “سلسبيل” بهذا الأمر دون أن تخسر رَجُلًا كــ “سفيان”. في مساء هذا اليوم الذي أفاضت بمكنوناتها إلى صديقة طفولتها وجدت “سفيان” يُهاتفها، شعرت باللهفة وهي ترى رقمه وردت علي الفور. _ “سفيان” أنا اتصلت بيك كتير النهاردة.
تسطح “سفيان” بإرهاق على فراشه؛ فهو عاد اليوم من رحلة عمله القصيرة. _ لسا راجع من بورسعيد ومشوفتش التليفون غير دلوقتي. تعجبت من طريقة كلامه ليردف قائلًا: _ معلش كنت مشغول بسبب ضغط الشغل. _ أنا مكنتش اعرف إنك مسافر، مقولتش ليه عشان اطمن عليك. ابتسم “سفيان” وهو يُغلق جفنيه. _ قولتلك في وسط كلامنا من يومين لكن أنتِ مأخدتيش بالك. _ أنا آسفة. تمتمت بها “سلسبيل” بأسف حقيقي ليزفر “سفيان” أنفاسه بثقل قائلًا: _ تصبحي على خير يا “سلسبيل”.
••••
بعد يومين من تلك المكالمة -الفاترة- التي حسم فيها “سفيان” قراره حتى يقضي على ذلك الشك الذي زرعته داخله “تغريد” بعدما أخبرته أن “سلسبيل” تم إجبارها لـلموافقة عليه. أتى “سفيان” لــ زيارة “سلسبيل” وقد تركهم والديها للجلوس بعض الوقت بمفردهم. _ “سلسبيل” أنا عايز اكلم والدك النهاردة إن الفرح يكون بعد شهر، “مهاب” اخوكي خلاص نازل اجازه وده انسب وقت، ولا أنتِ ليكي رأي تاني؟ باغتها “سفيان” بقراره لتبتلع ما إرتشفته من قطرات العصير بصعوبه وأخذ صدرها يعلو ويهبط من شدة توترها.
_ بعد شهر!!، بس إحنا كنا متفقين بعد ست شهور. تنهد “سفيان” وإلتقط كأس العصير الذي أمامه وقال بهدوء بعدما ركز أنظاره عليها حتى يرى ردة فعلها. _ أنا شقتي جاهزة وكل حاجة اقدر اعملها الحمدلله في وقت قصير ليه نفضل مخطوبين خمس أو ست شهور. توترت “سلسبيل”، فهي في بداية إعتيادها عليه وقد فاجئها ما أخبرها به. _ رأيك إيه يا “سلسبيل”؟ تعلقت عيناها به؛ فهي صارت لا تعرف ماذا تُريد. _ الرأي رأي بابا.
••••
هذا وهم!!!،، حبها لــ “حاتم” مجرد وهم و “سفيان” رَجُل رائع .. هذا ما أخذت تردده “سلسبيل” طيلة ليلتها التي تسبق الليلة التي ستزف فيها عروس وتكون فرد من أفراد عائلة “الراشد”. أقيم حفل الزفاف في أفضل وأرقى قاعات مدينتهم، ثوب الزفاف جلبه لها “سفيان” من دبي عندما كان في رحلة عمل هناك، كان وكأنه صمم خصيصًا لأجلها، كل شئ حلمت به في هذه الليلة حققه لها “سفيان” ولا تستطيع إنكار أنه يعطيها أكثر ما تعطيه هي.
لم تتأثر اليوم عند رؤية “حاتم” وخطيبته بل بالعكس كان تركيزها كله ينصب على فرحتها وفرحة عائلتها وذلك الذي يمسك يدها بحُب ولا يصدق أنهم بعد سويعات قليلة سينغلق عليهم الباب وتكون له. اِنتفض جسدها عندما أغلق “سفيان” باب الشقة لتغمض عينيها بقوة وسُرعان ما كانت ترتفع دقات قلبها. اِقترب منها ببطء يضع يديه على خصرها ثم أدارها برفق إليه قائلًا بصوت رخيم. _ مبروك يا “سلسبيل”. اِرتجفت وشعرت أن صوتها هرب لتُحاول بصعوبة إخراج صوتها.
اِبتسم “سفيان” وهو يرى خجلها الواضح على ملامح وجهها ومحاولتها في الرد عليه. _ من أول يوم شوفتك فيه وأنتِ احتليي قلبي و عقلي. تحركت يَديه بخفة من على خصرها إلى أن وصل بهما نحو ذراعيها. دغدغها ذلك الشعور الجديد وتخدر جسدها بالكامل ثم رفرفت بأهدابها. _ أنا… تساءَل وهو يلصقها بصدره. _ أنتِ إيه يا “سلسبيل”. وهل لديها معرفة بما تُريد أن تقوله. كادت أن تخفض رأسها لكن وجدته يمنعها ويهمس بأنفاس خرجت ثقيلة وبطيئة.
_ أنتِ جميلة أوي يا “سلسبيل”. وضاع أي حديث آخر رتبه داخل عقله، وترك لشفتيه الحرية.. ولم تشعر بحالها إلا وهي على ذراعيه يتجه بها نحو غرفتهم. 🍂 وَ إِرتَوَىٰ الفُؤَاد 🍂 الفصل الأخير داعبت أنفاسه القريبة وجهها ليُمرر أصابعه على خديها ببطء ثم شفتيها التي اِنفرجت بإنفراجة خفيفة. اِبتسم “سفيان” وهو يراها تغلق جفنيها بقوة وتقبض على شَرْشَف الفراش بأحد أيديها المنبسطة عليه ثم أخذ يُحدقها بنظرة طويلة راضية وقد اِرتاح قلبه من تلك الشكوك اللعينة عن عدم رغبتها بالزواج منه.. فما يراه الآن يؤكد له أنها مستمتعه بما عاشوه سويًا رغم أنه لم يستكمل ما بدئه.
_ “سلسبيل”، فتحي عيونك. قالها “سفيان” بهمس وعلى محياه اِرتسمت إبتسامة واسعة لتفتح “سلسبيل” عيناها بتِيه. _ تحبى اساعدك في فك الطرحة والفستان؟ بصوت رخيم تساءَل وهو ينهض من جوارها لترفع عيناها نحوه وترفرف بأهدابها. _ هــا! عادت شفتيه تنفرج بإبتسامة لينحني بجسده صوبها قائلًا: _ بقولك تحبي اساعدك. اِستمرت “سلسبيل” في تحريك أهدابها حتى بدأت تستوعب وضعها ثم اِنتفضت من على الفراش وقد استعجب من ردة فعلها، نظرت حولها وتساءَلت: _ هو أنا دخلت الأوضة إزاي!
ضاقت حدقتيّ “سفيان” واِرتسم الإستمتاع على ملامحه ونظر نحو باب الغرفة. _ دخلتي الأوضه وأنا شايلك يا حبيبتي. طالعته بنظرة خجله ثم هربت بعينيها بعيدًا عنه واِرتفعت دقات قلبها؛ فأردف بمكر وهو يصف لها المشهد. _ دخلت بيكِ الأوضة وبعدين حطيتك على السرير وكنا مندمجين اووي… أراد أن يستمر بحديثه ويلفظ بعض الكلمات لتُسرع نحو الحمام وهي ترفع أطراف فستان العُرس قائلة: _ أنا هدخل أغير الفستان. أغلقت باب الحمام وسمحت لتلك التنهيدة التي اِحتبستها داخل صدرها أن تخرج بتمهل.
_ أنا إزاي استسلمت بالسهولة دي وليه حسيت كأني متخدرة. قالتها وهي تنظر إلى نفسها بالمرآة الموجوده بالحمام؛ فتعلقت عينيها بشفتيها لترفع يدها وتمرر أناملها عليهما. خرجت زفراتها بقوة هذه المرة وأسبلت جفنيها تتساءَل بحيره. _ هو أنا اللي حساه شئ طبيعي بتحسه أي ست ولا الإحساس ده مش بيوصل غير بالحب. أغمضت عينيها حتي تستعيد تلك اللذة التي عاشتها لدقائق بين ذراعيه وسُرعان ما كانت تنفض رأسها رافضة مشاعرها التي تولدت في فترة قصيرة نحو “سفيان”.
بعد وقت… كانت” سلسبيل” تزفر أنفاسها براحة بعدما حررت خُصلات شعرها من حجاب رأسها. _ فاضل الفستان. سحبت نفسًا عميقًا ثم بدأت بتلك المهمة ومدت يدها إلى الوراء حتى تتمكن من فتح سحاب الفستان. اِبتسمت بإرتياح بعدما سقط الفستان أسفل قدميها لتتذكر مداعبة “هناء” -زوجة شقيقها- بأن عليها تركه ليساعدها في خلع الفستان. _ الحمدلله قومت بالمهمة الصعبه. _ “سلسبيل”، أنتِ كويسه… مش محتاجه مني مساعده. تساءَل “سفيان” ثم نظر إلى الوقت، لترتبك وتُسرع نحو باب الحمام حتى تتأكد من غلقه.
بصوت يكاد أن يُسمع ردت. _ لأ أنا مش محتاجة مساعده، ممكن بس تخرج من الاوضه وتقفل الباب وراك. ارتفع أحد حاجبيّ “سفيان” واِقترب من باب الحمام. _ انتِ عرفتي تعلقي الفستان وتفكي دبابيس الطرحة؟ اِنشقت شفتيها بإبتسامة واسعة وهي تنظر إلى الفستان. _ اه الحمدلله عرفت افتح السوستة واقلعه. بكلمات مازحة داعبها. _ ليه ضيعتي مني اللحظة دي. بغباء تساءَلت وهي تُحدق بالباب. _ لحظة إيه؟!! _ خلع الفستان يا حبيبتي. توردت وجنتيها وشعرت بعودة قلبها يخفق بذلك الشعور الذي تجهله.
اِبتسم عندما طال صمتها لتتحدث أخيرًا. _ طيب ممكن تخرج من الاوضة. أطلق زفيرًا طويلًا ثم تحرك نحو باب الغرفة. _ حاضر يا “سلسبيل”، اجهزي بس عشان نصلي. عندما تأكدت من مغادرته وغلقه لباب الغرفة أسرعت بالخروج من الحمام. بحثت بعينيها عن ما جهزته لها والدتها من ملابس لتتسع حدقتاها بإندهاش من إستبدال والدتها لثوب النوم الذي اِختارته هي. _ ده مش القميص اللي أنا اختارته، شكلها “هناء” هي اللي عملت كده، ماشي يا “هناء”.
ظلت للحظات تُحدق بالثوب إلى أن حسمت قرارها وقررت إرتدائه. •••• اِستدار “سفيان” بجسده بعدما داعبت رائحة عطرها أنفه، اِقترب منها بخُطوات بطيئة وهو يتمعن بالنظر إليها. _ جاهزه؟ هزت رأسها بتوتر بعدما هربت بعينيها ليبتسم وهو يَمُد يده لها ويتجه بها نحو المكان الذي خصصته معه للعبادة. مضت ساعة، تركها فيها “سفيان” تأخذ حريتها في تناول الطعام الذي لم تمس منه إلا القليل. _ شبعتي يا “سلسبيل”؟. تساءَل بعدما شعر بأنه لم يعد يطيق صبرًا لتُحرك رأسها له في صمت.
_ هو أنتِ ليه النهاردة كلامك بتحريك راسك، هي القطة اكلت لسانك ولا إيه يا “سلسبيل”. قالها بداعبة حتى يُمازحها؛ فابتسمت بتوتر وهي ترفع عيناها إليه. _ لأ أبداً بس أنا لسا مش متعودة. بمكر قطب حاجبيه واِقترب منها؛ فصارت أنفاسها تلفح عنقه. _ لسا مش متعودة على إيه يا “سلسبيل”؟. اِزدادت ربكتها وأسرعت بخفض رأسها حتى تهرب من تحديقه بها. _ مقولتيش يعني لسا مش متعودة على إيه. بتوتر ردت وهي تفرك كفوف يديها ببعضهم.
_ إننا يعني في مكان واحد لوحدنا. اِتسعت إبتسامة “سفيان” ودون إنتظار المزيد كان يلتهمها كقطعة حلوى شهية. اِبتعد عنها بعدما شعر بمحاولتها الضعيفة للإبتعاد عنه لينظر لها بنظرة اِحتلتها الرغبة واللهفة لتهتف بصوت متقطع ضائع كحال صاحبته. _ أنا هدخل الحمام الأول. أسرعت نحو الحمام وهي تلهث أنفاسها، لتغمض عينيها بقوة بعدما أغلقت الباب. _ اهدي يا “سلسبيل”، خدي نفسك بالراحة. تمتمت بتلك الكلمات لنفسها حتى بدأت أنفاسها تهدء رويدًا. بنظرة حملت الندم أخرجت تلك العُلبة التي دستها في مكان يصعب الإنتباه إليه ثم وضعت تلك الحبه في كف يدها ونظرت إليها بتردد وسُرعان ما كانت تبتلعها.
هذه الليلة أدرك فيها “سفيان” معنى ألا يرتوي الرَجُل من اِمرأته وقد غادر أي شك أرهق رأسه بالأيام الماضية. دفن رأسه بتجويف عنقها يتنفس بثقل وإنتشاء يهمس لها بحب. _ حاسه بـ إيه؟ سألها بصوت خافت ومَازالت أنفاسه الهادرة تداعب عنقها، لم تكن بحاله تساعدها على النطق بشئ… لكنها كانت تشعر بشعور لا تستطيع وصفه. اِبتعد عنها حتى يستطيع رؤية ملامحها بعد ما حدث بينهما ثم ابتسم بعدما حصل على الجواب من نظرتها إليه. وهَـا هو يغرقها معه مرة أخرى في بحور لذة جديدة على كلاهما.
••••
بعد أسبوع…. بعدما غادر الأهل شقتهم، اِجتذبها “سفيان” من خصرها يهمس لها بعشق. _ وحشتيني. إبتسمت وهي تتمايل بين ذراعيه حتى تستطيع تحرير جسدها من قبضة يديه. _”سفيان” خليني انضف المكان. لَفّ جسدها إليه؛ فأصبح وجهها أمامه. _ الرومانسية عندك يا “سلسبيل” مدفونه. وأردف بعبوس مصطنع: _ في واحدة جوزها يقولها وحشتيني تقوله انضف. إنفلتت منها ضحكة قصيرة خافتة وأومأت برأسها قائلة: _ أه أنـا. اِحتلت شفتيه تلك الإبتسامة التي صَار قلبها يخفق معها ثم داعب أنفها بإصبعه.
_ يا عديمة الرومانسية. هذه المرة كان صوت ضحكتها يخرج بقهقة عالية جعلته يُسرع في حملها وقد باغتها بفعلته. _ “سفيان” أنت بتعمل إيه نزلني. وهل سيقبل هو إعتراضها وتذمرها هذة اللحظة؟؟ وبخبث قال: _ قولتلك متضحكيش الضحكة دي تاني.
•••• كانت السعادة تحتل ملامح “روحية” لينظر إليها “رضوان” زوجها من أسفل نظارته بعدما اِرتشف القليل من الشاي. _ شايفك مبسوطة يا ام العيال. _ الحمدلله يا “رضوان” إن الواحد اطمن على “سلسبيل”، ما شاء الله على جوزها راجل ابن أصول.
اِبتسم “رضوان” وهو يومئ برأسه. _ ربنا يهنيهم يا “روحية”، “سلسبيل” بنتنا طيبة ومتربية وإن شاء الله ربنا هيبارك ليها في حياتها… اهم حاجة بس تكوني مفهماها دورها كزوجة كويس. اِتسعت إبتسامة “روحية” وقالت: _ متخافش على البت يا أبو العيال. لترتفع قهقة “رضوان” على كلامها، فخرج “مهاب” من غرفته: _ يا سلام عليكم لما تكونوا رايقين وزي عصافير الكنارية. اِبتسم والديه إليه ليردف قائلًا: _ اقعد وسطكم ولا هكون عزول. عيناهم المتلهفة لحضنه أعطته الرد؛ فأسرع نحو الأريكة ليندس بينهما حتى ينعم بحضنهما الذي يفتقده في غربته.
_ ملعون الغربة اللي تخليني ابعد عنكم. لتسقط دموع والديه عقب حديثه..
•••• شعر “حاتم” بالصدمة عندما أكد له صديقه سبب تقرب اِبنة عمه منه وموافقتها على الخِطبة ثم تهاوىٰ بجسده على أقرب مِقعد. _ يعني كل اللي كانت معيشاني فيه ده وهم، يعني لو مكنتش سمعتها وهي بتترجاك إنك تحبها كنت هفضل مغفل كده. قالها “حاتم” وهو مَازال لا يستوعب ما سمعه بالصدفة بين من كانت خطيبته وصديقه. طالعه “ماجد” بنظرة آسفة وتنهد بقوة.
_ مكنتش اقدر اقولك حاجة يا “حاتم”، كل اللي كنت بقدر اقوله ليك بلاش تستعجل في قرار الجواز وحاول تفهم طبع “ماريهان” صح. هَز “حاتم” رأسه ثم ضغط على جبهته لعلَّ ذلك الصداع الذي طرق رأسه فجأه يزول. _ بنت عمك طلعت بتضحك عليا يا “ماجد” وسبتها تلعب بيا. _ غصب عني يا صاحبي، لو كنت مكاني كنت عملت كده. نظر له “حاتم” ثم تساءَل بصوت خرج ثقيل. _ كنت بتحبها يا “ماجد”.؟ بصدق رد “ماجد” بعدما جلس على المقعد المقابل له.
_ زمان أه كنت معجب بيها منكرش، “ماريهان” طول عمرها جميلة ودلوعه. حدجه “حاتم” بنظرة فاترة؛ فاستطرد “ماجد” قائلًا بعدما أطلق زفيرًا. _ صدقني يا “حاتم” مشاعري اتغيرت من زمان ناحية “ماريهان”، ولما جيت تطلبها من عمي أنا كنت مرحب جدًا… لم ينظر إليه “حاتم”؛ فواصل “ماجد” كلامه. _ طريقة حياة بنت عمي أنت كنت مبهور بيها لكن في الحقيقة كل ده فَلصوا يا “حاتم”. نهض “حاتم” من أمامه وتحرك حتى يُغادر الغرفة التي يجلسون بها.
_ لولا صداقتنا كنت انتقمت من بنت عمك على خداعها ليا.
•••• نظرت “سلسبيل” نحو عُلبة الحبوب ثم ألقت ما بها نحو المكان الذي يجب أن تكون به. تنهدت بقوة وهي ترى المياة تغمرها وقد ضاع أثرها. غادرت المرحاض ليبتسم “سفيان” فور أن دخل الغرفة ووجدها أمامه بتلك الهيئة المُهلكة. _ هتجننيني معاكِ يا “سلسبيل”. اِحتضن خصرها وقربها منه لتتساءَل. _ هتتأخر في اسكندرية؟ وضع رأسه في عنقها وقد دغدغتها تلك الحركة. _ يومين بس يا حبيبتي.
_ خدني معاك يا “سفيان”. ابتسم وهو يبتعد عنها ثم مد يديه نحو كتفيها وإلتمعت بعينيه تلك النظرة التي تعرفها تمامًا. _ اوعدك المرة الجاية اخدك معايا.
•••• تجمعت العائلة يوم الجمعه في نفس اليوم الذي عاد فيه “سفيان” من رحلة عمله القصيرة. كانت الإبتسامة لا تغادر ملامح السيدة “صباح” وهي ترى أولادها وزوجاتهم وأحفادها حولها. حديث العائلة هذا اليوم كان عن “حاتم” وإنفصاله عن خطيبته. _ يعني مقالش السبب يا “مروة”؟ تساءَلت السيدة “صباح”؛ فحركت “مروة” رأسها نافية معرفتها لشئ.
_ قال كل شئ قسمة ونصيب. كانت “سلسبيل” بالمطبخ مع “بدور” زوجة “عبدالرحيم” ومعهم الخادمة. _ تفتكري مفيش سبب عن فسخ خطوبة حضرت الظابط. طالعتها “سلسبيل” ثم عادت تركز فيما تفعله ولم تتأثر بهذا الأمر ولم يعد “حاتم” وأخباره تشغل بالها. _ ما دام “مروة” قالت مفيش نصيب يبقى اكيد مفيش سبب. إلتوت شفتيّ “بدور”؛ فهي لا تصدق أن فسخ الخِطبة حدث دون سبب. _ بيني وبينك أنا فرحانه عشان مرات عمي “سليمان” تبطل الأنعرة الكذابة بالنسب بتاعها.
ابتسمت “سلسبيل” لها وقالت: _ أنتِ بتحبي طنط “فاتن” أوي يا “بدور”. ضحكت “بدور” واِقتربت من الموقد حتى ترى نضوج الطعام. _ بحبها حب مقولكيش، يلا خليني اسكت لأحسن “مروة” تدخل وتزعل. عندما بدئوا في وضع الطعام على الطاولة، أرادت “مروة” النهوض لكن “سلسبيل” أسرعت في منعها. _ متتحركيش يا “مروة”، أنتِ عارفة الدكتور مانعك من الحركة الكتير عشان الحمل. إبتهجت ملامح السيدة “صباح” وهي ترىٰ تعاون زوجات أبنائها. لفت نظر “سفيان” فعلت “سلسبيل” واِبتسم.
••••
صعدت “سلسبيل” شقتها بإرهاق لكنها قاومت إرهاقها واِتجهت نحو الحمام حتى تزيل رائحة الطعام عن جسدها. غادرت الحمام وهي تحمل المنشفة وتجفف بها خُصلات شعرها. عندما وجدته جالس على الفراش اِبتسمت واِقتربت منه. _ شكلك مرهق. إلتقط “سفيان” يدها وأجلسها جواره ثم تولي مهمة تجفيف شعرها. _ مبعرفش أنام بعيد عن البيت. ردت وهي تمد يدها نحو أحد خديه تمسح عليه برفق. _ طيب قوم يا حبيبي خدلك شاور وتعالا ريح جسمك ونام. طبع قبلة على جبينها ثم تحرك نحو الحمام؛ فهو بالفعل يحتاج إنعاش جسده بالماء البارد.
عندما غادر “سفيان” الحمام وجدها في صورة تخطف الأنفاس، ألقى المنشفة التي يجفف بها شعره الأسود الغزير واِقترب منها. تجاوبها معه في علاقتهم الزوجية وكل ما تفعله جعله كالمشتت، لا جواب لديه…. تفاجأت من إبتعاده عنها، لينظر إلى سقف الغرفة وأنفاسه تخرج بوتيرة سريعة. _ بطلتي الحبوب ليه؟ سؤاله ألجمها وجعلها تفيق من الحالة التي تركها عليها لتنظر إليه بنظرة مذعورة. _ ليه يا “سلسبيل”؟ _ أنا آسفة. قالتها بصوت مهزوز وهي تضم غطاء الفراش عليها.
_ أنا مش عايز اسمع أسفك يا “سلسبيل” أنا عايز اعرف السبب. بأعين دامعة ردت وقد خرج صوتها متحشرجًا. _ كنت خايفة من جوازنا اللي تم بسرعة. _ في ناس بتتجوز في أقل من شهر وحياتهم ناجحة يا “سلسبيل”. قالها بعدما نهض من على الفراش؛ فهو لم يعد يتحمل ذلك الشعور الذي جعلته يعيشه ولا يعرف سبب له. _ أنا كنت غبية صدقني. رمقها “سفيان” بنظرة جلدتها ليرفع كف يده يمسح به وجهه. _ لولا إني متأكد إن مفيش راجل في حياتك غيري كنت شوفت تصرفك بصورة تانية يا “سلسبيل” ومكنتيش فضلتي على ذمتي.
غادر “سفيان” الغرفة ليتركها ترثي حالها بقهر… لقد أضاعها غبائها.
•••• تنهدت “هبة” بحزن على حاله صديقتها ثم رفعت الوعاء الذي تغلي به اللبن من على الموقد وقالت: _غلطانه يا “سلسبيل”، معقول “سلسبيل” العاقلة تعمل حاجة زي دي. جلست “سلسبيل” على الفراش وهي تمسح دموعها. _ هجرني اربع أيام يا “هبة”،”سفيان” طلع قلبه قاسي أوي. بعتاب تحدثت “هبة”. _ عنده حق يا “سلسبيل” يزعل، شوفي بقاله فتره عارف وبيتعامل معاكي بحب. عادت دموع “سلسبيل” تغرق خديها.
_ ليه مقالش ليا من بدري إنه عارف، ليه اختار يسألني بعد ما وقفت الحبوب. حركت “هبة” رأسها دون فهم. _ الرجاله دماغهم غريبة ولو فضلتي تفكري في تصرفاتهم هتتعبي، بصي يا “سلسبيل” خلينا دلوقتي نفكر إزاي تصالحيه. بعبوس اِحتل ملامح وجهها فجأة ردت. _ ما أنا اعتذرت منه كذا مرة وبرضو يا “هبة”. اِتسعت إبتسامة “هبة” بمكر؛ فرغم نباهت “سلسبيل” إلا أنها كانت في هذه الأمور تفتقر الخبرة. _ لأ اسمعيني كويس وركزي. بعدما أنهت “هبة” ما أخبرتها أن تفعله هتفت بتحذير.
_ ياريت نقفل الصفح القديمة يا “سلسبيل” من حياتنا وننساها.