بسم الله الرحمن الرحيم ♥️ السبيل الأول ❤️🔥 يُقال إنّ العفو من شِيَم النبلاء، ولكن هل يسقط من قائمتهم مَن كانت آلامه تقف سدًّا منيعًا بينه وبين الغفران؟ ماذا لو فاق الوجعُ قدرةَ الإنسان على الأحتمال، وجعله ضحيةً لعقلٍ يتملّكه غضبٌ أهوج، وقلبٍ يفترسه وجعٌ عظيم يُفقد الروحَ وهجَها ويُطفئ آخرَ ضوءٍ للحياة بداخلها؟
من هذه البقعة المظلمة تحديدًا تُولَد القسوة، ويُخلَق الجبروت؛ فحين تأبى القلوبُ العفوَ ذلك ليس بدليلًا على اسودادها، بل لأنّ الألم قد يفوق طاقة احتمالها. فليست كلّ الأخطاء قابلةً للغفران، ولا يجوز المقارنةُ بين الخَدش والذبح، أو وضعُهما في كفّة عقابٍ واحدة.
ومن الإجحاف أن يُطلَب من قلبٍ فتّته الألم أن يمنح ما لا يملكه ولا يقدر عليه؛ أليس العفوُ مقرونًا بالمقدرة؟ نورهان العشري ✍️ 🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁 اهتزت الأرض حين خر على ركبتيه ينظر بضياع و رفض كما تنظر الشاة إلى السكين الذي سيجتز عنقها دون رحمة، وعينيها المرتجفتين تتعلقان بصاحبها، ذاك الذي أطعمها يومًا وسقاها، فإذا به اليوم يقف أمامها ممسكًا نصلًا يلمع ببرود مُخيف، و كأنه يشمت بارتجافها قبل أن يهوِي به عليها.
كانت لحظة مُرعبة تتجسد بها الخيانة في أقبح صورها حيث يتحول الأمان إلى مقصلة، واليد التي كانت تحنو ذات يوم تحولت إلى أخرى تذبح.
ـ أنتِ يا هيام! توسعت عينيها كبحيرة عميقة فاضت مياهها بغزارة وهي ترى نظرات ياسر الضائعة المُستنكرة، و ذلك الألم الذي يتساقط من عينيه جهرة ليرتجف جسدها وكذلك نبرتها حين قالت:
ـ اسمعني يا ياسر. أنا… توقفت جميع الأعيُن على هيام التي لم تستطِع إكمال حديثها ليصرخ يزيد بقسوة:
ـ ردي يا هيام. أنتِ فعلًا عملتي كدا! تعالت نهنهاتها للحد الذي جعل الكلمات تضيع فوق شفتيها لينصب ياسر عوده وهو يتقدم منها وعينيه تشتبك مع عينيها بنظرات تتوسلها بنفي هذه الجُرم كما توسلتها نبرته حين قال:
ـ قولي لا و أنا هصدقك. قولي انك معملتيش فيا كدا.
خرجت أنفاسه محرورة و كأن هناك حريق داخل صدره جعل نبرته مبحوحة حين قال:
ـ كنتِ بتطبطبي عليا بإيد، و بالتانية بتغرزي السكينة في ضهري! هيام بلهفة:
ـ اسمعني يا ياسر. والله انا مكنش قصدي! استنكر حديثها بشدة ليصرخ بانفعال:
ـ مكنش قصدك! يعني أي! يعني دبحتيني، و فرقتي بيني وبين الإنسانة اللي محبتش في حياتي غيرها، وجاية تقولي مكنش قصدي! ابتسامة مريرة أبعد ما يكون عن المرح شوهت ملامحه قبل أن يقول بنبرة جريحة:
ـ روحتي بعتي واحدة تتبلى عليا، و تطلعني كلب و حقير ضحك عليها، و تقوليلي مكنش قصدك!
تراجع للخلف وهو يحاول تهدئة أنفاسه الثائرة فقد كان صدره يعلو و يهبط بعُنف، و لُهاث تنفسه يوحي بأنه يخوض معركه ضارية جعلت نبرته تتهدج حين قال:
ـ أيه يا هيام! اومال لو قاصدة كنتِ عملتي فيا أيه! شهقة قوية خرجت من قلب غنى جذبت جميع الأنظار إليها كما فتتت كلماتها قلوبهم حين قالت:
ـ معقول أنتِ اللي تعملي فينا كدا يا أبله هيام! دانا موت في السنتين دول مليون مرة. ارتجف جسدها من فرط الألم الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ دي الجدران شققت من صوت صريخي كل يوم.
كان وقع كلماتها مُريعًا عليه وكأن أحدهم انتزع شمسًا صغيرة مُلتهبة، و قام بغرسها بمنتصف صدره، فصار يحترق من الداخل بنار لا تُرى ولا تنطفئ، ولكن هيام لم تحتمل اتهامات غنى فصرخت بعُنف:
ـ أمك السبب. أمك هي اللي خلتني عملت كدا. غنى بصدمة:
ـ أمي؟! هيام بصُراخ:
ـ أيوا أمك. هي اللي جتلي البيت بهدلتني و هددتني لو مبعدتش ياسر عنك هتموته أو هتحبسه! غنى باستنكار:
ـ بتقولي أيه؟ هيام بانفعال:
ـ بقول اللي سمعتيه.
صمتت هيام تناظر ياسر بتوسل وهي تتذكر ما حدث في ذلك اليوم عودة إلى وقتٍ سابق ـ أنا واقعة في عرضك يا أبله هيام. هكذا تحدثت مها بذُعر، فهتفت هيام بلهفة:
ـ خير يا مها في أي؟ مها بتلعثُم:
ـ أنا عملت مصيبة كبيرة، و هتفضح أنا و أمي. هيام بذُعر:
ـ ما تقولي يا بت في أيه؟ وقعتي قلبي. مها بخزي:
ـ أنا حامل من عماد. هيام بصدمة:
ـ يا نهار مش فايت! بتقولي أيه يابت؟
أجابتها مها من بين نهنهاتها:
ـ غصب عني والله يا أبلة هيام. انا بحبه، وهو وعدني أنه هيتجوزني، وهو عند وعده. المشكلة أن أبوه مش موافق على الجوازة دي، وانا مرعوبة مش عارفة اعمل أية. هيام بعويل:
ـ الله يخيبك يا بت. تعملي في نفسك كدا ازاي! مخوفتيش على أمك! بلاش أمك. مخوفتيش من ربنا! مها بانهيار:
ـ بالله عليكِ ما تقطميني أنا مش ناقصة، و بفكر أموت نفسي في اليوم ميت مرة. هيام باستنكار:
ـ اخرسي. كمان عايزة تموتي كافرة. أيه يا شيخة! الشيطان راكبك كدا ليه؟
ما أن أوشكت مها على الحديث حتى دوى طرق قوي على باب البيت، فارتعش جسد مها التي هتفت بذُعر:
ـ يالهوي لا يكون ياسر. أوعي تقوليله حاجة يا أبلة هيام أبوس إيدك. هيام بحيرة:
ـ أقول اية و أنيل أيه! قومي اتنيلي اغسلي وشك أما أشوف مين. شكلك يغُم. توجهت مها إلى المرحاض و هيام إلى باب البيت لمعرفة من الطارق، و قد غزت معالمها الدهشة حين شاهدت صابرين التي كانت تُطالعها بغضب تجاهلته هيام وقالت بنبرة ودودة:
ـ أهلًا و سهلًا يا أم غنى.
صابرين بحدة:
ـ لا أهلًا ولا سهلًا ياختي. هما كلمتين جاية أقولهملك توصليهم لأخوكي. تفشى الحرج بأوردتها و خاصةً حين شاهدت نظرات المارة الذين جذبهم صوت صابرين الغاضب لتحاول امتصاص غضبها وهي تقول بابتسامة بشوشة:
ـ يا ستي ادخلي جوا في أية ؟ هو احنا غُرب. كلام أي اللي يتقال قدام الباب دا! دلفت صابرين إلى الداخل و لازالت ملامحها تحمل التجهم و الغضب الذي تجاهلته هيام قائلة:
ـ تشربي اية؟ صابرين بحدة:
ـ أنا مش جاية اضايف يا عنيا. انا جاية اقول كلمتين و همشي على طول.
هيام بسخط:
ـ سمعيني يا صابرين الكلمتين اللي تاعبينك دول. صابرين بقسوة:
ـ أيه اخرتها مع أخوكي الصا… اللي واقف حال بنتي دا! انتفضت هيام بحدة تجلت في نبرتها وهي تقول:
ـ أخو مين اللي صا… يا صابرين ما تحسني ملافظك، وبعدين أخويا موقفش حال حد. اخويا جه لحد باب بيتك وطلب إيد بنتك، و أنتِ اللي معجبكيش. صابرين بغضب:
ـ أيوا معجبنيش و عمره ما هيعجبني، اخوكي دا مين ولا ابن مين ولا بيشتغل أيه عشان اجوزه البت اللي حيلتي!
هيام بتحذير:
ـ خلي بالك يا صابرين. أنتِ عماله تغلطي وانا سكتالك عشان غنى، وعشان أنتِ في بيتي. صابرين بقسوة:
ـ ولا تقدري تعملي حاجة. الغلط راكب اخوكي من ساسه لراسه، و بعدين يا حبيبتي احنا ملناش في قتا.لين القتلة، وبتوع الحشيش. انتفضت هيام وكأن سهمًا مُشتعلًا أصاب قلبها:
ـ مين اللي قتا.لين القـ.تلة و بتوع حشيش يا صابرين! ـ أنتوا يا عنيا. تنكري أن أبوكي اتطرد من بلده بسبب عملة سودا عملها! و تنكري أنه كان حشاش و خمورجي!
تراشقت الإهانات بصدرها، فأصابتها بالوهن الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ عيب يا صابرين الكلام دا. ابويا الله يرحمه كان مظلوم، و ياسر مالوش ذنب… قاطعتها صابرين بجحود تجلى في نبرتها و كلماتها:
ـ مش شغلنا يا حبيبتي. له ذنب ولا مالوش ميخصناش. هما كلمتين ملهمش تالت. اخوكي يبعد عن بنتي. لا هو من توبها و لا يليق لها. بنتي زينة البنات. تروح للي يتاقلها. هيام بنبرة ترتجف ألمًا:
ـ و افرض هي عايزة ياسر؟
صابرين بحدة:
ـ خليه هو بس يبعد عنها و يبطل يميل دماغها. اسمعيني يا هيام أنا لحد دلوقتي عاملة بأصلي معاكوا، و مقدرة حالتكوا لكن اخوكي لو مسك سلوك الكهربا مش هياخد البت اللي حيلتي. ماهو انا مش مجنونة ار.ميها في النار بإيديا، و بدل ما اديها للي يهننا اديها لواحد يمرمطها. هيام باستنكار:
ـ مين قالك إن ياسر هيمرمطها! ـ وهو الفقر و الحوجة مش مرمطة! ولا الكام ملطوش اللي بياخدهم من جابر يعملوا أيه في الزمن دا! إلا بقى لو كان ناوي ينزلها تشتغل معاكي في المشغل.
كانت رنة السخرية في جملتها الأخيرة جارحة إلى درجة كبيرة لتهتف هيام بلوعة:
ـ الشغل مش عيب يا صابرين، وانا بشتغل مش عشان حوجة. لا انا اخواتي مش حارميني من حاجة، وعمر ياسر ما هيبهدل بنتك. صابرين بتجبر:
ـ قصره يا هيام. انا بنتي جايلها عريس مايترفضش. راجل ملو هدومه و أبوه تاجر كبير اوي، و الواد و أهله هيموتوا عالبت، وأنا هجوزهاله هجوزهاله، و أخوكي دا لو مبعدش عن بتي. الله في سماه لهحسرك عليه عمرك كله. فيا تبعديه عنها بالذوق يا هعمل فيه بلاغ و اوديه في ستين داهيه
ضاقت ذرعًا من الإهانات و تجبر هذه المرأة لتصرخ بعُنف:
ـ من غير تهديد با صابرين. اللي خلق بتك خلق مليون غيرها. اشربيها، و أخويا ميستحقش ناس شبهكوا. روحي يا حبيبتي بيعيها للي هيدفعلك أكتر. صابرين بتبجح:
ـ ملكيش فيه. ابعديه بس عننا، و ربنا ياختي يبعتله نصيبه. تشعب الغل في أوردتها و نبرتها حين قالت: