ـ هيحصل يا صابرين. بس اوعي تنسي كل كلمة قولتيها النهاردة عشان هييجي يوم و أندمك عليها. ابتسامة ساخرة و نظرة مُحتقرة كانت الإجابة التي رمتها بها صابرين قبل أن تُغادر صافقة الباب خلفها لتسقط هيام فوق المقعد تبكي بحرقة آلمت مها التي كانت تستمع إلى الحديث منذ بدايته، ولم ترِد الخروج حتى لا تُحرج هيام أكثر، لتقترب منها تعانقها بقوة وهي تقول بتأثر:
ـ اهدي بالله عليكِ يا أبله هيام. متزعليش نفسك. دول ناس زبالة، و ياسر يستحق اللي أحسن منهم.
لم تفلح كلمات مها في تهدئة الألم الذي يكاد يفتك بروحها، و الذي استدعى شيطان الحقد بداخلها لتهب من مكانها وهي تهتف بغل:
ـ البت دي لازم تبعد عن أخويا. لازم أخليه يشيلها من دماغه. مها بنبرة يشوبها الحسد:
ـ بس ياسر بيحبها أوي. تفتكري في حاجة ممكن تخليه يشيلها من دماغه! توقفت هيام بمنتصف الغرفة وهي تنظر إلى البعيد بغضب مقيت قبل أن تهتف بقسوة:
ـ لا مفيش. ياسر لا يمكن يسيبها. صمتت مها تفكر و من ثم هتفت بلهفة:
ـ طب أية رأيك لو تحاولي تبعديها هي عنه!
هيام بتفكير:
ـ تصدقي عندك حق. أخويا أصيل لا يمكن يتخلى عنها. بس هي أكيد واطيه زي أهلها، و هتبيعه بالساهل. ـ طب ناوية على أيه!
صمتت هيام لبعض الوقت تعيد تدوير الأفكار في رأسها قبل أن تتسلط عينيها على مها التي كانت تطالعها بغرابة سرعان ما تحولت إلى دهشة حين سمعتها تقول:
ـ لو عيزاني أساعدك في المصيبة اللي أنتِ فيها. يبقى تساعديني أنتِ كمان ابعد البت دي عن ياسر. مها بلهفة كغريق وجد قشة نجاته:
ـ موافقة. هعمل كل اللي أنتِ هتقولي عليه.
تملك الشيطان منها لتقول بنبرة مغلولة:
ـ اسمعيني كويس.. عودة للوقت الحالي كاد عقلها أن يطير من هول ما سمعته، فهل هناك أم في العالم قد تدعس فوق قلب ابنتها بمثل هذا الجبروت! كانت الأعيُن متوسعة من فرط الصدمة و الذهول ليهتف يزيد باستنكار:
ـ أية دا! أيه القرف دا! انتوا مين عشان تعملوا في الناس كدا! مين عشان تلعبوا بحياة البني آدمين بالشكل دا! أنتوا أية؟ قال جملته الأخيرة صارخًا مما جعل جابر يحاول تهدئته قائلًا:
ـ أهدى يا يزيد. أهدى خلينا نفكر بالعقل يا ابني.
هنا تحدث ياسر بنبرة تعانق بها الألم و الخذلان و الاستنكار معًا:
ـ نفكر! وضع يده فوق رأسه و أخذ يدور حول نفسه كالنمر الذي أُغتيلت هيبته بضربة غدر جاءت من صديق، فصار ينهش الهواء حوله ليُخفي وجعه. عاجز عن محو عبراته و ردع صرخاته التي لم تُهدأ هذا الوجع المُميت بداخله ليقوم بتوجيه لكماته إلى الحائط لكمة تلو الأخرى وهو يزأر بوحشية:
ـ ليه؟ ليه ؟ ليه؟ هرول كُلًا من يزيد و جابر يحاولون السيطرة عليه ليتراجع عنهم وهو يصرخ بصوت أفزع الجميع:
ـ ابعدوا عني.
كانت أنفاسه تتصاعد كزئير وحشًا جريح ينهشه الألم نهشًا فيحاول ركله مع الهواء الخارج من صدره حتى صار كل نفس يخرج منه أشبه بانفجار مكتوم يتردد صداه في المكان مما جعل الجميع يتراجع خوفًا من مظهره، ولكن هذا الوحش الجريح، بكل ما فيه من غضبٍ ووجع، لا يحتاج لأحد سواها فهي البلسم الوحيد القادر على تهدئة نزفه، واليد التي تعرف كيف تُرمم ما تمزق منه، ليتوجه إليها يجذبها من يدها بقوة و هو يهبط الدرج مهرولًا إلى الخارج و كأنه يفر من هذا المكان كما يفر الإنسان من جهنم.
لا إلهَ إلا اللهُ العظيمُ الحليم،
لا إلهَ إلا اللهُ ربُّ العرشِ العظيم،
لا إلهَ إلا اللهُ ربُّ السماواتِ وربُّ الأرضِ وربُّ العرشِ الكريم.»♥️ ★★★★★★★★ كان هذا الصباح يحمل من الغيوم ما أثقل كاهل السماء فأخذت تُمطر و كأنها تُنفس عن وجعها الذي كان أضعافه بصدر خالد الذي ما أن سمع عن اختطاف ابنته، وهو كالمجنون، فقد خرج الوحش من مكمنه، و السيطرة عليه دربًا من المستحيل فقد أصبح مُرعبًا حد ارتجافة جسد أشجان الجالسة بجانبه في السيارة التي كانت تبتلع الطريق كثعبان ضخم لا يجرؤ أحد على اعتراض طريقه.
ـ خالد.
هكذا هتفت بذُعر ليلتفت إليها بحدة جعلت جسدها يرتد إلى الخلف، و العبرات تتدحرج من مقلتيها كهارب يفر من طوق المشنقة مما جعله يحاول تنظيم أنفاسه قليلًا قبل أن تمتد يده و تقبض على كفها بقوة لم يكُن يقصدها ليجذبها إلى صدره الذي كان يرتج بعُنف، و كأن هناك قنبلة على وشك الإنفجار تنبض بين ضلوعه، و تقذف الهواء من داخله مما جعل نبرته متهدجة حين قال:
ـ اهدي. متخافيش. أن شاء الله رنا هترجع بالسلامة.
أخذ جسدها يرتجف أسفل حصار ذراعه ليقترب واضعًا قبلة سطحية فوق حجابها و كأنها اعتذار عن هلعها يتنافى مع نظراته المُرعبة و صوته القاسي الذي يعج بالوعيد حين قال:
ـ لسه متخلقش على وش الدنيا اللي يمس شعره من حريم خالد الوتيدي.
كان حديثه مرعب و غضبه مقيت، فاحتمت بصدره دافنه وجهها بين ضلوعه إلى أن سمعت صوت احتكاكًا قويًا و فجأة توقفت السيارة بشكل مباغت ولكنها كانت آمنه أسفل ذراعه المُحيط بها، و قد شعرت بالبرد يكتنفها حين جذبه بعيدًا عنها لترفع رأسها إليه، فلمحت ومضة من اللين داخل عينيه قبل أن تتحول نظراته إلى أخرى قاتمة مرعبة تشبة نبرته الخشنة حين قال:
ـ هتنزلي دلوقتي و تدخلي القصر و اوعي تخرجي منه لحد ما ارجع رنا. سمعاني!
خرج صوتها أشبه بالهمس حين قالت:
ـ هتعمل ايه؟ كانت ملامحه جامدة و قاسية في آن واحد بالإضافة إلى نظراته الخطرة التي بعثت الخوف في نفسها ولكن جاءت كلماتها لتهدم الفُتات المُتبقي من ثباتها حين قال:
ـ هوري اللي فكر يقرب من بنتي جهنم على الأرض شكلها أيه! ارتجف جسدها رعبًا أفصحت عنه عينيها بغزارة لتُصيبه بلعنة الذنب على مظهرها المرتعب مما جعله يقول بخشونة:
ـ اوعي تخافي من أي حاجة أبدًا طول ما أنتِ معايا، و ادعيلي. يلا انزلي.
لم يُمهلها الوقت إنما تركها ليترجل من السيارة و هو يلتف إلى الجهة الأخرى ليقوم بفتح الباب و احتضان يدها ليُخرجها من السيارة فمدت يدها تمسك مقدمة قميصه بقوة ليُغمض عينيه محاولًا التغلب على طاقة الألم النابع من خوفه على ابنته و الغضب الهائل التي ضاعفه خوفها و نبرتها المُهتزة حين قالت:
ـ خالد. انا خايفة عليك أوي. وضع قبلة محرورة فوق حجابها قبل أن يقول بنبرة جافة غاضبة:
ـ قولتلك متخافيش. ادعيلي بس. بتر كل محاولاتها في الحديث ليصرخ على أحد الخادمات التي هرولت إليه ليهتف بجفاء:
ـ اسنديها لحد جوا. يالا.
أطاعته وقد أمسكت الخادمة بيدها لتساعدها في المشي فقد كانت أقدامها تلتف حول بعضها من فرط الخوف، و هي تنظر إلى الخلف وعينيها معلقة على خالد الذي قام بجذب سلاحه من خلف ظهره وهو يحادث قائد الحرس خاصته:
ـ عرفتوا خدوها وراحوا فين؟ عابد باحترام:
ـ أحنا مراقبينهم عن طريق الGps اللي في هدوم رنا هانم، و زي ما حضرتك توقعت. أنهم هيتخلصوا من أي حاجة معدن معاها. زي الساعة و التليفون و حتى السلسلة اللي كانت لبساها.
ناوله عابد أغراض طفلته ليشعُر بقبضة قوية تعتصر صدره من فرط الألم ليلحظ عابد تبدل ملامحه مما جعله يقول بلهفة:
ـ متقلقش يا خالد بيه. رجالتنا طلعوا على الطريق من اول ما لقطنا الإشارة، و أن شاء الله هيلحقوهم. اومأ خالد برأسه بوعيد، وهو يتذكر ما حدث قبل عملية إنقاذ عمته و ما سبقها من ترتيبات عودة إلى وقتٍ سابق