هكذا تحدثت أشجان وهي تقترب من سوزان التي التفتت ناظره إليها بحب تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ الواحد بس يشوف الوش الحلو دا يروق على طول. أشجان بحب:
ـ والله انا اللي لما بشوف وشك برتاح، و بطمن. سوزان بهدوء:
ـ بس عنيكِ بتقول انك مش مرتاحة ولا مطمنه. مالك؟ سحبت قدراً كبير من الهواء داخلها قبل أن تقول بنبرة مُشجبة:
ـ آسيا. حالتها صعبة أوي، و بالعافية قدرت اقنع بابا أنها تقعد مع شروق شوية لحد ما نفسيتها تتحسن. مش عيزاها تصطدم بماما تاني. بيني وبينك انا مش هقدر أجازف اني اسيبها معاها لوحدها.
سوزان بتعقل:
ـ كل واحد فينا له طبع يا أشجان، و ممتك بتحبكوا مفيش خلاف على كدا. بس هي طبعها حاد شوية. عقليتها و تفكيرها جايين من زمن تاني، فبلاش تلومي عليها هي دي دماغها و دا تفكيرها، و في زمنها كانت كل حاجة لسه بخيرها. أشجان بتعب:
ـ عادي بقى. ربنا يهديها. أنا عن نفسي مبقتش بزعل منها. أشجان بهدوء:
ـ دا اللي مفروض يحصل. محدش يزعل من أمه. خلينا دلوقتي في آسيا طمنيني هي عاملة أي؟
أشجان بحزن:
ـ ساكتة. بس عينيها بتقول كتير. ـ طيب استني انا عملتها حاجة خفيفة كدا تاكلها و بعدين تريح. يالا نروح نطمن عليها. و بالفعل قادتها أشجان إلى الشقة المجاورة التي تمكث بها كُلًا من جميلة و شروق لتقابلهم الأخيرة بابتسامة هادئة و نبرة تشبهها حين قالت:
ـ أيه الريحة الحلوة دي يا سوزي؟ سوزان بمزاح:
ـ أهو أنتِ اللي حلوة. كانت آسيا تجلس على الأريكة تستند برأسها إلى الخلف مغمضة العينين لتقترب أشجان منها قائلة بحنو:
ـ آسيا. سوزي جاية تسلم عليكِ.
فتحت عينيها و التفتت إلى سوزان التي هالها رؤية كل هذا الألم الذي يحتل ملامحها على الرغم من أنها لم تراها سوى مرة واحدة يوم زفاف أشجان و خالد، ولكنها أشفقت على ملامحها الجميلة من هذا الوجع الذي تحمله لتقترب منها قائلة بحنو:
ـ حمد لله عالسلامة يا حبيبتي. آسيا بنبرة مُتحشرجة:
ـ الله يسلمك يا طنط. تسلميلي. زمت سوزان شفتيها وهي تقول بتقريع:
ـ طنط! قوموا البنت دي مشوها من هنا. دي بتقولي يا طنط!
ابتسمت الفتيات على حديثها و من بينهم آسيا لتهتف شروق بمُزاح:
ـ معلش لسه نزيلة جديدة يا سوزي. سوزي بمُزاح:
ـ لسه متعرفش القوانين يعني. بصي بقى عشان نبقى على نور. قواعدنا هنا مفيهاش استثناء. مش معنى انك حلوة و جميلة كدا أننا هنسكتلك لا! انا شديدة اوي مع النُزلاء بتوعي. ابتسمت آسيا و لم تعلق لتُتابع سوزان بحدة مُفتعلة:
ـ و ممكن أسامح على اي حاجة إلا كلمة طنط دي، و مابحبش الناس الكشرية. أنا و النكد مبنجتمعش في مكان.
آسيا بنبرة حزينة:
ـ يبقى انا كدا ماليش مكان هنا. مدت سوزان يدها لتربت فوق كتفها بحنو تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ المكان هنا و سُكانه تحت أمرك، و أن مشالتكيش الأرض نشيلك جوا عنينا. في السابق لم تكن ممن يؤثر بهم الحديث كثيرًا، ولكنها الآن كانت في أمس الحاجة للحظة حنان واحدة تربت على جراحها لتهدأ، فتجمعت العبرات في مقلتيها قبل أن تقول بنبرة مُتحشرجة:
ـ شكرًا أوي على كلامك الحلو دا. سوزان بهدوء:
ـ دا مش كلام يا حبيبتي دي حقيقة. احنا هنا كلنا أهل، و أنتِ بنت من بناتي، ولو احتاجتي أي حاجة أنا موجودة.
كانت تريد البكاء أو الصراخ ظنًا منها أن هذا قد يُفيد في تهدئة آلامها ولو قليلًا، ولكنها كعادتها لم تُفصح عن مكنوناتها، بل اكتفت بعبارات شُكر هادئة لتقوم سوزان بجذب صينية الطعام الشهي و طبق من الفطائر الشهية و وضعها أمامها وهي تقول بحنو:
ـ أنا جهزتلك أكل خفيف، تاكلي و تاخدي دواكي و تدوقي الفطيرة الحلوة دي عملتها بإيديا هستنى رأيك فيها.
ابتسامة ساخرة شقت جوفها وهي تستمع إلى كلمات سوزان التي أصابت وترًا حساسًا بداخلها لتهتف بتهكم مرير:
ـ أنتِ لو قاصدة توجعيني مش هتعملي كدا. فطيرة و غدا دا أنا امي معملتيش كدا! مفتكرتنيش أصلًا! بقولك أيه خدي أكلك، و حاجتك معاكِ أنا مش عايزة شفقة من حد.
دون أن تدري تساقطت العبرات من مقلتيها وهي تتحدث لتمتد يد سوزان و تمحو عبراتها وهي تتجاهل كلماتها التي تبدو قاسية لتقول بهدوء:
ـ مفيش بنات كبيرة تعيط زي العيال الصغيرة كدا، و مينفعش حد يقدملنا حاجة و نرفضها حتى لو وحشة. تدوقي و تقولي الله يا سوزي تسلم إيدك إيه الجمال دا.
اصطدمت بتقبل سوزان لكلماتها وسعة صدرها لتصمت غير قادرة على الرد، فتابعت سوزان بنبرة مُتحشرجة بالبكاء فقد آلمها حال آسيا كثيرًا:
ـ أنتِ مش محتاجة شفقة من حد. أنتِ أحسن بنت في الدنيا، حتى لو الدنيا ضغطت عليكِ شوية. دا عشان تخرج أحسن ما فيكِ. زي الفطيرة دي بالظبط. اتعجنت كويس، و اتسابت عشان تخمر، و بعد كدا حطناها تحت درجة حرارة عالية أوي عشان تبقى بالجمال دا. خليكِ جدعة، و اوعي تستسلمي. خلي الضــ,,ـــــربة اللي متمــ,,ـــــوتكيش تقويكِ، و تخرج أحسن ما فيكِ. أنا عارفة انك تقدري تعملي دا.